في طفولتك كانت مشاعرك لها عنفوانها تتفجر دون سابق إنذار عبر أفعالك العفوية، كنت متى شعرت بالغيرة بكيت صارخًا معلنـًا رغبتك في التملك واستحواذ الاهتمام، كنت تفعل الألاعيب بإخوتك لتبتسم، وتسرق الحلوى ولا يشغلك سوى ألا تراك والدتك، كنت جاهلًا كليًّا وممارسًا مخلصًا لشهواتك البسيطة كحال كل طفل، بالوقت لم تعد الأفعال بتلك البساطة، ولم يعد وعيك كذلك، تكبر ويكتسي كل فعل بكسوة المعنى فتدرك أن البشر ليسوا ألعابًا ولا يجوز تكبيلهم بحس التملك، تدرك أن الألاعيب قاسية تجرح النفس وأن جروح النفس ليست حمراء ككدمة قدمك أثناء اللعب، تدرك أن اختلاس الحلوى سرقة وخيانة للثقة، دومًا كلما تزداد معرفتك ويتسع وعيك تزداد قيودك، تدرك خطوطـًا حمراء ممتدة من الممنوعات، وأحجارًا ثقيلة من الواجب تثقل كاهلك يجب أن تفعلها لتنال احترامك وحبك لنفسك، وكلما استنار عقلك كلما اتسع نطاق فرديتك وإمكاناتك، ما يمكن أن تفعله وما يجب أن تفعله؛ فتدرك أن عليك أن تشدد قيودك أكثر لتعينك على سيرك.

هذا ما يجعل المعرفة مؤلمة، ويجعل كثيرين يتحدثون عن نعمة الجهل، فالجهل بما يمكنك أن تفعله وبالنداهة التي تجذبك لتكون متحققـًا بكامل إنسانيتك هي ما يجعلك تعيش حياتك راضيًا كالخنزير بمزرعة الطين، قدم «إيناريتو» المخرج المكسيكي تحفته الأوسكاريةbirdman تحت عنون «الفضيلة غير المتوقعة للجهل» فلو كان البطل ريجان جاهلًا بحقيقته كممثل رديء لسلسلة هزلية لما اغتوى بحلم التحقق الفني الكامل وبمسرحيته العميقة واكتفى بالملايين والشهرة التي يحققها، غواية المعرفة التي تؤرقنا وتخلق الصراع بين ما نحن عليه وما يمكن أن نكونه فلا نعود كما كنا أبدًا.

تخلق المعرفة فينا هذا الصراع، فرؤيتك للأمور صارت أوسع مما هي عليه، صرت ترى الأشخاص من الأسفل بمنظور عين الطائر، حيث أغلال الجهل في أعناقهم تشدهم للرؤية الضيقة ولتبسيط الواقع، لم يعد ممكنـًا أن تعود لتصير مثلهم، من تلك النقطة تتباين الطرق التي يتعامل بها الفرد المثقف مع معرفته المتزايدة.

 ساكن البرج العاجي

يكثر في المجتمعات القمعية التي لا تمنح الفرد فرصة لاستثمار معرفته وتوظيفها بل تجعله مكبلًا بها وممتلئًا بالتنظير حتى النخاع دون تفريغ ذلك في الفعل، وهؤلاء تراهم ممتلئين بالأفكار شديدي الولاء لعوالم نظرية هم ابتدعوها ونسجوا طرقها من خيوط عزلتهم، حالة أسماها «مالك بن نبي» طغيان الأفكار وفيها تبتعد الأفكار عن مجال الفعل وتأخذ أشكالًا تجريدية حادة فيحول الفرد معرفته لميزة وهوية، ويستعذب السكنى وسط الجاهلين لأنه وسطهم يشعر بالتعالي والتسلط، ويعيش منعزلًا مكتفيًا بمهابة من حوله له وهم يفغرون أفواههم كلما تحدث بما لا يفقهوه، والسينما خلدت هذا النوع، فكل طبيب نفسي أو مفكر أو كاتب هو فرد منكوش الشعر يلفظ في وجهك ماركس ونيتشه والبنيوية، وكل ما هو معقد بلا نظام، تحب السلطة هذا النوع لأنه لا سلطان له على مجرى الأحداث، هو تقوقع مع كتبه وتصالح مع عزلته يستمد منها التقدير والهوية، تعبر عن ذلك «أروى صالح» في كتابها «المبتسرون»: «فيه ناس علاقتهم باللي بيناضلوا عشانهم دخلها فساد عميق ورابطتها الحقيقية بالنضال هي التعالي»، فساكن البرج العاجي يشارك السلطة احتقارها للعوام؛ فالسلطة ترى الشعب قطيعًا يجب قيادته وإلا الفوضى، وهو يرى الشعب قطيعًا لا يملك العزم لحمل أمانة المعرفة، يستعذبوا جهلهم ويستحقوا مصيرهم المنكوب أسرى لطاغية أو للظروف، بل قد يصل الأمر حد استعذاب كل النوازل التي تقع للعوام، والشماتة ومصاحبة عاطفة التعالي والانعزال لعاطفة الكراهية وتأطير العوام في إطار عنصري كشعب كسول ومزدوج المعايير ومختل بطبعه.

وهذا يختلف تمامًا عن النوع التالي:-

«أناس يشعرون بالضبط بعدم الوفاق مع أنفسهم ومع العالم، كأنهم خلاصة لإحساس أشقائهم البشر بالنقص الكامن دومًا في الكائن الإنساني -ربما خفته التي لا تحتمل- والساعي أبدًا للاكتمال». أروى صالح – المبتسرون

تجعل المعرفة هذا الشخص في تلك الحالة المشتعلة من عدم الكمال والتوق للتحقق، خاصة لما يربط هويته ورؤيته لذاته بإخلاصه لمبادئه، وهذا الشخص لا يستطيع أن يكتفي بالاستعلاء؛ فالمعرفة تعذبه وغفلة الآخرين بجهلهم كذلك، وذلك جوهر الصراع لكل نبي، فكل نبي معذب بمستويات المعرفة والكشف والاستبصار التي ارتقى لها مع هم أن يجذب قومه من جذورهم الطينية الغافلة لتلك المستويات دون أن يردوه هم أرضًا فاشلًا متحسرًا، وقد تكسرت يداه، «محمد» صلى الله عليه وسلم كان يدعو قومه لما يحييهم ويتلقى أذى أهل الطائف وضربات الكفار في غزوة أحد وهو يصيح «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»، كل نبي كان معذبًا بواجب إحياء نفوس قومه وجذبهم لمستوى معرفته، تجد معاناة هذا الكدح في «يونس» لما غضب من قومه فابتلعه الحوت و«موسى» لما ألقى الألواح وجذب لحية أخيه، ونوح وهو يتوسل لولده ليركب معه الفلك، هذا النوع يرث هذا الدور النبوي كرافعة تجذب العوام لما يحييهم، هم يؤمنون أن الخلاص الفردي ليس خيارًا مطروحًا؛ فالمعرفة لا قيمة لها لو لم تحي الأفراد، أو كما يقول «المسيري»: «المثقف الذي لا يترجم فكره إلى فعل لا يستحق لقب المثقف» وهذا النوع مكروه من كل الأطراف، فهو يلقي مقاومة عالية من العوام لأنه يطالبهم بتحمل مسئولية مصيرهم والكدح ليتحققوا إنسانيًا بالكامل ولا يقبلوا بحاكم يتولى التفكير عنهم، فله القرار ولهم التصفيق، هو يخرجهم من دائرة أمانهم البائسة لأرضية رخوة من الاحتمالات لا يطيقونها، وكذلك يكره كل حاكم هذا الفرد الذي يؤلب العوام، ويداعب نداهة الحلم في دواخلهم بعالم أفضل، ويرفعهم معه لمنظور أوسع فيروا حجم الطاغية الحقيقي ويروا حجم قوتهم، ومع ذلك هم معذبون بالتكرار أو الديجافو، فهم مضطرون للتعايش مع خيارات العوام الخاطئة ويدركون أنها لن تصمد أمام السنن الكونية في العدل وتحمل مسئولية المصير، ومضطرون للتعايش مع مصيرهم كمغتربين يرون العوام يعيدون أخطاءهم ويثقون بالطغاة ويتكاسلون عن حقوقهم ويستمعون للخطب الفارغة من الحقائق، يضطرون لمعايشة تلك المشاهد ألف مرة دون فقدان الأمل في كسر الحلقة المكررة.

معرفة تعزز الباطل

هذا النوع يمتلك ذكاء فطريًا ومعرفة قوية بمجتمعه لكنه لا يتقوقع بها ويحيا في برجه العاجي ولا يحمل أمانتها بحثـًا عن إحياء الأفراد بها، بل يستغل تلك المعرفة وفهمه المتأصل لمجتمعه في تثبيت الواقع، فأي حاكم على سبيل المثال يملك معرفة وثقافة بأوهام شعبه وكيف يستثير مخاوفهم وآمالهم وكيف يملأ فراغ الأماني بأساطيره المكذوبة، لم يحول هتلر الشعب الألماني إلي نازيين، إنما تشكل حسبما تطلبت اللحظة الراهنة، حيث كساد الثلاثينات المعيشي مع اندحار الهوية والكرامة الوطنية نتيجة هزيمة الحرب الأولى، كل ذلك تطلب رجلًا متعصبًا مفرطـًا في التعبير عن هويته وتقويتها باحتقار غيره، فكل الأشرار هم مثقفون بالفطرة ومدركون لطبائع مجتمعاتهم، وإلا ما أمكن لهم أن يخدعوهم، فالسامري رجل وموسى رجل وكلاهما على معرفة بعيوب بني إسرائيل، فبينما موسى أراد تزكيتهم استغل السامري المعرفة نفسها في خداعهم.

لا تكفي المعرفة أبدًا في خلق المثقف الصالح، فهي قد تجعله نبيًا يحمل أمانتها ويكسب احترامه لذاته، ويخسر راحته في عالم يساومه يوميًا على مبادئه، وقد تجعله راهبًا معزولًا، وقد تجعله شيطانـًا يسخر معارفه في تعزيز الباطل، كما يقول أنطونيو غرامشي: «أغلب أفراد المجتمع مثقفون – يملكون المعرفة – قلة فقط من تضطلع بدور المثقف الحق في المجتمع».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المثقف
عرض التعليقات
تحميل المزيد