تحدثنا في المقال السابق عن كون العنف طبيعة بشرية يتمُّ استثارتها في سياقات معينة، بحيث تتحقق استجابات الأفراد لها بنسبٍ متفاوتة تبعًا للطبيعة السيكولوجية لهؤلاء الأفراد، وبناء عليه: فإن الأشخاص أصحاب الاستجابة السريعة والمتطرفة سيتخذون من بعض الهويات «الدينية والعرقية والإيديولوجية» وسيلةً لشرعنة العنف والتنظير له، في هذا المقال سنتحدث عن ثلاثة أنواع من الشخصيات هي الأكثر ميلًا للاستجابة إلى محفِّزات العنف في السياقات الحضارية الحالية.

أولًا: الباحثون عن المعنى

عند الحديث عن مؤثرات العنف غالبًا ما يتم طرح اليأس والفقر وعدم الشعور بالاكتفاء كسبب رئيس للعنف؛ لذا ترسخ الثقافة الغربية -الأمريكية على سبيل المثال- نموذج الشخصية العنيفة كشخصية مرتبطة بالحياة والمولد في الأحياء الشعبية والفقيرة كأحياء السود أو المهاجرين اللاتينيين، بحيث يحصل ارتباط شرطي بين الزنوج وكل أنواع الجرائم المتخيلة، ويقوم الإعلام بدور مهم في ترسيخ هذه الصورة.

على الرغم من الصحة النسبية لهذا التصور؛ إذ تؤدي الظروف الصعبة غالبًا إلى إفراز نماذج ناقمة على المجتمع، والعنف في أساسه عاطفة الغضب والرغبة في الانتقام، إلا أنها ليست صحيحة تمامًا، فثمة ما يجب أخذه بعين الاعتبار أثناء دراسة جماعات العنف: وهي أن هذه الجموع الغاضبة لن تكون «منظمة» إلا بقيادة قادرة على منح هذا الغضب هويتَه، ومانحو الهويات -غالبًا- هي عناصر خارجة عن هذه الجماعات نفسها.

على سبيل المثال، فإن أبرز الشخصيات الغامضة التي تسببت في أحداث عنفٍ عالمي، وكونت أبرز التنظيمات التي تبنت فكرة «الجهاد العالمي»، وهي شخصية أسامة بن لادن لم تكن تنتمي إلى طبقة الفقراء ولا المقهورين اجتماعيًا، على العكس: فإن بن لادن انتمى إلى عائلة مقربة من الأسرة المالكة، ذات مزايا اقتصادية واجتماعية عالية، ويتم طرح السؤال ذي الظلال التقديسية لابن لادن عادة على النحو التالي: ما الذي يدفع بن لادن لترك الفراش الوثير والسفر إلى جبال تورا بورا، حيث الحياة الصعبة والقاسية، وملاحقة الموت له؟

تكون الإجابة الدينية جاهزة، وهي ذات ظلال عاطفية درامية تطهرية، لكن علينا أن نعيد طرح السؤال من زاوية أخرى: هل كان بن لادن أولَ معتزلٍ لحياة الرفاهية، وأول باحثٍ عن المعاناة؟

إن العدمي الأكبر، محطم الأصنام «نيتشه» كان هو الآخر يعتبر المعاناة وسيلة من وسائل اكتشاف حرية الذات، والمتابع لسيرته الذاتية بداية من رفضه لتقاليد المجتمع وثقافته العليا، ومرورًا بكتاباته الناقمة الساخطة، وانتهاء بجنونه، يعرف كيف أن نيتشه اتخذ من «المعاناة» وسيلة لملاحقة المعنى، أو الجوهري في هذه الحياة، حتى وإن كان ظاهريًّا قد حطم المعنى بقسوة، لقد حطم المعنى بحثـًا عن معنى.

وهل كان بوذا سوى مثال آخر لهؤلاء النازعين إلى البحث عن «جوهر» الحياة عن طريق المعاناة، باعتبار المعاناة هي «الحقيقي» الوحيد، وباعتبار الترف هو السطح اللزج الذي لا يناسب هؤلاء الأشخاص ذي الطبيعة الجامحة، وغير القادرة على الاندماج بأوساطها اليومية، لأن اليومي لا يستحق الاكتشاف، وليس فيه من المعنى الحقيقي للوجود شيء، إن الحرية تكمن في الرعب بالنسبة لهؤلاء، في الاقتراب من الموت لاكتشاف «المعنى»، وإن كان نيتشه قد مارس «عنفـًا» فكريًّا، فإن غيره مارسوا عنفـًا واقعيًا لإعادة ترتيب العالم.

ثانيًا: العدميون

قد يبدو غريبًا أن نجمع بين الباحثين عن المعنى، والعدميين كسياقين متناقضين يؤديان إلى النتيجة ذاتها، لكن الحقيقة أنه إذا كانت الحضارة ذات الصبغة -الروحية- في الشرق قد أفرزت النموذج الأول، فإن الحضارة ذات الصبغة «الطبيعية» قد أفرزت هذا النوع من المتطرفين.

في العديد من الأفلام الحديثة يظهر العنف الحداثي وما بعد الحداثي كناتجٍ طبيعي لنموذج الحياة الغربية، في فلم «fight club» يقاتل البطل مزدوج الشخصية الناقم على الحياة الرأسمالية المؤسسة الاقتصادية بأكملها، والدولة بجوهرها، ويدعو إلى الفوضى، هناك: حيث لا يوجد إله، ولا إنسان، تصبح الفوضى هي الخيار الأخلاقي بالنسبة للبطل.

في فيلم «In time» تتكرر فكرة الاحتجاج على الحياة الرأسمالية، ويضطر البطل والبطلة للخروج عن القانون وتحطيم المؤسسة الاقتصادية بأكملها من خلال تحطيم «البنوك» كأحد أهم مؤسسات النظام الاقتصادي الحديث.

في الجزء الثاني من ثلاثية باتمان يظهر «الجوكر» كشخصية لا تدعو إلى عنفٍ يهدف إلى أي شيء، إنه لا يهدف إلى الحصول على المال، ولا السلطة، ولا يعمل وفقـًا لخطة معينة، إنه محتجٌّ وفقط، متمردٌ وغاضب من النظام والقانون ومؤسسة الدولة، وليس لديه خطة بديلة، ولا وعود بحياة أفضل، إنه يدعو إلى الفوضى وفقط، الفوضى كوسيلة لتحقيق العدالة التي لم يحققها قانون الدولة ولا النظام الاقتصادي الرأسمالي، وهذان معًا كانا قد شكلا وعودًا للحضارة البشرية بالمزيد من الارتقاء والتحضر، غير أنهما لم يحققا شيئًا من هذا.

ثالثـًا: الخاسرون

إذا كان النوعان الأول والثاني يتميزان غالبًا برصد مواقع قيادية قادرة على الدعوة إلى العنف، فإنها تشكل – في الوقت ذاته – قلة لا يمكنها وحدها أن تكون مؤثرة، غير أن هذين الصنفين اللذين يتمتعان بكاريزما جذابة، وقدرة على الإقناع، سيجدان الطرف الثالث الذي يشكل المورد البشري لجماعات العنف، وهو الخاسرون.

إن الخاسرين اقتصاديًّا واجتماعيًّا هم الأكثر ميلًا للاستجابة إلى خطابات العنف التي ينظِّر لها الصنفان الأول والثاني؛ إذ يجدون في مثل هذه الأصوات العالية مخرجًا من المآزق النفسية التي يدخلونها إثر خساراتهم المتتالية، وعدم مقدرتهم على تحقيق ذوات مستقلة داخل دوائرهم الاجتماعية.

لا يكون الخاسرون بحاجة إلى أي شيء كحاجتهم إلى «الإيمان الملحمي»؛ هذا الإيمان الذي يمنحهم القوة، والقدرة على تجاوز الإهانة التي تلقوها لأسباب ذاتية شديدة الخصوصية، قد تتعلق بأتفه أسباب اليومي، كأن يفقد أحدهم صديقته لأسباب مادية، أو كعدم مقدرة أحدهم على إثبات تفوقه في المجال الدراسي، وهو ما يسبب له صفعة مجتمعية تنبذه وتقلل من شأنه، وهكذا تكون الأسباب اليومية – شديدة التفاهة إذا ما وضعت في سياق تاريخي- هي الدافع لتكوين جماعات العنف، على العكس من الكاريزما المكونة لهذه الجماعات، والتي غالبًا ما تكون مدفوعة بأسباب غير يومية، بل أنطولوجية قلقة.

كيف كانت داعش جامعًا لكل هؤلاء؟

في الفترة الأخيرة شكلت «داعش» سؤالًا محيرًا، كونها تجمع العنف التقليدي بالعنف الحداثي، والحقيقة أن داعش هي ناتج طبيعي لحالة العولمة، فسواء الناقمون الأوربيون، أم العرب أم الآسيويون، الباحثون عن المعنى من مُغَنِّي الراب، أم الخاسرون كضباط الجيش العراقي السُنَّة الذين تم استثناؤهم من تشكيل الجيش العراقي عند الاحتلال الأمريكي، كلهم وجدوا في هذه الحركة شديدة العنف مجالًا خصبًا لرغباتهم وما يبحثون عنه من معنى، أو بثٍّ للغضب، هذا بالإضافة إلى العرب الساخطين على النظام العالمي الذي تسبب بالويلات والكوارث للشعوب العربية، إن جماعةً كداعش هي ناتج لهذا كله، كما هي ناتج لإيديولوجيتها الدينية.

ما الذي يتوجب فعله؟

إن حقيقةً من قبيل أن العنف طبيعةٌ إنسانية لا يمكن القضاء عليها بالمطلق هي حقيقة لا يمكن تجاوزها، كما أن «النرجسية» ستظل موجودة كسمة إنسانية تبرز لدى بعض الشخصيات، التي قد تتسبب فيما بعد بأحداث العنف، لأنها تنظر لنفسها كشخصيات لها وظائف الآلهة من حيث قدرتها على إعادة رسم خارطة العالم وفق نموذجها المقترَح.

لكن ثمة وعدًا خفيفـًا بالتقليل من العنف إذا تم إعادة النظر في بيداغوجيا المجتمعات المحافظة، وأنظمة المجتمعات الحديثة، وسياسات النظام الدولي، هذا الوعد الذي يبدو غير قابلٍ للتحقق على المدى البعيد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد