«التعليم أيام زمان كان أحسن»، لقد باتت هذه الجملة تجتاح مسامعنا وتمتطي ألسنتنا كل يوم، حتى أصبحت من الجُمل المفتاحية لمعتقدات مجتمعنا الفلسطيني، وهذا السبب الرئيسي والحقيقي في تناول هذا الموضوع ومناقشته خوفًا من تحول هذه الجملة من مستوى المعتقدات إلى مستوى المُسلمات لدى مجتمعنا. وأتمنى ألا تكون قد صارت كذلك بالفعل.

صَوَّرَ عُلماء ومُفكرو التربية المنظومة التعليمية على هيئة مثلث يحمل على أضلاعه الثلاثة كلًّ من المجتمع والمُعلم والمنهاج، والذي يسعى جميعها إلى تنمية وتطوير من هو موجود في قلب هذا المُثلث، ألا وهو المتعلم (الطالب)، وقد أشاروا (العلماء والمفكرون) إلى أن حدوث أي خلل في هذه الأضلاع الثلاثة فإنه ينعكس بالسلب على المتعلم؛ فيقلل من جودته ومكانته وقدرته كمخرج أساسي من مخرجات المنظومة التعليمية، والتي من خلاله يمكن الحكم على نجاح عمليات هذه المنظومة أو فشلها، وبالتالي الحكم على نجاح أو فشل المنظومة ككُل.

وبما أنه في علم التربية لا يوجد شيء مُطلق (بمعنى أنه لا يوجد الأسوأ أو الأفضل)، وأنه يتم البناء على المعلومات والبيانات ومن ثم على النتائج، وذلك من خلال عمليات التحليل والحصول على الدرجات والتي من خلالها يجري النقد والنقاش، فإنه يصعب إطلاق الحكم على العامل البشري كأهم من يمثل أضلاع المثلث (المجتمع – المعلم) فيما يتعلق بتحمل مسؤولية ما تحمله جملة «التعليم أيام زمان كان أحسن» من تداعيات خطيرة، وإن كان لكليهما دور لا يمكن التغافل عنه في وصول منظومة التعليم إلى الترهل والتأخر التي هي عليه، وهو ما يعكس ما يعاني منه واقعنا التعليمي اليوم. وهذا ما يضعنا أمام تساؤل مهم يتمثل في:

هل معلم ومجتمع ومناهج زمان أفضل من معلم ومجتمع ومناهج اليوم، أم أن ما تحمله منظومة التعليم اليوم ما هي إلا استمرار لمنظومة التعليم القديمة؟

لعل المتابع لمجريات العملية التعليمية الفلسطينية منذ الانتداب البريطاني، مرورًا بالعهد العثماني، ومن ثم وضع اليد الصهيوني، والانتقال إلى عهد السلطة الوطنية الفلسطينية، والانتهاء اليوم بالانقسام الفلسطيني، وأخيرًا نكبة ما يسمى بـ«صفقة القرن»، وكيف كانت تحدَّث عملية التعليم في كل تلك الحقب الزمنية، من فرص التعلم، وطبيعة كل من المجتمع والمعلم من ناحية، ومن ناحية أخرى طبيعة تصميم ووضع المنهاج.

نعلم جيدًا أن جميع ما سبق أوجد حالة من عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي لدى كل من المجتمع والمعلم، وهذا بحد ذاته كافٍ ليجعل من كل منهما ضلعين ضعيفين في مثلث المنظومة التعليمية، هذا من جانب، ومن جانب آخر خلق كل هذا الضعف فرصة حقيقية لوجود أرض خصبة للتلاعب بمكونات ومحتويات ومرتكزات المناهج كضلع ثالث ومهم للمثلث. وما لا يخفى على أحد ذلك الاستبداد السياسي المسيطر على مناهجنا من خلال التحكم بماهية الموضوعات التي تتناولها مناهجنا الفلسطينية في جميع المقررات الدراسية؛ في سبيل تحقيق أهداف خارجية معلومة لدى الجميع.

وهذا بالطبع ما قاد التعليم للانحدار العلمي والثقافي (المخطط له) عبر الحقب الزمنية الماضية، وهو أيضًا نتاج طبيعي تعيشه المخرجات التعليمية اليوم من قدرات وإمكانيات أقل، مقارنة بما كان سابقًا، سواء تمثل هذا الضعف في القدرة على التعبير أو في القوة العلمية والثقافية أو المعلوماتية لدى المخرجات.

هذا كله، وغيره الكثير من المعيقات والتحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التي قادت العملية التعليمية في فلسطين إلى حيز التقوقع في مكان مظلم ومحاصر من قِبل العديد من التهديدات، التي تجعل من التعليم اليوم أسوأ مما كان عليه في الأمس، بل إن الحال وصل بنا لأن نتوقع أن كل يوم يكون فيه التعليم أفضل من اليوم الذي يليه.

ولن يكون من الصعب على الجميع استيعاب الواقع التعليمي داخل مجتمعنا الفلسطيني، لا سيما وأن جميعنا لديه أبناء ينخرطون في العملية التعليمية ويمارسون عملياتها يوميًّا، ويرون بعين المقارنة كيف يكون التعليم اليوم وما المحصلة العلمية التي غنمها أبناؤهم من عملية التعليم، إلى جانب الفارق الواضح بين متعلمي اليوم ومتعلمي الأمس، ولكن الصعوبة الحقيقية تكمن في تقبل ما نحن عليه من وضع تعليمي مزرٍ ومترهل، خصوصًا في ظل ما تعيشه الشعوب المتقدمة الأخرى من تقدم وتطور في أنظمتها التعليمية.

أعلم جيدًا أن ما تقدم من معطيات لن يكون جوابًا شافيًا كافيًا ووافيًا عن سؤالي في هذا المقال، والذي يدور حول «هل معلم ومجتمع ومنهاج زمان أفضل من معلم ومجتمع ومنهاج اليوم؟»، فالحقيقة أن الحديث في هذا الصدد لا يمكن إنصافه من خلال مقال، كما لا يمكن الإلمام بمراميه وتشعباته من خلال دراسة، فهو أكثر عمقًا وخطورة من مجرد الحديث عنه.

وأسأل الله أن يصلح لنا حالنا، ويوحد كلمتنا، ويتقبل شهداءنا، ويفك قيد أسرانا، ويشفي جرحانا، والحمد لله رب العالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد