كل من يعرفني يعرف أنني من أوائل من دافع عن قضية حقوق برقة، ومن المعاصرين لأدق تفاصيلها منذ أوائل 2012، ولا نزايد بذلك ولا يستطيع أحد المزايدة علينا، العدالة والمساواة بين أقاليم ليبيا التاريخية الثلاثة «برقة وفزان وطرابلس»، هذه كانت قضيتنا الأساسية ورسالتنا و حولها تمحورت شعاراتنا حينها، شعارات نقية، وصادقة دافعنا عنها بصدق واجتمع حولها الآلاف، ولكن السؤال: أين ذهبت كل تلك الحشود التي كنا نراها تملأ الساحات؟ ولماذا صارت تظاهرات المطالبة بحقوق برقة تعد على أصابع اليد الواحدة؟ وأين هي برقة من المشهد السياسي اليوم؟

ما يسميه البعض «الحراك البرقاوي»، وهو في الحقيقة ليس حراكًا بالمعنى الصحيح للكلمة، فالحراك يجب ان يكون منظمًا، ولديه مشروع وأهداف واضحة وخطة عمل وآلية تنفيذ وجدول زمني على الأقل؛ فمن المتعارف عليه أن من ليس له مشروع، سيكون جزءًا من مشاريع الآخرين، وهذا بالفعل ما حصل مع تيار المطالبين بحقوق برقة.

منذ 2012 تم استغلال «البرقاويين» من قبل عدة تيارات سياسية وقبلية وحتى دينية، في البداية من أنصار النظام السابق؛ إذ اندسوا واستغلوا مطالب الكادحين لأجل إعادة تدوير بعض الشخصيات من جديد في المشهد، ومن بعدها تم اختراق القضية من قبل «الجماعة الليبية المقاتلة»، وهي تيار إسلامي متشدد ارتدى بعض قياداته عباءة برقة مؤقتًا لتحقيق أهداف فشلوا في تنفيذها، كما تم الاستحواذ وتوظيف المطالب من قبل قبائل، ومناطق بعينها لأهداف جهوية ومصالح شخصية، وصولًا أخيرًا إلى استخدام مطالب برقة كعصا لتهديد بقية الأقاليم الأخرى من قِبل خليفة حفتر وأعلامه، الذي زج بشبابها المتحمسين كوقود لمغامراته العسكرية المتهورة وحروبه الفاشلة من أجل الاستيلاء على السلطة في ليبيا.

بالرغم من صدق وعدالة ونبل قضية حقوق برقة؛ فإنها دائمًا ما كانت الحلقة الأضعف في المشهد السياسي بل وحتى العسكري، فمن نصبوا أنفسهم محامين عنها، وكل مسؤول صغير كان أم كبيرًا، ومن يسمون أنفسهم وجهاء قبليين؛ بل وحتي ممثلي الحوار عن برقة لا يهشون ولا ينشون بدون إذن حفتر وأبنائه، فهم لا يملكون من أمرهم شيئًا، ولا يمثلون الطبقة الكادحة المخدوعة بهم، والذين نسميهم «الدراويش»، هذا بدون التطرق الى الهزائم العسكرية النكراء التي تلقاها حفتر في إقليم طرابلس، والتي دفعت جل ثمنها برقة رجالًا ومالًا.

ومع ذلك نجح العديد ممن تصدروا القضية في التسلق على هذه الشعارات النبيلة، وأصبحوا نوابًا في البرلمان ووزراء في الحكومات المتتالية، ولكنهم لم يقدموا أي شيء يذكر لإقليمهم، وانحصر دورهم في السلب والنهب وتكليف وتعيين أهلهم وقبيلتهم الأقربين، وبقيت فقط القلة القليلة الصادقة التي ابتعدت عن المشهد أو خونت و رميت في السجون وهجرت.

منذ 2014 تقريبًا ظلت القضية حبيسة وسائل التواصل الاجتماعي ورهينة الخطاب الإقصائي الجهوي، والسب والشتم والقبلية والتخوين والمزايدات الفارغة حتى بين المطالبين بها أنفسهم، كما أن التشتت والتشرذم، وعدم توحيد المطالب أيضًا، كان وما زال أحد أسباب خفوت صوت المطالب بحقوق برقة، فكل عشرة أشخاص اجتمعوا في مربوعة صار لديهم اسم حزب أو تكتل ويملكون ورقة وختم ويفصلون التهم على كل من يختلف معهم.

هناك في برقة اليوم من يطالب بالفيدرالية، وهناك فئة أخرى ترى ان الانفصال وعودة إمارة برقة المستقلة هو الحل الأمثل، وهناك من يطالب بعودة الملكية الدستورية، وكلها حلول واردة، وهذا ليس عيبًا بل ميزة، فالهدف الأسمى يفترض أن يكون واحدًا، وهو حقوق هذا الإقليم، فاختلاف وتنوع الآراء والتوجهات شيء صحي ومطلوب، ولكن ما حصل ويحصل هو العكس، فالاختلاف عندنا يعني الخلاف، ويلحقه التخوين والعداء والاقصاء، حتى يبدوا لك أنه لا أحد سمع بالعمل الجماعي من قبل.

حسب تقييمي لم يكن للمطالبين بحقوق برقة جسم حقيقي يمثلهم ويجمعهم مع كامل الاحترام لكافة الاجتهادات، أغلب الأجسام المتعاقبة التي طفحت على السطح حكمتها القبلية وحركتها الجهوية والمصالح الضيقة، وانغلق من فيها على أنفسهم وتقوقع كلٌّ منهم على رأيه رافضًا سماع الرأي الآخر، وهيمن عليها خطاب الكراهية ورفض الاختلاف وعدم الاعتراف بحقوق المكونات الأخرى؛ حتى في برقة نفسها عوضًا عن بقية أقاليم ليبيا، فإذا أردت أن تحصل على حقك احترم حقوق الآخرين أولًا.

فمن المعيب أن تطالب بحقك في المناصب السيادية من طرابلس على سبيل المثال لا الحصر، وأنت متمسك بمنصبك الوهمي رئيسًا لتكتل منذ تسع سنوات بدون إجراء أي انتخابات او أي عملية ديمقراطية! وأغلب من معك من قبيلتك، ومن ثم تلوم الغرب على وضع أبناء جلدتهم في المناصب! كما أنه من العجيب أن تطالب بالاعتراف بعلمك؛ الذي يمثل هويتك وأنت تستهزأ بعلم الامازيغ مثلا.

في تصوري إن كلمة حقوق حدها واسع، والحقوق هرم يبدأ من القاعدة، حيث هناك أولويات وهي الحقوق الأساسية، وهناك كماليات وهي حقوق ثانوية تعد رفاهية اذا غابت الأولى، فلا أعتقد أن هناك إنسان عاقل سيطالب بحق البهائم في العلفة! ويتغاضى متعمدًا عن المطالبة بحقه في التعبير وحرية الرأي، وهو يرى بأم عينيه إخراس أصوات المعارضين، والخطف ورمي الجثث على قارعة الطرقات! او يتجاهل المطالبة بحقه في حرية التنقل، وهو لا يستطيع السفر بدون إذن من الأمن الداخلي؟ بل وحتى حقه في الحياة بآدمية سلبها منه العسكرتاريا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد