تنصّ المادة الأولى من الدستور العراقي النافذ لسنة 2005 أنّ «جمهورية العراق دولةٌ اتحاديةٌ واحدةٌ مستقلةٌ ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوريٌ نيابيٌ (برلماني) ديمقراطيٌ…».

 من هذا النّص الصّريح فإنّ النظام السياسي العراقي متوافق مع مبادئ النّظام الديمقراطي البرلمانيّ، والتي من أهمها مبدأ الفصل المرن بين السلطات والتعاون المشترك ما بينها. إذ يتكون النّظام البرلماني من السلطة (الحكومة) والبرلمان، مهمة الأولى تنفيذية، والثانية تشريعية ورقابية. وما يميّز العملية الديمقراطية أنها تمثل جناحين، الأول هو الحكومة التي تنبثق من حزب أو تحالف يشكّل الغالبية البرلمانية، والثّاني هو المعارضة التي تمثل القوى السياسية ذات البرامج والرؤى المتعارضة مع السلطة التنفيذية في مجلس النّواب والتي تراقب عمل الحكومة مراقبة شديدة لضبط أدائها.

هذه المعارضة أو الرقابة ضرورية جدًا لتعمل الحكومة على تقديم أفضل ما يمكنها من سياسات وقرارات وإجراءات تصبّ في مصلحة الدولة. وهي لا تحمل جانبًا سلبيًا في النّظام، بل بالعكس من ذلك، فهي تقوّم عمل الحكومة؛ لأن وجودها يمثل تهديدًا سلميًا ديمقراطيًا للسلطة وتعمل على التبشير بمبادئها وبرامجها، وكذلك ملاحقة زلّات السلطة وأخطائها لتصنع رأيًا عامًا يميل إليها في الانتخابات.

 يرى عبد الإله بليقزيز في كتاب «المعارضة والسلطة في الوطن العربي» الصّادر عن مركز دراسات الوحدة العربية أنّه «في سائر المجتمعات الحديثة، التي أنجزت ثورتها الاجتماعية، وأقامت الدولة الوطنية فيها، يُنظر إلى المعارضة السياسية نظرة تتجاوز إطار الحق والقانون إلى إطار السياسة، والمصلحة العامة للوطن، والدولة، والأمة، بعد إشباع الحق طبعًا». وإن الهدف الذي يدفع للطلب المتزايد على دور المعارضة هو: «صون الحياة السياسية من الاضطراب ومدُّها بأسباب الاستقرار. وبهذا المعنى، تصبح المعارضة – في عُرف هذه النظرة – قوة توازن ضرورية في المجال السياسي بوصفه مجالًا عموميًا، وليست عبئًا على السلطة، أو مصدر إزعاج لاستقرارها، كما يُنظر إليها في دول الجنوب، ومنها دُولُنا العربية».

ويضيف بليقزيز: «يُفترضُ في كل معارضة سياسية أن تستمدّ شرعيتها من وجود حاجة إجتماعية إليها… وهدف كل معارضة سياسية، في كل مكان وفي كل زمان، الوصول إلى السلطة: سلطة الدولة. ولا وجود لحزب سياسي هدفه الحصريّ التبشير بفكرة عليا، أو الدفاع عن مبدأ اجتماعي وثقافي، إلا بمقدار ما يكون ذينك التبشير والدفاع جزءًا من عملية سياسية مشدودة إلى هدفها النهائي: السلطة».

إن الأزمة التي تعانيها الدولة العراقية هي أزمة تطبيقية تحتاج مراجعة جديّة، فلم تراعي القوى السياسية الحاكمة القواعد المعيارية والسلوكية للأنظمة الديمقراطية والبرلمانية على وجه التحديد. فمن جانب أنها لم تلتزم بالدستور الذي تدّعي المسير على نهجه والالتزام بمبادئه ومواده، ومن ناحية أخرى فهي لم تولّد حراكًا سياسيًا ناضجًا يمكنه أن يبني دولة مؤسسات رصينة تواجه التحديات والأزمات التي تمرّ بالبلد، بالرغم مما يمتلكه من موارد بشرية وعقول علمية بارزة وثروات كبيرة تؤهله للنهوض السّريع وبناء دولة ترقى لمستوى العراق التّاريخيّ والحضاريّ.

فبدلًا عن أن تنتهج القوى السياسية نهجًا عمليًا متناسبًا مع النّظام السياسي الذي يقتضي وجود سلطة ومعارضة؛ اتجهت لمبدأ التوافقات والمحاصصة السياسية التي أنتجت نظامًا هجينًا مريضًا وصل لمرحلة الموت السريريّ؛ نتيجة الأزمات المتراكمة والحلول التّرقيعية. وفي تقديري أن جوهر الأزمة ابتدأت من هنا، من يوم ولادة النّظام السّياسيّ الجديد، فهو وُلد مريضًا وهجينًا لا شكل له في الواقع التطبيقي! ولو وُلدت المعارضة السّياسية حينها بدلًا عن التوافقات لما تآكل بهذا الشكل الفضيع، حتى بدأنا نتكلم عن نظام ميت سريريًا!

في الآونة الأخيرة بدأت بعض القوى السياسية والشعبية تدرك أهمية المعارضة السياسية وجدوتها وفاعليتها في النّظم الديمقراطية، ولكن مشكلة هذه القوى أنها لم تتفهم المعارضة كما يجب أن تكون، مثلما أنها لم تتفهم النّظام الديمقراطي البرلماني وآلياته كما يجب. وبلا شك أنها تدرك المفاهيم النّظرية، لكنني أتكلم هنا عن المصاديق التطبيقية.

ادّعت بعض القوى السّياسية أنّها اتجهت إلى المعارضة فاستبشر المحللون السياسيون والقوى الشّعبية خيرًا، إذ أننا بدأنا نتوجه التوجه الصحيح والسّير على السّكة وليس جنبها أو بعيدًا عنها، لكنّ هذه القوى طرحت مفهومها للمعارضة السياسية نظريًا وعمليًا بشكل غريب ومختلف! فهي من جهة تدّعي أنها «معارضة تقويمية» فقط، وليس لها طموح في السلطة، وهذا يتقاطع مع فكرة المعارضة جوهريًّا والتي تطمح إلى الوصول إلى السلطة كهدف نهائي كما أسلفنا، ومن جهة أخرى تشارك في الحكومة والدّرجات الخاصة في الوزارات بنفس طريقة التّوافقات والمحاصصة السّياسية السّابقة! وهل يمكن أن تكون المعارضة هي الحكومة نفسها؟

في ضوء ما تقدّم فإننا بحاجة ماسة لولادة قوى سياسية وطنية معارضة، تطرح رؤية وإستراتيجية وخططًا جديدة متناسبة مع ثروات العراق وطاقاته الشّبابية الكبيرة وعمقه الإستراتيجي ليتكامل النّظام البرلماني الديمقراطيّ، ولا يستمر بالمسير أعرجًا برجل مبتورة واحدة… فمن دون وجود المعارضة السياسية الفاعلة سيتحول النّظام – وقد تحوّل – إلى سلطات تتجه نحو الديكتاتورية، والاستبداد، والتّحكم في مصير الشّعب، واستغلال خيراته وثرواته لمصالحها الشخصية الضّيقة دون أن تحمل همّ بناء الدّولة وكرامة الشّعب بالاستعانة بقوة السّلاح والمال والإعلام، والتي تستخدمها لمصالحها الخاصة وبالتالي تقوّض بناء الدّولة وتهدد السّلم الأهلي وتعمل على خلق مشاكل سياسية، واقتصادية، واجتماعية، عديدة يصعب حلّها.

فحينما يكون النّظام أعرجًا من دون معارضة حقيقة هادفة فلا يبقى مَن يوجّه النّقد البنّاء ويراقب عمل السّلطات، بل على العكس من ذلك تتماهى قوى الفساد وتتجذّر لتصبح إخطبوطًا له يد في كلّ مؤسسة من مؤسسات الدّولة، وفي هذه الحالة تتمادى السلطة وتتناسى الشّعب وهمومه، ما دامت تشعر بالأمان من عدم زوال سلطتها، إلى أن تنفجر الأوضاع وتخرج عن السّيطرة في لحظة من الزمن، فتفيق السّلطة الحاكمة والأحزاب المكوّنة والدّاعمة لها من نومها العميق من دون أن تتمكن – في أحيان كثيرة – من تدارك الأزمة التي تفاقمت وتصبح عاجزة أمامها؛ مما يهدد أمن الدولة والسّلم الأهلي بشكل كبير، كما شاهدنا ذلك جليًا في أحداث الربيع العربي على سبيل المثال.

 لذا فإن وجود معارضة سياسية نشطة وفعّالة ضرورة ملحة لتقويم وتقييم الأنظمة السياسية، خاصة الديمقراطية منها لتضغط على السّلطات وتسعى إلى الوصول إلى السّلطة لتطبيق برامجها بعد أن تقنع الجماهير بها وبمبادئها لبناء دولة المؤسسات لا دولة العائلات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد