أن تعتبر أن ثورة يناير هي أعظم لحظة حدثت وستحدث في حياتك، وأن ترى أن 30/6 هي احتشاد شعبي (حقيقي) خَرَج اعتراضًا على حُكم الإخوان الرخو.

أن تعتبر أن رابعة مَجزرة وأن قادة منصّة رابعة ومَن سمح لهم بالتواجد عليها مهاويس لم يبرأوا أبدًا من فِكر العُنف، وأن قيادات الداخلية والجيش قتلة مكانهم أقفاص المَحاكِم وليست مكاتب الحُكم.

 

أن ترى أن مُرسي هو أضعف وأغبى مَن حَكَم مصر على الإطلاق، وأن تعتبر أن ادعاءات عمالته وتجسّسه سخافات لا تُقنع طفل تسبقه ريالته.

 

أن ترفع كلا حاجبيك تَعجبًا وأسفًا على أنصار الإخوان الذي لم يكتشفوا أن سِعة التحرير لا تزيد عن بضعة آلاف من المواطنين إلا حين امتلأ ضدهم، رغم أنه كان يحتوي ملايينهم أوقات مَسيرات تنظيمهم، ولم يعرفوا أن السيسي عميل لإسرائيل أمه يهودية وأن الجيش المصري جيش نوال وجيش كامب ديفيد إلا حين خُلع رئيسهم.

أن ترفع حاجبيكَ تعجبًا وأسفًا على وائل الإبراشي وتوفيق عكاشة وغيرهما من الذين أكّدوا أن انتماء السيسي للإخوان أمرًا لا شكَّ فيه، وأنه خلايا نائمة مُنذ أن كان طالبًا في الكلية الحربية، وبعد 30/6 صار بطلاً مُفدى مِثالاً للوطنية والوفاء ومُحاربة الإرهاب الإخواني، الذي اكتشفوه فجأة بعدما كانوا رفاق نضال ووطن واحد مهما اختلفت بنا الرؤى، ولطالما أفردوا لهم ساحات الاستوديوهات لسنينٍ طوال.

أن ترى أن ثورة يناير لم يُعضدها ولم يخسف بها الأرض غير الإخوان.

 

أن تعتبر أن ما تُمارسه الجزيرة وصدى البلد عُهر إعلامي يستحق أن يُدرّس في كليات الإعلام مِثالاً للصحافة القذرة.

 

أن تتمسخر على غبائك حين هتفتَ يومًا “الجيش والشعب إيد واحدة”، وصدّقت أكذوبة أن الجيش وقف ضد مبارك حِمَايةً لمَطالِب ثورة يناير ووقايةً للمُتظاهرين.

 

أن تحزن على شهداء الشرطة والجيش والإخوان وعلى كل الذين سقطوا ويسقطون يوميًّا في الشوارع بعد 30/6، كما حزنت على جيكا و(جميع) ضحايا الاتحادية وكافة ضحايا المُظاهرات والأحداث قبلها، دون أن تسأل أولاً عن الهوية، ثم تختلق بعدها مُبررات للدم تعتمد على وجودك في الحُكم وموقفك من جبهة القاتل والمَقتول من عدمه.

أن ترى أن البرادعي لم يهدم العراق سواء اتفقت معه أو لم تتفق، دون أن تستعملها شمّاعة تخرج وقت اللزوم من أي قوة سياسية، فقط إذا لم يعجبهم ما يفعله أو ما يقوله.

أن ترى أن القَبَلية الدينية في مصر باتت أقوى من الدين نفسه.

أن ترى أن القُضاة ظَلَمة، وأن الإعلاميين نصّابون، وأن السياسيين فَسَدة، وأن الأحزاب السياسية أطلال، وأن الحُكّام لصوص، وأن المُعارضين انتهازيون.

 

أن ترى أن حاكِم مصر – الآن- يُخرّبها بامتياز، وتعلم أن بديله الإخوان الجاهز – إن جاء- سيخرّبها بامتياز.

 

أن تُقاطِع الاستفتاء على دستوري الإخوان والعسكر، وترفض كليهما، كما قاطعت استفتاءات وانتخابات مُبارك القديمة.

أن يكون الاستفتاء الوحيد الذي صوّت فيه هو التعديلات الدستورية الأولى، وكان رأيك لا.

 

أن تحضر جنازات جميع الشهداء بلا تمييز منذ ثورة يناير حتى الآن.

أن يتّهمك الإخوان بأنك فلول، وأن يتّهمك الفلول بأنك إخوان.

 

أن يشيد بك الإخوان ويخوّنك العسكر قبيل يناير، وأن يخوّنك الإخوان ويُشيد بكَ العسكر بعدها، وأن يخوّنك الآن كلاهما معًا.

 

أن تُعارض مُبارك ومُرسي وعدلي منصور والسيسي، وتُهدّد من الآلة الأمنية القمعية لهم جميعًا.

 

أن تكون “فنجان قهوة مظبوط” لا يعبأ به أحد إلا حين الحاجة، لا مكان لكَ وقت الفرح لأنهم يشربونها حينه زيادة، ولا حتى أثناء الحزن لأنه وقت القهوة السادة.

أن ترى نفسك مُجرد رقم في نِسَب المُشاهَدات، وعدد “اللايكات”، ومُعدلات البيع، وحجم التصويت، وتوقعات الشعبية والإقبال.

 

أن تتهاوى خلال ثلاث سنوات جميع الأقنعة عمَّن حسبتهم يومًا مُناضلي حق ورموزًا يُحتذى بها، فتفقد الثقة في كل شيء، وتفقد الثقة في أنك يُمكن أن تثق يومًا في أحد.

 

أن تُوقِن أنك مُجرد كُرة يتخاطفها الإعلاميون، والكتّاب، والصحفيون، ورجال الدين والقضاء، ورجال الأعمال طمعًا في المُتاجرة بكَ وباسمك؛ فتغلق عليكَ بابك، تنعزل وتتقوقع عن الجميع وتُقاطع قنواتهم وإعلامهم وقضاءهم وجميع انتخاباتهم، ثم تصنع لكَ “فنجان قهوة مظبوط” يزن لك دماغَك الضائعة، فتكتب مقالة كهذه، قبل أن تذهب بعدها لتنام مُستمتِعًا بسيول الشتائم التي ستنهال عليك بسببها من جميع الأطراف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد