(1)

تحول الدين عند البعض من شعائر تعبدية ومعاملاتية إلى بعض المظاهر التي تبتسم بالمتاجرة والمرابحة والتسويق، وذلك تأثرًا بالحالة المادية التي نعيشها الآن والتي حولت أي شيء (القيم) من مضمونها إلى عدد إحصائي، فكلما أشاهد ورقة أو منشور يراد صاحبها أن ينشرها فيكتب عليها “أستحلفك بالله أن تنشرها” أو يستحث الناس على نشرها بعدة كلمات مثل “أمانة عليك أن تنشرها” أو “ماذا تحاجج عن نفسك إن لم تنشرها” أو “إن لم تنشرها اعرف بأن الشيطان قد منعك”.

ومع تطور أدوات التكنولوجيا كلما أشاهد رسالة مرسلة في مواقع التواصل الاجتماعي أو على برامج الدردشة على الهواتف الذكية تحوي الرسالة بعض التوجيهات والنصائح والحكم الدينية، مذيلة أو مقدمة بالأمثلة التي نشرتها، أجد في قلبي غصة من تحول المسلمين من فهم مقاصد الإسلام الرئيسة والغفلة عنها إلى تدين يعتبر تدينًا بسيط الثمن، يزداد فيه حجم المتاجرة بالحسنات، دون النظر على أساس متانة العلاقة بين الله وعباده.

 

هذه العلاقة التي وصفها العديد من العلماء بعلاقة المحبة الصادقة بين العبد وربه، المحبة التي لا تحتسب بقيمة مادية بحسنة أضيفت أو سيئة أزيلت، هذه العلاقة التي اختصرها البعض بعداد يعد حجم تلك الحسنات (بالرغم من أهمية الحسنات بالطبع وأهمية الاجتهاد في تحصيلها تقربًا لله عز وجل).

ونجد أن الأمة انشغلت عن قضاياها المصيرية التي تعتبر فرض عين على المسلمين، إلى قضايا فرعية يتم تمريرها سواء كانت بقصد ممن يتربصون للأمة بالعداء، أو بغير قصد بجهل المسلمين عن أمور دينهم، وعند كل فترة زمنية تظهر بعض القصص والحكم تحض المسلمين على نشرها وتكون هي البارزة على السطح كل عقد.

ومن أشهر القصص الدارجة في الثمانينيات والتسعينيات “وصية من المدينة المنورة عن الشيخ أحمد خادم الحرم النبوي الشريف” الذي شاهد الرسول في المنام يسأل عن أحوال المسلمين وأوضاعهم واختتمت الوصية بحث المسلمين على نشرها وعدم إهمالها، ففلان أهملها فابتلي بمصيبة وغيره نشرها ففتح الله عليه، في كل حد وصوب صارت هذه الورقة المدون عليها تلك الوصية تنتشر في العواصم العربية والإسلامية كالنار في الهشيم.

واتضح بعدها أن القصة مختلقة وضاع مجهود الآلاف من المسلمين في جهد وعمل وطباعة وأمانة للنقل هباءً بسبب الجهل، بالرغم من أن هذا المجهود لو استفاد به المسلمون في أمر من أمورهم التي سوف تطورهم لكان أولى.

مفهوم المسلمين للصدقة الجارية وعلم ينتفع به

وفي حقيقة الأمر نجد أن المسلمين يحاولون جاهدين تفسير أوامر الله عز وجل وتوصيات النبي صلى الله عليه وسلم والعمل بها، ولكن السؤال هنا عن الكيفية وعن مضمون تلك الأوامر والتوصيات، فكثير يفسر حديث النبي صلى الله عليه وسلم:

“إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له” بتفسيرات عديدة تنتج منها مسلم غير واعٍ يريد تطبيق الحديث بأي شكل دون تحقيق مضمونه السليم لكي تكون الصدقة الجارية بحق صدقة جارية يستفيد منها المسلمون، ويكون العلم الذي ينتفع به علمًا حقيقًا ينتفع به.

فكم من الصدقات أهدرت باسم الصدقة الجارية في عدد من المرافق لمسلمين لا يستفيدون منها، كبناء المساجد في أماكن لا تحتاج لمساجد في أماكن مهجورة السكان، ووضع مبردات المياه في أماكن لا تحتاج إلى مبردات، وتترك دون صيانة وعناية فيكون مصيرها العطب والتوقف، بالرغم من أن المسلمين يحتاجون إلى مرافق عددية كبناء المساجد والمدارس والبنية التحتية للمسلمين الذي يحتاجون إليها فعليًّا في الأماكن التي يحتاجون إليها فعلاً.

وكم من علم ينتفع به لا تجده علمًا ينتفع به، فتجد العديد من الكتب والمطويات التي تطبع وتنشر لكي يوضع عليها التراب دون استعمال على الأرفف، ويكون صاحب هذا المال الذي أنفقه في ذلك أحس بالرضا الكامل على نشره ذلك العلم بالرغم من أنه لم ينشر ولم ينتفع به أحد، وبالطبع من تصدق بصدقة كهذه أو نشر علم كهذا ونيته خالصه لله فإنه الله لن يضيع ثوابه، ولكن مع الثواب نريد النتائج الفعلية التي تحول وتغير من حال الأمة في صدقة جارية فعلية تغير وتبدل من حال الأمة فبهذه تأخذ الثواب ويتغير واقع الأمة.

 

كذلك نريد علمًا فعليًّا يعمل عليه المسلم بكد وبتعب لكي بالفعل يقال عليه إنه علم ينتفع به، لا ينتهي الحال بطبع بعض الوريقات ولا يدري هل سيستفيد بها المسلمون أم لا، أو أن يختصر مراد العلم “بالعلم الذي ينتفع به” بعملية النسخ والطباعة، وكأن المسلمين غير مطالبين بالتعب والاجتهاد لتقديم العلوم للبشرية كما كانوا يقدمونها من قبل، فيكون هو ذلك العلم الحق الذي ينتفع به.

وبالطبع لا أزكى على الله أحدًا في أي مسلم قام بعمل ولو بأقل القليل، ولكن أرى أن مضمون العمل هي ما تنقص المسلمين في هذه الأيام، والتي تحولت معظم عباداتهم وشرائعهم إلى حركات يؤدونها دون مضمون يصب في صالح الأمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد