1- مجتمع

يبدو المشهد الاجتماعي بالمغرب، في السنوات الأخيرة، شبيها بحلبة ملاكمة، إلا أننا نتساءل عن سبب افتقاد الحلبة للنبل، وهو الشرط الأساسي لسوء الحظ! إذ تعلن معظم الجرائد الإلكترونية منها والورقية، ومحطات الأقمار الاصطناعية ومحطات «الراديو»، يوميا عن أحداث ووقائع متشابهة ولا متناهية، إذ لا مجال للحديث عن انخفاض معدل الجريمة بمختلف أصنافها أو عن تراجع معدل مشاكل الطلاق والهجرة والخيانة الزوجية والانتحار والحوادث الطرقية، وأزمة الماء والكهرباء وتعاطي المخدرات والاتجار فيها.

لقد غدت مواضيع «الميديا» روتينية ونادرا ما نسمع أو نقرأ عن إنجاز ثقافي أو نظرية علمية أو شيء من هذا القبيل. إن المجتمع المغربي يعيش أزمة حادة على مستوى الشأن الاجتماعي. إذ تغيب تدريجيا مجموعة من المبادئ والخصال التي من دون العمل بها واستحضارها لن يجمع شمل المجتمع.

والحال إن هذه الأزمة الممتدة هي بدون منازع راجعة إلى وجود خلل ما. إذ لا يمكن تصور مجتمع سليم إلا بوجود مفكرين ومثقفين وأساتذة وأسر قادرة على الاستجابة لمتطلبات ومعايير تكوين وتنشئة مواطن مغربي مسؤول وعلى علم بأبرز خصائص ومميزات الثقافة العربية الإسلامية والثقافة المغربية، دون إهمال الضرورة التي تفرض نفسها بنفسها، ألا وهي الانفتاح على ثقافات العالم بحصر المعنى.

والحال إن المغرب – تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة – يعمل على الخضوع لهذا المبدأ ولن يقوى أحد على إنكار ذلك. وذلك استجابة لأمره تعالى القائل: «إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناك شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم» الحجرات- الآية 13.

في الواقع، يغيب هذا الاهتمام بالأمور الدينية ويتراجع إقبال بعض الناس على الممارسة الدينية. فما السبب وراء هذه العلة الاجتماعية التي يعيشها مجتمعنا؟

2- ثقافة وفكر

أ‌- ثقافة

ربما يعود السبب إلى تعدد الثقافات المحلية واختلافها النسبي، والذي من شأنه التسبب في صراعات أيديولوجية، هي الأخرى من القائم أن تؤدي إلى صراعات فعلية وفي أسوء الحالات إلى حروب أهلية. وهذه حقائق تاريخية، ليس بمقدور أحد إنكارها. ونحن لا نقبل بتحقق مثل هذه الظواهر فعليا في مجتمعنا.

ربما ليس السبب في تعدد واختلاف هذه الثقافات، إنما قد يكمن أصل الجدل في طبيعة الأسس الفكرية والتصورات التي من القائم أن يفرزها التعدد، أو في السبل والمرجعيات التي تعتمدها في التواصل بينها. وقد يكون غياب التواصل نابع من ندرة المناسبات الثقافية أو عدم فعاليتها، وهو الشيء الذي يسمح لبعض الأفكار في الحلول دون تحقيق مشروع الرقي والوحدة المحلية بمفهومها الشامل والمتكامل والعقلاني.

لكن الثقافة رهينة باللغة. ويمكننا، بالتالي، القول بأن اللغة تضاف إلى المعيقات التي من شأنها عرقلة التواصل «البراغماتي» بين الثقافات. إذا كان ذلك كذلك، فما العلة؟

ب‌- الفكر

لعله الفكر. فالفكر كما قال الدكتور هاشم صالح، نادر جدا. وليس من هب ودب بمقدوره التعاطي للفكر. إنه مغامرة. مغامرة غير مضمونة النتائج سلفا. إنه التضحية الكبرى. إنه سبيل الحكمة، بل الحكمة عينها. إنه اليقين. لكن، أليست صعوبة الفكر ونذرته متعاطيه ومفكريه هو السبب في عدم قدرته على حل الأزمات؟

إن للمفكر الحق، أسلوبا فريدا، متفاوتا وأسلوب العامة أو الجمهور، حتى نعيد عبارة «غوستاف لوبون». لقد عانى المفكر المغربي كثيرا في مغامرته الهادفة إلى انتشال مجتمعه من الضياع وانتشال أبنائه من الغربة والاستلاب الثقافي، والانتحار الحضاري، حتى نعيد عبارة الدكتور «محمد سبيلا». لكن، تبدو إنجازات المفكر المغربي، بعيدة كل البعد عن إصلاح ما يهدف إلى إصلاحه. فما السبب؟

3- التربية والتعليم

أ‌- تربية

لا شك أن التربية والتعليم هما بمثابة معيار عالمي لقياس مستوى تحضر الشعوب والمجتمعات. والدليل على ذلك واضح من خلال ما حققته المجتمعات الغربية من إنجازات ثقافية وحضارية أيضا، بغض النظر عن تفشي مظاهر «المادية».

فالتربية على المواطنة، والتربية على الديمقراطية ونبذ العنصرية والتمييز التي تعد الأسرة مهدها الأول والرئيسي، من مبادئ السلامة النفسية التي من حق أي فرد أن يستفيد منها. لذلك، فإن توفر شرط الوعي الثقافي والديني داخل الأسرة يعد منطلقا إيجابيا لكل حياة اجتماعية خالية من الأمراض.

ب‌- تعليم

والحديث عن الأسرة يفرض استحضار المدرسة. إذ لا يمكن أن تتحقق التنشئة الاجتماعية الحقة والفعالة، في غياب أو عند اضطراب مؤسسة الأسرة – بسبب مشاكل الطلاق مثلا – أو مؤسسة المدرسة، بسبب عدم فعالية المناهج الدراسية، المقاربات البيداغوجية، الأسلوب التعليمي للمعلم، أو المعلم في حد ذاته.

4- وسائل الإعلام الجماهيرية

لكن، في بعض الأحيان، ولعل هذا هو جوهر المشكل – الأزمة – التي يعيشها مجتمعنا المغربي الراهن، هو وجود دخلاء على الأسرة والمدرسة. دخلاء غير مرغوب فيهم ومرغوب فيهم عن جهل وبالتماثل. إذ قد يتسبب الإعلام أو ما يسميه كل من «إدوارد سعيد» و«علي عزت بيجوفيتش»، بـ«وسائل الإعلام الجماهيرية»، في التدخل في التنئشة الاجتماعية بشكل غير سوي، أو بسبب ضعف الأسس التي تقوم عليها التنئشة، فتزعزعها، بل تدمرها كليا في بعض الأحيان.

وتساهم وسائل الإعلام الجماهيرية في تمرير أيديولوجيات مفبركة، وإعداد محتويات جذابة، مغرية، تسلب الجمهور حريته وتوجهه في إطار تيار رجعي، لا يستند إلى أهداف مسطرة أو غاية نبيلة من شأنها توعيته وتوجيهه نحو المعقول والعقلاني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد