لم يوضّح التصريح الأخير، لأمين سر «تحالف القوى الفلسطينية» خالد عبد المجيد أمس الأربعاء 24 مايو (أيار)،  والذي تحدّث فيه عن بدء تنفيذ خروج المسلحين فعليًّا من مخيم اليرموك، ضبابيّة الموقف في المخيّم،لا سيّما أنّه لم يفصح عمّا إذا كان الخروج المعني، يشمل مسلّحي «داعش»، ولم تُرصد أي تحرّكات لخروج أيّ من المسلحين حتى مساء اليوم الخميس.

ضبابيّة كثّفتها جملة من الأنباء المتضاربة وردت من مخيم اليرموك، حول تحضيرات مفترضة يقوم بها تنظيم «داعش» لمغادرة المخيّم والمناطق التي يسيطر عليها جنوب العاصمة دمشق.

فقد نشر التنظيم الأحد الفائت 21 مايو (أيار)، إعلانًا يدعو فيه الراغبين من أنصاره في الهجرة إلى «أراضي دولة الخلافة» بتسجيل أسمائهم بعدّة نقاط في مخيم اليرموك ومنطقة العسالي القريبة من المخيّم.

ترافق ذلك مع أنباء عن بيع عناصر التنظيم، لأغراضهم الشخصيّة بأسعار زهيدة، استعدادًا للخروج من المخيّم، بالإضافة إلى ترحيل العديد من مسلحي «داعش» لزوجاتهم وعائلاتهم إلى حي الحجر الأسود والقدم المجاورين.

أنباء سرعان ما تضاربت مع نقيضتها، وعن مصادر في المخيّم، نُقل أنّ عناصر التنظيم يستعيدون ما باعوه، وسط نشرهم لأقاويل تفنّد الخروج، وأخرى تفيد بتأجيله إلى أجل غير مسمّى.

وبين التحضير والنفي والتأجيل، لا توّفر عموم المؤشرات مجالًا للشك، بأنّه لا مستقبل لتنظيم «داعش» في مخيم اليرموك وجنوب دمشق، وأنّ التنظيم يسعى إدراكًا منه لهذه الحقيقة، إلى ترتيب تراجع منتظم يجنّبه الاستمرار في وضع يستحيل معه مواجهة تبعاته الآخذة بالتوضح شيئًا فشيئًا، على ضوء قضم قوّات النظام السوري مجمل المناطق الخارجة عن سيطرته في محيط العاصمة دمشق، عبر التسويات المبرمة مع فصائل المعارضة السوريّة المسلحة و«هيئة تحرير الشام» والتي كان آخرها تسوية حي القابون، وقبلها ما عُرف باتفاق «المدن الأربع» مع «هيئة تحرير الشام» والذي شملت بنوده خروج مسلحي الهيئة من مخيم اليرموك إلى مدينة إدلب شمالي سوريا.

واقع لا يتيح لـ«داعش» بأن يتفرّد برفض الانخراط في تسوية من شأنها تبديد «بقائه وتمدده» وفق شعاره الشهير، لا سيما أنّه فعليًّا كان أوّل تنظيم مسلّح في جنوب دمشق، قد أبرم تسوية مع النظام في أواخر 2015، نصّت على خروجه من المنطقة الجنوبيّة، لكنّها سرعان ما تعثّرت بعد خروج أوّل قافلة أقلّت بعض عائلات مسلحيه عبر مناطق النظام إلى مدينة الرقّة.

وترجع أسباب التعثر المتعمد لاعتبارات تخصّ النظام دون سواه، خشيةً منه من توسّع فصائل المعارضة مزيدًا من الكيلومترات في عمق العاصمة، حيث يرى النظام أنّ أولوية صراعه الفعلي هو مع المعارضة، وفق ما يذهب إليه متابعون للوضع السوري.

إلّا أنّ تغيّر الحال، واكتساب النظام مزيدًا من مقوّمات القوّة، في مقابل ضعف فصائل المعارضة وتشتتها، وتمكّنه مؤخّرًا من فرض جملة تسويات، على مناطق المعارضة في أحياء شرقي دمشق، وتخلّصه من مسلحي «هيئة تحرير الشام» المتبقين في المخيّم، عبر اتفّاق «المدن الأربع» المرتقب تنفيذه خلال الأيام المقبلة، أجبر كل ذلك تنظيم «داعش» على اتخاذ بعض التدابير الاستباقيّة لتحصين وجوده، فشرع في تنفيذ سلسلة من عمليّات اقتحام فاشلة لمناطق الهيئة في المخيّم، لعرقلة تنفيذ الاتفاق المذكور، وتحصين ثغور مناطقه داخل المخيّم من اختراق الفصائل الموالية للنظام، والتي تعد نفسها لاستلام مناطق الهيئة في غرب ووسط مخيم اليرموك.

ووفق مراقبين، فإنّ «داعش» قد أدرك مؤخرًّا أنّ الخروج بات حتميًّا، بعد أن استنفذ جميع مقوّمات الدفاع عن «ولايته الدمشقيّة» التي يتخّذ من مخيم اليرموك مركزًا لها.

لذلك يصف كثيرون ما يتوارد من أنباء بهذا الصدد والتي أشرنا اليها أعلاه، بالدخان الصادر عن نار التسوية التي يُنضجها عبر قنوات تفاوضية مع النظام السوري، والتي ينفخ فيها تحالف القوى الفلسطينية الموالية للنظام، لإغلاق ملف مخيم اليرموك أسوة بأحياء دمشق الشرقيّة.

الأهالي يترقّبون مصيرهم!

على ضوء كل ذلك، يترقّب أهالي مخيم اليرموك مصيرهم، سواء من بقوا داخله وتعدادهم نحو 3 آلاف مدنيّ، أم الذين نزحوا عنه إلى بلدات جنوب دمشق المجاورة والبالغ عددهم نحو 12 ألف مدنيّ، أو الذين هُجِّروا إلى أحياء العاصمة دمشق.

ورغم الحديث المتكرر، عن إعادة الأهالي إلى مخيّمهم، وكان آخره ما نقله تلفزيون «الدنيا» التابع للنظام السوري، عن خروج «داعش» من مخيم اليرموك خلال أيام، و دخول قوات «الجيش العربي السوري والفصائل الوطنية الفلسطينية» لإزالة الألغام والمتاريس داخل المخيّم، تمهيدًا لعودة الأهالي، إلّا أنّ تجارب التسويات السابقة التي طالت مخيّمات وتجمّعات فلسطينية، تعزز مخاوف الأهالي على مصيرهم، لا سيّما في ظل استمرار غياب مرجعية وطنية فلسطينية حريصة على استمرار بقاء المخيّمات وحماية أهلها، وضمان عدم التعرّض لهم من قبل أمن النظام أو أي جهة كانت.

فتسوية مخيّم خان الشيح، دفعت بالمئات ممن تبقّوا داخله حتّى تاريخ إبرام التسوية في أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، إلى المغادرة مع مسلحي المعارضة، لعدم ائتمانهم جانب النظام السوري وحلفائه، أمّا بعد إبرام التسوية، فلم يختلف الحال من جهة استمرار عمليّات التضييق والاعتقال على الحواجز الأمنية، فضلًا عن استمرار الرقابة المشددة على حركة الدخول والخروج للبضائع والأفراد.

جملة من الممارسات، حالت دون عودة ما يقارب نصف تعداد أهالي مخيّم خان الشيح البالغ بمجمله نحو 25 ألف نسمة، فالمخيّم بحسب ما ترصده «بوابة اللاجئين الفلسطينيين» من مصادر محليّة داخله، أشبه بثكنة عسكريّة، يتحكم الأمن العسكري داخلها، بكافة مفاصل الحياة، عدا عن التضييق المكثّف على العائلات التي فضّل أحد أفرادها عدم البقاء في ظلّ التسوية.

وإلى جانب تجربة مخيّم خان الشيح، لا يزال النظام يمنع نحو 40% من سكّان مخيّم الحسينية، من العودة إلى منازلهم رغم استقرار الأوضاع فيه وفي محيطه، كما سجّلت عدّة انتهاكات بحق العائلات العائدة إلى المخيّم بعد استقرار أوضاعه الأمنية في أغسطس (آب) 2015، أبرزها استيلاء الميليشيات الحليفة للنظام على عدّة منازل تعود ملكيّتها للاجئين فلسطينيين.

على ضوء كل ذلك، تساور أهالي مخيم اليرموك مخاوف حقيقيّة، نظرًا لاستمرار غياب أي دور للجهات الفلسطينية الرسميّة «السفارة الفلسطينية ومنظمة التحرير»، والجهات الدوليّة الموكلة بحماية اللاجئين الفلسطينيين، بالأخص وكالة «الأونروا» في توفير غطاء حمائي،بعد أن تنصلت منظمة التحرير عن مسؤولياتها خلال السنوات الماضية بلعب أي دور ينأى بالمخيّمات وأهلها عن كلّ تبعات الصراع على الساحة السوريّة.

وتتضاعف تلك المخاوف بالأخص لدى المدنيين المتبقّين في المخيّم، حيث لا جهة يمكن أن تحتوي مخاوفهم، فالخروج مع مسلّحي تنظيم «داعش» يساوي بالنسبة لهم، البقاء تحت حكمه المتشدد، البقاء في المخيّم كخيار أوحد، يستوجب المجازفة، علّ الوقائع المقبلة تزيح بعض الضبابيّة وتكشف عن مصير مختلف عمّا شهدته مخيّمات أخرى

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد