1-  العنف بحاجة إلى هوية

ليس الحديث عن العنف حديثًا مستجدًا؛ إذ لم يكن هو «كحدث» مستجدًا؛ لأن التاريخ يخبرنا: كيف أنه الحدث الملازم للوجود البشري منذ بدايته، وحتى هذه اللحظة، وتتساوى في إقرار هذه الملازمة الرواية الدينية والأنثروبولوجية؛ فكلتاهما أصرَّتا على صراعٍ مستمر باتجاهين: الصراع البشري تجاه الآلهة، أو بسببها، والصراع  البشري ـ البشري الذي يبحث عن تحقيق المصالح والمكاسب الجماعية أو الذاتية.

إن هذه الملازمة بين الوجود البشري وتاريخ العنف، لا تحيلنا إلى شيء، بقدر ما تحيلنا إلى تجذُّر «العنف»، كطبيعة في الوجود البشري، وإذا كانت كذلك، وإذا كانت ـ على مر الزمان ـ تتقولب في أشكال ومبررات متعددة، فإن حقيقة أشد تأكيدًا تشير إلى كون العنف موجودًا في طبيعة كل واحد منا، لكنه يأخذ شكلًا متطرفًا غير «معقلن»، ولا «مضبوط»، لدى البعض؛ بسبب مؤثرات «سيكولوجية» معينة، وهو ـ لهذا السبب ـ مجرد عن هوية «تنظيرية» في الأصل، لكنه يبحث عنها باستمرار؛ ليكتسب شرعيةَ وجوده في التاريخ، وعبر «الجماعة».

لذا، فإن الدراسات التي تربط «جماعات العنف»، بهويات أو أعراق أو أيديولوجيات أو أديان معينة، ربطًا سببيًا، دراسات غير موضوعية بشكل كافٍ، وربما ظهور المتطرفين الأوروبيين الذين انتموا إلى داعش، يؤكد كون العنف نزوعًا بشريًا يمكن إثارته في ظروف معينة، لا ترتبط بالعرق، ولا الدين، ولا الأيديولوجيا بشكل شرطي، وهذا لا يعني النفي المطلق لهذه المؤثرات الثلاثة في تفعيل العنف، لكنه نوع من إعادة طرح الرؤية، بين كون هذه المؤثرات محفزات «هوياتية» تكسب العنف ما يريده من الشرعية، وبين كونها أسبابًا حقيقية.

إن إعادة طرح مثل هذا السؤال، هو إعادة للتفكير في معالجة ظاهرة العنف، فبدلًا من التفكير في القضاء على الأديان، كمسبٍّب لعنف ـ كما يعتقد «ريتشارد دوكينيز» ـ أو التفكير بشن الحرب على بلدان العالم الثالث بحجة «القضاء على الإرهاب»، يجب التفكير بطريقة أخرى، تطرح السؤال بشفافية؛ كي يكون ممكنًا الوصول إلى إجابة قريبة؛ لأن الهويات هي مجرد أشكال تتبدل، وستستمر في كونها كذلك، وهذا ما يجعل الأمل في القضاء على العنف في التاريخ البشري شبه معدوم.

إن العنف فعل «ذاتي» بالأساس، يحصل على المزيد من القوة في حال تمكن من تفعيل ذاته في الجماعة، وعليه لا يكون الرابط بين أفراد الجماعات الإرهابية هو معتقدها الأيديولوجي وحده؛ فالعامل النفسي الذي يميل إلى العنف داخل كل واحد منهم يمكن أن يكون أقوى رابطة من وحدة الأيديولوجيا، وهذا الميل الذاتي إلى العنف يمكن تبريره أيديولوجيا، ولكن تبريره بشكل سيكولوجي يبدو أكثر موضوعية، على سبيل المثال لا يمكننا تفسير تلذذ إعلاميي داعش بإظهار عنفهم، بطريقة إخراج فني عالية عن طريق الأيديولوجيا؛ لأن الأيديولوجيا ذاتها غير معنية بهذا الكم الفني الإخراجي للعنف، إنه ميل نفسي أولًا، وأيديولوجي ثانيًا، وعليه، فإن دراسةً سيكولوجية للحياة الشخصية لأبرز منتمي «جماعات العنف» في العالم،  يمكن أن تشير إلى تحليل نفسي دقيق متقارب بينهم.

العنف يبنى على عاطفة! عاطفة «الغضب»، و«السخط» والرغبة القاتلة في «الانتقام»، ومهما حاولت الكاريزمات المنظِّرة للعنف أن تجعل هذه العواطف موضوعية، عن طريق إحالتها إلى الأفق «الميتافيزيقي أو الهوياتي»، فإنها لا تستطيع إخفاء الحقيقة الواضحة بأن العاطفة هي العاطفة، وأن هويتها التي تكسبها إياها الإحالات، ليست سوى أغطية رقيقة مرقعة ومكشوفة.

في ختام هذا المقال يتوجب الإشارة إلى أن العنف المقصود هنا هو العنف الذي يرتكب لذاته، أو لأسباب تتعلق بإحالات ميتافيزيقية وهلامية لا تتعلق بالواقع المعاش، ولا تمسه بشكل مباشر، كحلم الخلافة، أو النقاء والتفوق العرقي، وأن  العنف المضاد الذي يكتفي بكونه «رد فعل»، ويظل مشروطًا بالعنف الأول، هو عنف مستثنى من هذا الحديث.

في الجزء التالي سنناقش ثلاثة أنواع من الشخصيات التي يمكن أن تستجيب إلى «محفزات العنف المتطرف» بسهولة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد