أحد الأحداث التي مرت علينا في غفلة من النقد في ٢٨ أغسطس من الشهر الماضي، عندما قام فريق تياترو مصر والذي تعرض حلقاته على قناة “أم بي سي مصر” في حلقته الأولى من الموسم الثالث  بالسخرية من نادي الزمالك. والموقف تحديداً لمن لم يشاهده أنه في فقرة أقامها فريق تياترو مصر بعنوان صدق أو لا تصدق عندما تقدم أحد الممثلين وقال “صدق أو لا تصدق الزمالك بطل الدوري ٢٠١٥م” إشارة إلى البطولة الغائبة عن النادي منذ أكثر من عشر سنوات، والذي لاقى بطبيعة الحال تصفيقا من الحضور على هذه الدعابة.

 

هذا المشهد في الظروف الطبيعية كان انتهى في وقتها ولن يعلق عليه أحد بعد ذلك. لكن حيث إننا في أيام اختفت فيها الحريات أو كادت، فإنه لم يعد أمراً طبيعاً. إذ كيف تسخر من نادي رئيسه مرتضى منصور؟
أقام رئيس النادي مرتضى منصور الدنيا على هذه الدعابة حيث اعتبرها تجريحاً مهيناً للنادي، بل تطور الأمر إلى تهديده بمنع عرض العمل ومقاضاة القائمين عليه، الأمر الذي استدعى سريعاً أن يظهر في اليوم التالي  بطل برنامج تياترو مصر الممثل أشرف عبد الباقي مع فريق البرنامج في فيديو يعتذر عن هذه السبة التي تعرض لها نادي الزمالك على لسان أحد الممثلين، وحيث إن المحاكم لدينا لا تحكم على أساس القانون، بل تحكم على أساس النظر إلى الخصوم، فقد اعتذر فريق البرنامج خوفا من بطش رئيس النادي.

 

إلى هذا الحد وصل انكماش الحريات في هذه البلد بعد أن حُرم نقد الرئيس؛ لأنه لا يخطئ، ومن ينتقده فهو يساند الإرهاب، وحرم نقد قراراته وقرارات حكومته أو مناقشتها، وفي غياب السلطة التشريعية التي تراقب الحكومة حتى بتنا في حكم الفرد الواحد بشكل كامل، وصل كبت الحرية إلى تحريم السخرية من فريق كرة قدم، لأن رئيسه لا يترك أحداً إلا وجعله خصماً له في المحاكم.

 

فبعد أن أُبعد الإسلاميين تماماً من المشهد، وحدث فيهم ما حدث من قتل واعتقال ومطاردة، وبعد أن اختفى من الشاشة العديد من مقدمي البرامج أمثال باسم يوسف ويسري فودة وغيرهم، وصل الأمر إلى برنامج لا يتعرض للسياسة من قريب أو بعيد، بل تعرض لفريق رياضي.

 

 

هذا الجيل الذي شهد ثورة يناير شهد أيضا قبلها عناوين الصحف المعارضة التى كانت تظهر أيام الرئيس المخلوع مبارك، والتي كان يسمح فيها بأكثر من السخرية من فريق كرة قدم، كنت تقف على الرصيف تنظر إلى عناوين الصحف فتقول هذه جريدة الحكومة، وهذه جريدة المعارضة، أو جريدة مستقلة، أما الآن أصبحنا لا نفرق بين الصحف؛ فكلها أصبحت متشابهة للدرجة التي ترى فيها العناوين الرئيسة لعدة صحف في يوم واحد كأنها منسوخة من مصدر واحد أو هي كذلك بالفعل.

 

هذا الجيل الذي عاش منذ ثورة يناير ٢٠١١م حتى الثلاثين من يونيو ٢٠١٣م متمتعا بالحرية التي تمناها الجميع، الحرية في الصحافة والحرية في الإعلام، وما باسم يوسف عنا ببعيد، والذي كان يسخر وقتها من الرئيس مرسي، والحرية التي جعلت الممثل هاني رمزي يدخل برنامجه وهو يجر خروفاً سخرية من أنصار الرئيس مرسي وقتها، ترى ماذا لو فكر أحد مقدمي البرامج بدخوله الحلقة ببيادة عسكرية؟ لن يسمح له إلا إذا دخل بها حاملاً اياها على رأسه. ليكون الفرق في الحرية بعد الخامس والعشرين من يناير وبعد الثلاثين من يوينو هو الفرق بين الثورة والانقلاب.

 

لطالما حكى الأستاذ عصام سلطان الذي يقبع الآن في سجون النظام عن قصة “كوز” وجده موضوعاً على مكتب الأستاذ إحسان عبد القدوس بمنزله بالزمالك عليه رحمة الله، اعتقد وقتها عصام سلطان أن هذا الكوز هو تحفة فنية اقتناها الكاتب في أحد أسفار، لكن الأستاذ إحسان عبد القدوس أخبره أنه كان قد كتب مقالا عن انقلاب يوليو ١٩٥٢م عنوانه ” هذه العصابة تحكم مصر ” فقبض عليه وأودع السجن الحربي وعذب تعذيبا شديدا، ولم يفرج عنه، إلا بعد أن تعهد بعدم الكتابة فى السياسة مطلقاً، وعندما خرج من السجن الحربي، خرج ومعه الكوز الذي كان يشرب منه في السجن فوضعه أمامه على مكتبه؛ حتى إذا انحرف قلمه تجاه السياسة ذكره الكوز بأيام السجن الحربى وقوم انحرافه

 

أما الآن وقد أصبح من المحظور نقد الانقلاب أو قائده أو أحد أنصار القائد أو أحد الأندية التابعة لأحد أنصار القائد، فعلى كل صحافي أو إعلامي أن يضع البيادة على مكتبه بدلا من الكوز، حتى تذكره البيادة بما سيحدث له إذا انحرف عن منافقة السلطة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد