رواية «الطلياني» باكورة أعمال للباحث الأكاديمي شكري المبخوت الأدبية، التي تحصلت علي جائزة البوكر للرواية العربية، الجدير بالذكر قبل البدء في تقديم القراءة تذكير أن أعضاء لجنة التحكيم لجائزة بوكر هم من نخبة النقاد والكتاب الأكاديميين، ويتغيرون كل سنة، وهذا العام يترأس اللجنة الشاعر والكاتب الفلسطيني مريد البرغوثي، ومن أعضائها الشاعرة والناقدة والخبيرة الإعلامية البحرينية بروين حبيب. والأكاديمي أستاذ الأدب المقارن في جامعة لندن المصري أيمن الدسوقي، والناقد الأكاديمي أستاذ الأدب المقارن في جامعة بغداد العراقي نجم عبدالله كاظم، والمترجمة الباحثة اليابانية كاورو ياماموتو. غلاف الرواية صمم بشكل لافت فذلك الرجل الهائم صاحب الملامح الغير الواضحة يمثل شخصية الطلياني الذي اختاره المبخوت بطلًا لروايته.

فالمشهد الافتتاحي للرواية من أغرب المشاهد التي يبدأ بها الكتاب روايتهم، فهو يثير التأمل والحيرة والفضول، نسج خيوطه بطريقة سردية محكمة ومشوقة، يبدأ بجنازة السي محمود والد عبدالناصر والغريب في المشهد هو تعرض الشيخ علالة إمام الجامع للضرب من قبل الطلياني أثناء صلاة الجنازة؛ مما جعل عائلة السي محمود في حرج كبير، ظل موقف الطلياني وتصرفه الغريب حديث الساعة داخل منزل السي محمود، تناوله الكاتب بتفاصيل دقيقة في تفسير أسباب تصرف الطلياني بهذه الطريقة من قبل عائلته.

شخصية عبدالناصر بطل رواية المبخوت الطلياني تلك الكنية الشعبية التونسية التي عادة ما تطلق على كل شاب وسيم في تونس، تعدد الروايات حول مولده نظرا لوسامته الأوروبية التي ازدانت مع السحر الأندلسي، بالإضافة إلى صفات الرجولة والفحولة التي ورثها عن وسطه الاجتماعي، ثم يبدأ الكاتب بسرد التفاصيل الصغيرة لنشأة الطلياني داخل المنزل وعلاقته مع بقية إخوته خاصة عبدالحميد الأخ الأكبر الذي يعيش ويدرس في فرنسا والحاجة زينب الأمرة والناهية في البيت، يصول ويجول بنا الكاتب مع الطلياني وأسرته وجيرانه بتشويق وسرد رائع مع (للة جنينة) والشيخ علاله الدرويش زوجها.

عبد الناصر شخصية مركبة متناقضة برجوازي صغير يختار حياة النضال السياسي ينتمي لليسار يتخرج من كلية الحقوق بعد أن كان يرسب متعمدًا لكي يظل في اتحاد النقابة، شخصية حالمة هادئة رغم الثورة التي بداخله مثقف يختار أن ينتمي إلى البالوتاريا النتنة.

يتعرف عبد الناصر على زينة يرى فيها مثالا للمرأة اليسارية الرفيقة المثقفة تذهله بجمالها الأمازيغي زينة اسمها المستعار أما اسمها الأمازيغي أناروز وتحت حكم بورقيبة فإن الأسماء الامازيغية كانت ممنوعة، تعجبه شخصيتها القيادية وقدرتها على الاقناع وهي تخطب بجماهير الطلاب داخل أروقة الجامعة وهي التي تدرس الفلسفة، ينسج أحداث هذه العلاقة ويكون الراوي هنا صديق زينه وجارها وكيف أنها كانت ضحية للبيقروطية الادارية، والتحرش الجنسي من قبل أساتذتها، تتعرض زينة للاغتصاب من مجهول داخل منزلها مما سبب لها ألمًا شديدًا لم تفتك أن تنساه طيلة حياتها، يتعاطف معها الطلياني، وينسج لنا المبخوت علاقة حب يسارية، يتزوجان وتواجههما الكثير من الصعاب يتجاوزها الطلياني ويقف بجانب زينة في كل المشاكل التي تقف في طريقها من أجل بحثها الفلسفي وإنهاء دراستها.

تدور أحداث الرواية في فترة مهمة من تاريخ تونس وهي تعتبر أول شهادات تتناول هذه الفترة، فالبعد النفسي مهم جدًا لها، تدور أحداثها عن العنف الثوري في اليسار والعنف لدى الجماعات الإسلامية وقتها، تنتمي هذه الرواية للواقعية تذكرنا بقصة مدينتين لتشارلز دكنز تتشابك فيها الرواية مع أهداف الواقعية الاشتراكية في كثير من المقاطع، ولأول مرة يتم النقاش عن إقصاء اليسار نفسه بنفسه من خلال العنف الثوري.

الروح الحقيقية للنص هي الواقعية والأحداث السياسية والاجتماعية في تلك الفترة، الإطار التاريخي للفترة حقيقي مثل أزمة الخبز والاتحاد العام التونس للشغل وأسماء مثل الصيد العقربي التي لم يذكرها الكاتب، لكنه لمح لها وذلك باتفاق مع الناشر ألا يذكر أسماء أما الأحداث فهي خيالية.

تظل الطلياني من أهم الروايات التي تتخذ من الثالوث موضوعا لأحداثها (الجنس، والدين، والسياسة) الاعتداءات على الأطفال والعلاقات خارج نطاق الزواج، أرخت الرواية لبداية انقلاب (بن علي) على بورقيبة، وكيف تم التغيير السياسي وقتها، فظل الطلياني يراقب الأحداث كيف تسير حتى من خلال الآذان الذي أصبح يصدح على شاشات التلفاز في عهد بن علي، وكيف عادت الهوية العربية الإسلامية لتونس على حد قول الطلياني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أدب, ثقافة, نقد
عرض التعليقات
تحميل المزيد