العادات والتقاليد مصطلحان لا يتوقف استخدامهما يوميًّا عن قصد، أو بدون بطريقة مباشرة، أو غير مباشرة، للتحكيم في أمور مقبولة، أو مرفوضة مجتمعيًّا.

في بادئ الأمر أود أن أوضح التباين بين العادات والتقاليد؛ فالعادات هي مجموعة من الأمور التي اعتاد الفرد «المجتمع» على فعلها بشكل مستمر في وقت سابق أو حاضر، وهي أشياء ليست ملزمة بقدر إلزام التقاليد، ومع مرور الوقت إما أن تندثر هذه العادات بين الأجيال أو تستمر، ومع طول فترة تكرارها، والاعتياد عليها تصبح من ثوابت الفرد «المجتمع».

والتقاليد هي الموروث الثقافي الذي توارثته الأجيال اتفاقـًا على صحته ووجوبه والعمل بحدوده، وأصبح ثابتًا، ومرجعًا يعود إليه المجتمع في التحكيم بين المرفوض والمقبول.

العادات والتقاليد منها ما هو عادات وتقاليد للفرد «شخصية» تكون بها من الخصوصية ما لا يتخذ به حجة على أي فرد آخر، وبالتالي لا تعمم على المجتمع، وإن انتشرت هذه التقاليد أو العادات «الشخصية» بين فئة محددة مصادفة فلا يعني ذلك بالتأكيد أنها حجة أو ثابت من ثوابت المجتمع، حتى وإن كانت بها فائدة «من وجهة نظر الأفراد العاملين بها» أو ليس بها ضرر على المجتمع، فلذلك حديثي عن العادات والتقاليد العامة «المجتمعية».

أما عن المجتمعات أو الأمم؛ فلكل أمة أيضًا خصوصيتها في العادات التي اعتادوا باستمرار القيام بها وفي التقاليد «الموروث الثقافي» المكتسب الثابت من الأجيال السابقة، الموروث الثقافي كما ذكرت من قبل أصبح موروثـًا لأنه اتفق عليه بين جميع طوائف المجتمع على صحته ووجوبه والعمل بحدوده.

ثقافات الأمم والمجتمعات تتكون من شقين غير متنافرين أو متضادين بل هما في سياق واحد مكملين ودالين بعضهما على بعض، هما «العلم والدين»، فالعلم والدين دائمًا متفقان لا يمكن للعلم أن يأتي بشيء مختلف لثوابت الأديان الصحيحة المنزلة من رب العرش عز وجل «دون تحريف من البشر»، مهما كانت مجالات واتجاهات العلم فهي لا تنفي ثابت من ثوابت الأديان الصحيحة بل تزيد من قوة النص وقوة حجته، يأتي العلم دائمًا بدليل ملموس يقيني لكل من لدية التباس في الأديان أو نكران لوجود الأديان ورب الكون عز وجل.

»الموروث الثقافي الديني»، «الموروث الثقافي العلمي» هما أساس الموروثات من العادات والتقاليد، لكن تجد دائمًا الموروث الديني أساسًا صلبًا وتجد العادات والتقاليد تتشكل وتتكون من الموروث الديني أكثر بوضوح من الموروث العلمي.

إلى هذا الحد لا يمكن لأي مجتمع أن يتفق على أمور يتم العمل بها وتحكيمها بينهم إلا إذا كانت متفقة مع عقائدهم الدينة بمختلف الأديان، وإن اعتادت مجموعة أو فئة على عادات مرفوضة عقائديًا «مخالفة الأمر والنهي الديني» لا يمكن أن يتفق عليها المجتمع وتستمر وتتناقلها الأجيال حتى تصبح تقليدًا، لكن لا بدَّ لها من الاندثار يومًا ما بين الأجيال.

المجتمعات عامة، ومجتمعاتنا العربية خاصة، يبرز فيها التمسك بالعادات والتقاليد في جميع مناحي الحياة، وتجد الرجوع للثوابت الموروثة فيه تمتد جذورها وتستمد قوتها من ثوابت الدين، ولكل مجتمع خصوصية بذاته بعلمه ومعتقداته الدينية.

في المجتمعات المتشابهة في العلم وتختلف في المعتقد الديني يوجد بينها تباين واضح بين بعضها وبعض في العادات والتقاليد، أما المجتمعات المختلفة في درجات الموروث العلمي لكنها لها معتقدات الدين نفسها والموروث الديني تجدهم أكثر تشابهًا في العادات والتقاليد، ولا ينقص هذا من درجة العلم لكن يزيد من قوة الأديان وحقيقتها وقوة تأثير الموروث الديني على المجتمعات.

في مصر وطننا الحبيب تجد العادات والتقاليد عامة تمتد إلى الدين الإسلامي دين الدولة «الأغلبية»، وأيضًا تجد شركاءنا في الأرض والوطن مسيحيي مصر محافظين على تلك الثوابت الموروثة من العادات والتقاليد التي أصبحت جزءًا من الشخصية المصرية «وإن قارنا موروث الدين الإسلامي مع الموروث الديني للمسيحية الصحيحة فلا تجد اختلافـًا في الأمور العامة الظاهرة التي تمس جموع المجتمع»، هكذا في كل المجتمعات التي تجد فيها أكثر من معتقد ديني فتجد العادات والتقاليد العامة الحاكمة هي المتفق عليها من جميع المعتقدات الدينية.

ومن خصوصيات المجتمع المصري أيضًا دون المجتمعات الأخرى أنه مجتمع موروثه الثقافي محافظ جدًا والنصيب الأكبر منه دائمًا يتخذ من ثوابت الدين الإسلامي، فيرفض كل ما يمس أو يخدش الآداب العامة أو الحياء البشري وثوابت الإسلام.

لا أعني أيضًا بكل ما سبق أن «جميع» كل العادات والتقاليد غير المتفق عليها من المجتمع جمعًا هي مخالفه للأديان، كما ذكرت من قبل أن هناك عادات وتقاليد فردية «شخصية» يمكن لفئة من المجتمع أن تتفق «دون علم أو ترتيب مسبق» في فعلها ولكن لا تحكم بين المجتمع ولا يوجد فيها أي ضرر أو سوء.

بعض الفئات ممن يتحدثون باسم العلم فقط ولا شأن لهم بالأديان ومعتقداتها وثوبتها لا يكترثون بثوابت العادات والتقاليد العامة، وخاصة إذا كانت باسم الحفاظ على المعتقد وحدود الدين، لا يتحدثون إلا عن الحرية ويقصدون دائمًا الحرية غير المقيدة بحدود العادات والتقاليد العامة، حرية بلا سقف بلا حدود حاكمة.

الحداثة عامة لا تخصص إلى الغرب فقط، ولا تخصص أيضًا بمفهومها للحريات فقط، الحداثة أمور تستحدث وليس لها أساس أو ماض سابق، أيضًا جانب كبير ليس بهين من مفهوم الحداثة هو تحديث ما سبق، أي بناء وتطوير أمور موجودة بالفعل ومن الموروثات ويتم التحديث لها.

ولا يمكن أن يتم الاتفاق على شيء يستحدث ليس له أساس إلا إذا كان موافقـًا للعادات والتقاليد ومتفقـًا مع الموروث الثقافي عامة «الديني والعلمي»، فكل شيء يستحدث يتفق عليه ويكون مقبولاً للمجتمع عامة من المؤكد أنه لا يتعارض مع ثوابت المجتمع من الموروثات.

الحداثة في مجتمعنا وللأسف تفسر دائمًا على أنها التخلي عن كل المبادئ الحاكمة للمجتمعات، دعوة للتحرر من كل شيء وخاصة الأديان، تدعو للتحرر من العادات والتقاليد العامة إلى تعزيز الحرية الفردية «الشخصية» وتعظيمها وإن تجاوزت الحدود المجتمعية وإن اعتدت.

هؤلاء المثقفون «المستغربون» يعلم كل منهم علم اليقين أن جذور التقاليد والعادات تمتد من ثوابت الدين خاصة والموروث الثقافي عامة، لكنهم لا يصرحون بذلك ويتهمون دائمًا العادات والتقاليد بأنها موروث من التخلف والماضي الجاهل مقارنة بالحداثة التي يدعون إليها.

تجد قضايا مجتمعية مهمة جدًّا تمس كل أفراد المجتمع، وتدق ثوابته يهتز بها كل طوائف المجتمع، قضايا ظاهرة واضحة غير قابلة للتفسير والتأويل واضحة أنها تمس ثوابت الدين دون الرجوع للعادات والتقاليد، قضايا مرفوضة نهي عنها بحدود الدين، مع ذلك تجدهم «المستغربين» يتحدثون عن «كل» أي فرد من المجتمع يدين هذه القضايا على أنهم يدعون إلى التخلف والرجوع إلى الماضي.

المستقبل مستنير بما له من أساس يضع خطوات البداية على طريق التنوير «ماض؛ موروث ثقافي»، لا يستقيم الحاضر والمستقبل إلا بموروث مستقيم، ولا يمكن بناء مستقبل بغير ذلك.

لا نستطيع أن نلزمكم بعادات وتقاليد فردية «شخصية»، لكم الحرية في انتهاج الحداثة التي تدعون إليها بمفهومكم أنتم لها، لكن أيضًا لا يمكن ولا يسمح ولا يجوز لكم أن تلزموا المجتمع بالكامل بالتخلي عن ثوابت الدين أو الموروث الثقافي الديني والعلمي بدعوي التقدم والحداثة المزعومة.

في النهاية

العادات والتقاليد لا تنفصل عن الموروث الثقافي «الديني والعلمي» ولا يمكن للعلم أن يتنافى أو يتعارض مع ثوابت الدين، ولا يمكن الادعاء بأن العادات والتقاليد موروث من الجهل والتخلف.

الأديان الصحيحة «غير المحرفة من البشر» عامة والدين الإسلامي خاصة يدعو للنهوض بالأمم والمجتمعات، يدعو إلى الحداثة «الحداثة بمفهومها العلمي الحقيقي»، لكن بشروط ألا تتعارض مع حدود البشرية وثوابتها الإنسانية، يدعو للتطوير وللبناء الفكري والمجتمعي، يدعو لكل ما هو غال ونفيس.

من ليس له ماض لا يمكن أن يكون له حاضر أو مستقبل، ولكل بناء أساس والمجتمع أساس بنائه الموروث الثقافي عامة وثوابت الأديان خاصة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد