إذا ما حاولنا أن نتتبع أصل كلمة (الثقافة) في اللغة العربية فإننا سنجدها تدور حول معاني الفطنة والخفة وسرعة التعلم. وأصل الثقف: الحذق في إدراك الشيء وفعله، ومنه رجل ثقف إذا كان سريع الفهم، ويقال: ثقفت الرجلَ في الحرب إذا أدركته وظفرت به. ومن ذلك قوله تعالى (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) وقوله (إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ) . قال الراغب: يقال ثقفت كذا إذا أدركته ببصرك لحذق في النظر، ثم يتجوز فيه فيستعمل في الإِدراك .

 

أما عن أصل كلمة (الثقافة) في اللغات الغربية فأصلها عندهم Culture وتفيد معنى الزراعة والاستنبات. ويُقال أن شيشرون (106- 43 ق.م) الكاتب والخطيب والسياسي الروماني كان أول من استعمل الكلمة بمعناها المجازي فسمى الفلسفة Culture mentis أي فلاحة العقل وتنميته. أما عن مدلولها عندهم فإنه لم تتفق كلمتهم بشأن تعريف عام للثقافة.

 

فمثلاً إدوارد تايلور (1832 – 1917م) يعرف الثقافة في كتابه “الثقافة البدائية” بأنها: كل مركب يشتمل على المعرفة والمعتقدات، والفنون والأخلاق، والقانون والعرف، وغير ذلك من الإمكانيات أو العادات التي يكتسبها الإنسان باعتباره عضو في مجتمع”. وهنا يشير إلى أن الثقافة لا تشتمل فقط على الأفكار بل وتشتمل على التفاعلات الاجتماعية لهذه الأفكار.

 

وعرفها ماثيو أرنولد (1822- 1888م) في كتابه “الثقافة والفوضى” بأنها: محاولتنا الوصول إلى الكمال الشامل عن طريق العلم بأحسن ما في الفكر الإنساني، مما يؤدي إلى رقي البشرية.

 

بل وقرأت لبعض الباحثين أن عالمين أمريكيين من علماء الأنثروبولوجيا حصرا في مطلع الخمسينات مائة وخمسين تعريفًا للثقافة! وبعيدًا عن التعقيدات الفلسفية والكلامية المتعلقة بقضية (الثقافة)، والتي سنرتضي لها في مقامنا هذا بتعريفها بأنها كل ما له صلة بالجوانب الفكرية والعقلية والقيمية لمجتمع مع تفاعلاتها في مقابل الجوانب المادية والتكنولوجية.

 

فإن ما يعنينا – هنا – من قضية الثقافة هو تلك الحالة (الشاذة) ممن ينتسبون إلى الثقافة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية والتي جعلت من الشخص لا يكون مثقفًا إلا إذا كان منكرًا لأمر من أمور الشريعة الثابتة! بالإضافة إلى (التبعية الكاملة) لكل ما هو غربي.

 

ولا تكمل ثقافة هؤلاء إلا بحفظ أسماء بعض المفكرين أو الفلاسفة الغربيين. وأصبحت ثقافتهم أشبه بما عُرف عند الغربيين أنفسهم بـ (الثقافة المضادة) والتي تسير معارضة للقيم السائدة في المجتمع.

 

ولأن هذا الأمر للأسف أصبح (ظاهرة) في الواقع الثقافي، أردنا أن نضع بعض (القوانين) و(الضوابط) الثقافية والتي تحكم عملية الثقافة.

 

إذا كانت الثقافة وهي عالم الأفكار وما يتفاعل معه، فإنها لا تنشأ من فراغ ولا تتفاعل مع الفراغ! أي أن الثقافة لا تكون (مجردة) بأي حال من الأحوال عن ظروف وبيئة معتنقيها. فالثقافة تضم مزيجًا من ثلاثة مفاهيم أساسية:

 

1) التحيزات الثقافيةCultural bias : وتشير إلى القيم والمعتقدات المشتركة.

 

2) العلاقات الاجتماعية Social relations: تعرف بأنها أنماط العلاقات الشخصية بين الأفراد “طريقة المعيشة”.

 

3) أنماط أو أساليب الحياة Way of life: وهي تعتبر الناتج الكلي من التحيزات الثقافية والعلاقات الاجتماعية.

فثقافة مجتمع ما تأتي (معبرة) و(متأثرة) بالقيم السائدة في هذا المجتمع والعلاقات الاجتماعية وأساليب الحياة داخل هذا المجتمع. وبالتالي فلا توجد ثقافتان تتطابقان في جميع جوانبهما، ولكن تتفقان في جوانب (المشترك الإنساني) وتختلفان في أخرى (الخصوصية الثقافية).

 

فالثقافة ما هي إلا انعكاس (مرآة) لأفكار وقيم وعادات والعلاقات الاجتماعية وأساليب الحياة لمجتمع ما، وبالتالي فإن لكل مجتمع -مهما كان تقدمه أو تخلفه – ثقافة خاصة به.

 

وعليه فإن على (مثقفي) الأمة وعلمائها أن يميزوا ما بين هو (مشترك إنساني) عام ومتفق عليه بين الأمم والمجتمعات، وما بين ما يعتبر (خصوصية) ثقافية خاصة بأمة من الأمم أو مجتمع من المجتمعات قد تناسب البعض وقد لا تناسبها.

 

فالنبي صلى الله عليه وسلم حينما أقر حلف الفضول – الإنساني – والذي شهده صلى الله عليه وسلم قبل النبوة في سن الخامسة عشر حين اتفقت قريش- وهي على كفرها – وتحالفت بالله ليكونُنّ يدًا واحدة مع المظلوم على الظالم حتى يُرد إليه حقه!

 

وهنا يشير النبي صلى الله عليه وسلم إلى قبول قيمة (العدل) ومبدأ رفض الظلم بل وقال بعد نبوته: “لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت”.

 

أما عن الأفكار والثقافات والتي تتوافد على مجتمعاتنا، فإننا نقبل منها ما لا يتعارض مع ثوابتنا وعقائدنا، ونرفض منها ما لا يتفق معهما، بل ونعتبره من (اللغو) المنهي عنه شرعاً!

فمثلاً: حقوق المرأة وتحريرها، وهي قضية عادلة في غاية الأهمية خاصة إذا طالعنا ما كانت تتعرض له المرأة في القديم والحديث. حتى عدّ البعض المرأة “عورة” لا يسترها إلا “القبر”!

ولكن أي الطرق نسلك في قضية حقوق المرأة وتحريرها؟ النموذج الإسلامي الذي سطعت في سمائه نساء المؤمنين في القديم والحديث؟ وكفى أن القرآن – كتاب المسلمين المقدس – سمى (سورة) بأكملها بسورة النساء في حين كان هناك من يحرم على المرأة أن تقرأ الكتاب المقدس لأنَّها تعتبر نجسة! أم النموذج الغربي الذي (حرر) المرأة من كل شئ حتى من (ثيابها) و(عرضها) بل وحتى من (طبيعتها)؟

 

ومما أُثر عن د. عبد الوهاب المسيري (1938 – 2008م) أنه كان يقول عن نفسه: “يساري .. على سنة الله ورسوله”! وكان يقصد -رحمه الله – أنه ينتهج نهجًا يساريًا ولكن بما لا يخالف الشريعة الإسلامية. ونحن في هذا المقام نؤكد على قضية (المثقف) الذي لا يحارب الثوابت والعقائد بل ينطلق منهما فهو مثقف ولكن على سنة الله ورسوله.

 

يتبع،

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد