لا أخطو خطوةً إلا ويسبقني الخوف والتردد، لذلك لا عجب أن لا تجدني بجوارك أحيانًا. كنت أفسر تأخير بعضهم أو غيابهم عن مناسبة ما أنه كسل، أو كما نقول “ندالة” إلى أن وجدت نفسي هكذا منذ أن بدأ عقلي في الالتفات إلى جوانب أخرى في الحياة غير اللعب والمذاكرة، أجد نفسي راغبًا وغير راغب في الذهاب إلى مكان ما، لست كارهًا، ولكني متردد من ماذا؟ لا أعرف. 

لكل منا عاهته، آسف لكنني كما قلت لكل منا عاهته التي ربما، وإن نَمَت بفعل شيء ما تبلورت، وأصبحت عائقًا لنا يمنعنا عن السير قدمًا نحو أحلامنا، أحلامنا التي كثيرًا ما تكون هي ذاتها مشكلاتنا.

كنت أبحث في الكتب والأعمال الفنية عن معنى يفسر التعاسة، إلى أن وجدت ضالتي في ثلاث، سيرانو دي برجراك الشاعر العظيم الذي لا يجرؤ على البوح بعشقه لروكسان، وكوازيمودو ذلك الطفل اللقيط قبيح المظهر الذي وجد الإنسانية في أزميرلادا، فأحبها واستطاع فكتور هوجو أن يجسد لنا معاناته في مسرحيته أحدب نوتردام، وحسين أو كما يطلق عليه أبو الروس ذلك الشاب الذي استطاع نجيب محفوظ أن يسرق به قلوب القارئين والمشاهدين في روايته العظيمة حديث الصباح والمساء، والذي أحب سميرة وكانت من نصيبه رغمًا عنها. 

عام 1897 كتب الشاعر الفرنسي إدمون روستان مسرحيته العظيمة عن الشاعر سيرانو  الذي لطالما حلمت أن يعود الزمن لرؤيته فقط كي أقبل أنفه، التي ظلت لعنة تطارده أينما حل، ومنذ سنتين ربما قرأتها أو قل شربتها مترجمة للعبقري المنفلوطي.

أستطيع أن ألمس معاناة هذا الشاعر بروحي فهو الذي كان يملك قلمًا جزلاً وقلبًا نقيًا يحمل بين طياته النبل والشجاعة وعشق روكسان تلك الفتاة التي جعلت من رجل شجاع طفلًا يجهش بالبكاء كلما اختلت به نفسه، يا لتعاستك يا سيرانو ماذا فعلت كي تقسو عليك الحياة وتجرعك مرارة أن تكون نبيلًا، لا تجرؤ بالرغم من شجاعتك وبلاغتك أن تفصح عن ما يجول بداخلك، بل تساعد صديقك أن يصل إلى قلب من عشقت، هو بهيئته حيث الوسامة التي حباه الله بها وأنت بعقلك ولسانك وكل شيء، يا سيرانو يا أيها التعيس، كيف لك أن تبقى حياتك وقلبك محجوب عن عين معشوقتك.  

صحيح أن الله يحب الجمال، ولكن أي جمال يحبه، هل قال إنه يحب جمال الوجه، أم جمال الجسد، أم جمال القلب والروح، الله جميل يحب أي جميل يا صديقي.

كان مشهد تقدم حسين لخطبة سميرة مشهدًا ليس بالكوميدي فسقوط من تطلبه شريكًا لك حزنًا ليس بالشيء المضحك على الإطلاق. لاتصدق أنني أجهشت بالبكاء عندما أتى مشهد حسين، واختلى بزوجته في أول ليلة لهما، وقال جملته التي لا تزال عالقة في ذهني “أنا خلقتي مش، ولا بد راس كبيرة، وجتت عيل حاجة كدة مش راكبة على بعضها، لكن اللي عايز أقولهولك إني عمري في يوم ما هاغصبك على حاجة، انت جوهرة غالية اتمنتها والمولى قسملي بيها وهو اللي هيقدرني أسعدها وأحافظ عليها، البيت ده بيتك وأنا فيه ضيف وأوعدك عمري ما هاكون ضيف تقيل” أي جمال هذا وأي تعاسة يحملهما حسين في نفسه.

صحيح أن القس كلود فرولو كان يبدو رحيما بكوازيمودو إلا أنه ظل محتفظًا به داخل الكنيسة كي لا تراه الأعين فتخافه فهو صاحب الوجه القبيح والقلب الطاهر ينظر إلى أعين الناس يراقبهم ولا يفهم لماذا يضحك الكبار وتهابه الأطفال، لكنه بالرغم من ضآلة عقله، إلا أنه مازال يعِ بالفطرة معنى الإنسانية ذلك عندما وجدها تتجسد في قلب أزميرالدا الفتاة الغجرية الجميلة التي كانت تحنو عليه إلى حد أنه أحبها، ولكن كيف لقبيح مثله أن يحب فتاة فائقة الجمال، تعيس أنت يا كوازيمودو، تعيس أنت يا صديقي.

لست بصدد الحديث عن الحب لأني أؤمن أن هذا شيء عبثي ليس له قانون، لكني أتحدث عن الجمال الكبير الذي لا نراه والقبح متناهي الصغر الذي يهزمنا، عن حُكمنا على الأشياء وعن حِكمة لا أفهمها، فمثلا أنا لا أفهم إلى الآن أن يعيش أحدهم وسيمًا لا غبار عليه في قصره، ويتجرع إسحق كل يوم مرارة أنه يبدو أقل عقلًا وهيئة من الأطفال الذين لا يكفون عن إلقاء الحجارة والسباب عليه. 

أقصد أننا مقسمون ما بين مقبول ومرفوض وغير مرئي وهذا ما لا أعرف حكمته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب الشاعر للشاعر ادمون روستان
رواية حديث الصباح والمساء لنجيب محفوظ
مسرحية أحدب نوتردام لفكتور هوجو
عرض التعليقات
تحميل المزيد