«إن اقتصاد مصر يُشبه بقرة ترعى على الأرض المصرية، ولكن ضروعها تمتد إلى خارج مصر؛ حيثُ يُحلب لبنُها هناك» الدكتور عبد الجليل العمرى.

لا يستطيع أي متابع للشأن المصري أن يقول بنفس راضية وضمير مُستريح بأن مصر وشعبها بخير، ولعل المُدقق في الصورة المصرية سيجد تمازُجًا عجيبًا في نفس وقلب وعقل الشعب المصري، بين الغضب والقلق.

«غضب» مما حدث بالأمس، وأول الأمس (الماضي) و«قلق» على الحاضر والمستقبل.

فقطاع عريض من الشعب المصري يرى اليوم نظامًا، ظنه الدواء الشافي لمرضه العاتي، يُثبت عجزه كل يوم عن مواجهة قضايا الفقراء والمهمشين، ويتأكد فشله في حل تلك القضايا؛ مما جعل ذلك القطاع العريض من الشعب يعيش في الفراغ، إلى جانب الإحباط.

لقد مشى هذا الشعب أشواطًا طويلة، يُطلب منه في بداية كل شوط التحمل والصبر وربط الأحزمة على البطون، والتضحية بكل غال ونفيس؛ من أجل بناء الوطن، وكلما قارب على منتصف الطريق يستمع لصيحات من كل جانب بأن الطريق يكاد ينتهي، وتضحياته لم تذهب هباء، ولكنه في نهاية الطريق يكتشف بأنه قد خُدع، وغُرر به، وكُذب عليه، و ظهر له بأن تضحياته ومعاناته قد ذهبت سُدىَ، وأن كل ناتج معاناته قد دخل إلى جيوب وخزائن تلك الطبقة التي نزلت على مصر كالجراد في منتصف السبعينات، ونمت وكبرت حتى صارت كوحش «الهيدرا» المُخيف!

وهو ما نراه بأعيُننا اليوم: في مدى قوة تلك الطبقة التي لا يستطيع رئيس الدولة «السيسي» أن يواجها، بل يلتف عائدًا من المواجهة، ويبرر ذلك بقوله «إن دعم الفقراء أخطر على الدولة من محاربة فساد تلك الطبقة»!

رابط لتصريحات الرئيس «السيسي»

والذي حدث في مصر أن ما هو اقتصادي، تفاعل مع ما هو اجتماعي، وتمازج مع ما هو ثقافي؛ فإذا بالشعب المصري يقف وسط دوامة عنيفة لا يستطيع الخروج منها. ولم يكن ما يشعر به الشعب المصري من مزيج بين الغضب والقلق وليد اليوم، وحتى تتضح الصورة أكثر، فلننظر على الصورة بشكل معمق، وتحديدًا في عصر مؤسس نظام دولة «كامب ديفيد» (1979)؛ لأنني أعتقد أننا منذ نظام الرئيس المؤمن «السادات»، وحتى دولة المشير «السيسي»، فنحن أمام نظام واحد.

نظام له تفكيره وآراؤه وأطروحاته وأهدافه وسياساته وتوجهاته؛ فتلك النظم من (السادات وحتى السيسي) نُظم فقدت بوصلتها، وتخلت عن إرادتها، وابتعدت عن أمتها، ورهنت مقدراتها، وقدرتها لدى الولايات المتحدة الأمريكية صاحبة الـ99% من أوراق اللعبة!

الصورة في العصر الملكي

  • كانت صورة المجتمع المصري قبل ثورة «يوليو1952» صورة مثيرة للقلق داعية إلى الحزن؛ فأحد عشر ألفًا من كبار الإقطاعيين يملكون وحدهم سبعين في المائة من الأرض الزراعية، (وهى أساس الاقتصاد المصري في ذلك الوقت).

وهناك صناعات وليدة، ولكنها ضعيفة، ثم إن الأجزاء الأهم منها تحت السيطرة الأجنبية، بدليل أن المصريين كان لهم ثلاثون في المائة منها! وكانت البنوك وشركات التأمين، ومؤسسات التجارة الخارجية كلها ملكًا للأجانب.

وحتى شركات «بنك مصر»، والذي كان إلى حد ما رمزًا لمحاولة استقلال اقتصادي، كانت مخترقة بمشاركة أجنبية (كشركة «برادفورد» في صناعة النسيج).

وكان في الريف المصري أحد عشر مليون فلاح لا يملكون سوى أجر يومهم، ولم يكن يزيد في أحسن الأحوال على ثلاثة قروش.

كانت تلك الحالة هي التي جعلت اقتصاديًا بارزًا بحجم ووزن الدكتور «عبد الجليل العمري» يقول كلمته التي وصف فيها مصر «بقرة ترعى على الأرض المصرية، ولكن ضروعها تمتد إلى خارج مصر حيثُ يحلب لبنها هناك».

العهد الملكي

الصورة في العصر الجمهوري

الزعيم الثوري

«أنا لا أعرف متى يحين أجلى، ولا أعرف من سيأتي بعدنا؟ ولهذا فإن علينا أن نبني بسرعة؛ لكي نجعل الرجوع إلى الوراء صعبًا إذا جاء من يحاوله!» جمال عبد الناصر.

وعندما توفي الزعيم «جمال عبد الناصر» في 1970، كانت الأرض المصرية مقسمة على الفلاحين المصريين، وكانت مصر قد بنت ألف مصنع، واقتحمت عصر الطاقة النووية، وكانت تبني صناعة صواريخ، وكانت البنوك وبقية المؤسسات التجارية أغلبها تمتلكها الدولة المصرية، والأهم هو أن «نظام يوليو» قد أعاد الاعتبار للطبقة الوسطى؛ فنمت مصر وازدهرت بجهود أبناء هذه الطبقة. إن كل ذلك تم بكفاح شاق، وذلك ما كان يدركه «جمال عبد الناصر».

كان يعرف أكثر من غيره طبيعة وتكاليف المسيرة التي يقود الشعب المصري والأمة العربية إليها، لكنه على نحو ما كان يتصور أنه ليس أمامه إلا أن يتحرك بأسرع ما يمكن.

الزعيم (جمال عبد الناصر)

  • وكان تعبيره عنها في اجتماع عقده مع المهندس «صدقي سليمان»، حينما كلفه بتشكيل الوزارة؛ بعد نجاحه على رأس جهازه في بناء السد العالي في الموعد المقرر له تمامًا، فقد قال له في جلسة التكليف التي عقدها معه يوم 9 سبتمبر (أيلول) 1966 «إن الناس عرفوك في تجربة السد العالي على أساس أنك رجل قادر على الإنجاز، وهذا بالضبط ما أريده منك».

رابط لإعلان عبد الناصر اكتمال العمل بالسد العالي:

–    ثم استطرد «جمال عبد الناصر» يقول «إنني أعرف أن الناس يلهثون بعد مشوار طويل، ولكننا لا يجب أن نتوقف، وإنما يجب علينا أن نستمر؛ حتى نخلق حقائق يصعُب على أحد أن يتراجع عنها في زمن قادم. إن الأعمار بيد الله، وأنا لا أعرف متى يحين أجلي، ولا أعرف من سيأتي بعدنا؟ ولهذا فإن علينا أن نبني بسرعة، لكي نجعل الرجوع إلى الوراء صعبًا؛ إذا جاء من يحاوله!»، وبصرف النظر عن التصورات والرؤى، فإن الحقيقة أن الشعب المصري كان يلهث بالفعل بعد سباق له بداية ولا تبدو له نهاية.

الرئيس الفهلوي

  • وبمجيء الرئيس المؤمن «محمد أنور السادات» خلفًا للزعيم «جمال عبد الناصر» بدأت مرحلة جديدة؛ فالرجل القادم بعد الزعامة «الكاريزمية» لناصر، كانت له رؤاه المختلفة، اختلفنا معها أو اتفقنا، كان يرى «أن مصر تخبط رأسها في الحيط؛ بالوقوف ضد السياسة الأمريكية في المنطقة»، وكان يقول ويردد أنه يختلف عن جمال، «فأنا لا أريد إقامة إمبراطورية، وأريد أن أستريح، ويستريح الناس من عناء الحروب؛ ليبدءوا عهدًا من الرخاء!» وكان يردد أنه «يريد للناس أن تُخرج أموالهم من تحت البلاطة، والذهب يخرج؛ ليتلألأ على المعاصم، ويتدلى من الآذان» وكان يردد أن شرعيته تختلف عن شرعية جمال.

     

السادات

على الرغم من أن شرعية جمال «يوليو» هي التي غطت رئاسة «السادات» طوال فترة ما قبل حرب أكتوبر، ولكن بعد قرار الحرب رأى الرجل أنه قد آن الأوان ليبدأ شرعية جديدة وهي شرعية «أكتوبر»، وفي لقائه بساحر فيتنام، مستشار الأمن القومي، ووزير الخارجية بعدها، «هنري كيسنجر» عرض السادات أمام كيسنجر الصفقة الاستراتيجية الكبرى بتحويل اتجاه مصر من طريق الاستقلال الوطني الذي سار فيه (عبد الناصر) إلى طريق التبعية الأمريكية.

السادات وكيسنجر

ولعل كيسنجر كان أول من لمح الأمر؛ ففي حوار في مجلس الأمن القومي الأمريكي، بعد عودته من زيارته الأولى لمصر ولقائه مع أنور السادات يوم 7 نوفمبر (تشرين الثاني) 1973، سأله وزير الدفاع الأمريكي «ملفين ليرد» عما إذا كان السادات قادرًا على إجراء التغييرات الواسعة التي وعده بها؟

ورد كيسنجر بأنه يظُن «أن السادات يستطيع»، على الأقل لديه فرصة، وفي شرحه لما يريد قوله أضاف أن «ناصر قد أجرى تحولات عميقة في المجتمع المصري، لكن مشكلته أنه أزاح القوى التقليدية في هذا المجتمع، وأفسح الطرق لقوى جديدة، وهذه القوى الجديدة، لم تصل بعد إلى حيث تستطيع أن تقف أمام خلفه، أي: السادات، أو تتصدى للتغييرات الواسعة التي وعده بها».

إنني من الآن سأترك دراسة (قصة الاقتصاد المصري من عهد «محمد علي» إلى عهد «حسني مبارك»)، للدكتور «جلال أمين»، تتحدث.

رابط الدراسة

غلاف الدراسة

يقول «جلال أمين» صفحة 70 «إنما تكمن مسئولية السبعينات الأساسية عن التورط في الديون خلال الفترة من 1970-1975 في أمرين:

الأول- إطلاق حرية الاستيراد في كثير من السلع الضرورية، وغير الضرورية، وعلى الأخص في أعقاب حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، على نحو لم تكن تسمح به ضآلة موارد مصر من العملات الأجنبية، والمعدل المنخفض نسبيًا للزيادة في الصادرات.

الثاني- الالتجاء المفرط إلى تمويل جزء كبير من العجز في ميزان المعاملات الجارية بالاقتراض قصير الآجل وباهظ التكلفة.

  • وتمضي الدراسة قائلة: في عام 1975 قال «السادات» إنه «فوجئ بالوضع الاقتصادي الخطير الذي تمثل في عجزه عن الوفاء بمبالغ من القروض قصيرة الآجل، واستخدم السادات حينئذ في وصف حالة الاقتصاد المصري أنه «بلغ درجة الصفر». وتعلل بأعذار غريبة، منها «أن أحدًا لم يُخبره من قبل بخطورة الأمر»! ومنها «أن الأرقام التي عُرضت عليه كان يظن أنها بالدولارات، ثم تبين له فيما بعد أنها بالجنيه الإسترليني»!
  • ثم شهدت تلك السنة (1975) والسنة التي تلتها جولات متعاقبة للرئيس «السادات»، ولرئيس الوزراء، ووزراء المالية، لدول الخليج؛ يرجون فيها زيادة حجم المعونات العربية المقدمة لمصر، مستخدمين كل ما يمكن استخدامه من حُجج، من بطولة الجيش المصري في حرب أكتوبر، إلى ما قدمته مصر من تضحيات للقضية الفلسطينية، إلى ما تؤديه العمالة المصرية من خدمات لتنمية دول الخليج، ولكن دون طائل.
  • ومع ذلك كان رد حكومات النفط، أن هذا الذي نقدمه هو أقصى ما نستطيعه، وأنه حتى لو كان باستطاعتنا تقديم أكثر من ذلك، فإنه ليس لدينا ما يضمن أن مصر سوف تحسن استخدام ما نقدمه لها من معونات. وكانت هناك أيضًا تلميحات إلى ما يسود تصرفات الإدارة المصرية من فساد وتبديد.
  • وكانت هناك أيضًا ردود تعلمتها حكومات النفط من رجال «البنك الدولي» و«الصندوق»، مثل: القول بأن «تقديم المساعدات لدعم ميزان المدفوعات يساعد على التبديد، وأن الأفضل هو تقديم مساعدات لتمويل مشروعات بعينها يتفق عليها، ولكن مصر للأسف لا تتوفر لديها كمية كافية من دراسات الجدوى، ومن المشروعات كاملة الإعداد، تبرر زيادة حجم المساعدات. هكذا نجد أنه في ظل اشتداد الضائقة الاقتصادية المصرية في 1976 انخفضت المعونات التي قدمتها دول النفط العربية لمصر انخفاضًا ملحوظًا، فانخفض إجمالي المدفوعات الثنائية الميسرة التي دفعتها هذه الدول لمصر من 1873 مليون دولار في عام 1975 إلى 1028 مليون في عام 1976، أي بنسبة 45%.
  • وتُرجع الدراسة السبب في ذلك الموقف الخليجي، لعدم موافقة الولايات المتحدة الأمريكية، ومعها هيئات المعونة الدولية، على زيادة المعونات؛ وذلك حتى تُظهر مصر استعدادها نهائيًا لقبول توصيات «صندوق النقد الدولي»، ولاتخاذ خطوة حاسمة في اتجاه عقد اتفاقية سلام مع «إسرائيل».
  • كان هذا الوضع في نهاية 1976، ولكن بعد أقل من سنة كانت الصورة اختلفت تمامًا؛ فالرئيس السادات قرر اختصار المسافة تمامًا ففاجأ المصريين والعالم بالذهاب إلى القدس، وشاهد المصريون رئيس جمهوريتهم، وهو يستعرض حرس الشرف الإسرائيلي، ويضع إكليل الزهور على قبر الجندي الإسرائيلي المجهول!
  • وقبلت مصر شروط المؤسسات الدولية؛ فأصدرت قوانين تشجع رأس المال الأجنبي على الاستثمار، وخفضت بشدة من القيود على الاستثمار في مصر، وخفضت بشدة من القيود على الاستيراد، وسمحت للبنوك الأجنبية بفتح فروع لها في مصر، وأقامت مناطق اقتصادية حرة، وضيقت الفجوة بين قيمة الجنيه المصري الرسمية، وقيمته السوقية، وبدأ التخطيط الجدي لتفكيك القطاع العام وخصخصته.

السادات في القدس

وبعد كل ذلك، وليس قبله، أعلنت الحكومة السعودية في مطلع نفس العام، بعد إحجام عن قبولها أن تساهم بنسبة 40% في رأس المال لـ«هيئة الخليج لتنمية مصر» البالغ قدره 2 بليون دولار، وذلك في أعقاب إعلان مصر قبولها لمشروع صندوق النقد الدولي؛ لترشيد السياسة الاقتصادية في يونيو (حزيران) من نفس العام، كان قد عقد في باريس أول اجتماع للمجموعة الاستشارية التي تضم جميع الدول والهيئات المهتمة بتقديم المعونة، واستمع الحاضرون لتقرير وزير التخطيط المصري عن السياسة الاقتصادية المزمع تطبيقها، وهو تقرير كان قد تم إعداده بمساعدة خبراء صندوق النقد الدولي، ومن ثم فقد تلقى التقرير على الفور مباركة دائني مصر المجتمعين في باريس.

  • ثم تُعيد الدراسة التذكرة إلى ما حدث في مصر قبل ذلك بمائة عام؛ ففي ما بين 1876 و1879 توالت الضغوط على «الخديوي إسماعيل»؛ ليقبل التدخل المباشر في إدارة الاقتصاد المصري من جانب الدول الأوروبية التي ينتمي إليها الدائنون. وكانت نقطة الضعف لدى الخديوي، كما كانت لدى السادات، وهى عجزه عن الوفاء بمستحقات الديون التي تورط فيها، دون موجب في السنوات القليلة السابقة، وقد أبدى الخديوي إسماعيل منذ 1876 استعداده لقبول إجراء أي إصلاح قد تنصح به الحكومتان البريطانية والفرنسية؛ فقبل تكوين «صندوق الدين العام»، وتكوين «لجنة التحقيق»؛ للإشراف على مالية الدولة، وحصر مواردها، وأوجه إنفاقها، كما قبل السادات توصيات «المجموعة الاستشارية» المجتمعة في باريس.
  • ولكن السادات ـ فيما بدا ـ كان على استعداد للذهاب إلى أبعد مما ذهب إليه الخديوي إسماعيل؛ إذ بينما حاول الخديوي مقاومة اشتراك ممثل لبريطانيا، وآخر لفرنسا، كوزيرين في مجلس الوزراء المصري، فكلف ذلك عرشه في 1879. فقبل السادات القيام بزيارة القدس في 1977 فاستحق بذلك رضا الأمريكيين والدول الغربية وهيئات المعونة الغربية والدولية.

السادات والخديوي إسماعيل أوجه شبه كثيرة

وفرة دون استفادة

  • وتمضي الدراسة قائلة: إنه بقدوم عام 1977 بدا وكأن عقدًا كاملًا من المتاعب الاقتصادية المتراكمة قد أوشك على الانتهاء، وإذ بالاقتصاد المصري ينتعش؛ ففي خلال السنوات الأربعة الأخيرة من عهد السادات، شهدت مصر زيادة لم تعرف لها مثيلًا منذ ذلك الوقت في موارد العملات الأجنبية، فضلًا عن اتجاه معدل التبادل الدولي لصالحها، فقد زادت إيرادات مصر من صادرات البترول التي لم تتجاوز 162 مليون جنيه في 1977 إلى ما يقرب من عشرة أمثالها، فبلغت 105 بليون جنيه في 1981، وذلك بفضل الزيادة السريعة في كل من إنتاج وأسعار البترول، وزادت أيضًا إيرادات مصر من الصادرات غير المنظورة من 998 مليون جنيه إلى 4 بليون جنيه في نفس الفترة، وهي زيادة ترجع في الأساس إلى الزيادة السريعة في تحويلات المصريين العاملين بالخارج.

    بالرغم من الوفرة الديون تتزايد بدلًا من أن تقل!

  • ثم تؤكد الدراسة على أن تلك الفترة كانت هي بلا شك الفترة المواتية، ليس فقط لوضع حد لتزايد المديونية الخارجية، بل لإحداث تخفيض كبير فيها. ففي الفترة من 1977 – 1981 كانت قيمة الزيادة في إجمالي صادرات مصر من السلع والخدمات نحو خمسة بلايين من الجنيهات، أو نحو سبعة بلايين من الدولارات، وهو مبلغ يساوى نحو87% من إجمالي ديون مصر الخارجية المدنية طويلة ومتوسطة الأجل وقتها، ولكن الذي حدث هو العكس بالضبط؛ فإذا بمصر تلجأ في فترة رخاء لم تشهد لها مثيل طوال سبعين عامًا على الأقل إلى مزيد من الاستدانة، وإذ بنا نجد الديون المدنية طويلة ومتوسطة الأجل التي كانت بلغت 4.8 بليون دولار في 1975 زادت إلى 8.1 بليون دولار في 1977 ، وتزيد بنسبة 76% في السنوات الأربع التالية؛ فتصل إلى 14.3 بليون دولار في 1981. وتتساءل الدراسة كيف يمكن تفسير ذلك، وأي عذر يمكن أن يقدم لتبريره؟

الإنفاق العسكري يزيد بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد للسلام!

بيجن وكارتر والسادات أثناء توقيع اتفاقية السلام

ثم تتحدث الدراسة عن أنه حتى عائد السياسة الخارجية كان عبئًا على الاقتصاد، وتضرب مثلًا باتفاقية «كامب ديفيد» للسلام 1979 فتقول: إنه لم يقترن توقيع تلك الاتفاقية بتخفيض الإنفاق العسكري، بل على العكس زاد هذا الإنفاق بشدة في أعقابها، وزاد الالتجاء في تمويله إلى مزيد من الاستدانة والقروض الخارجية التي ساهمت الولايات المتحدة بأكبر نصيب، وبأسعار فائدة بالغة الارتفاع عن مثيله في ذلك الوقت.

  • ويذكر تقرير لصندوق النقد الدولي صادر في 1984 أن الانفاق العسكري زاد بنسبة تتجاوز 20% سنويًا في أعقاب توقيع اتفاقية السلام! وبلغت نسبة الزيادة في عام مقتل السادات 32%.

وبعد فإن مقولات الرئيس المؤمن ومؤسس نظام كامب ديفيد لم تتحقق فلم تجلب الاتفاقية السلام المزعوم، ولم يسبح الشعب المصري في أنهار العسل الذي وعد الناس به، ولم يأت عام الرخاء الذي بشر الشعب به، وعندما تساءل الناس بأن عام الرخاء لم يأت كما قال الرئيس؟ أجاب الرئيس المؤمن بأن الرخاء أتى، إلا أن الناس لم يروه!

كان ذلك فصل تبعه فصول.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

ملفات السويس – محمد حسنين هيكل.
الاقتصاد المصري من عصر محمد على الى عصر مبارك.
عرض التعليقات
تحميل المزيد