لا أحد يدري إلى أين يمكن أن تنتهي تلك المعارك الشرسة على جغرافية المناطق النفطيّة التي تسيطر عليها داعش، ولكن يبدو أن التحالفات العسكرية تبتعد عن تدمير البنى التحتية للمنشأت النفطية التي تسيطر عليها داعش، التي أنفق عليها العراق وسورية مبالغ كبيرة عبر عدة عقود وبسبب فلسفة حاجة كل دولة لتقليل الضرر استعدادا لمرحلة ما بعد داعش.

لكن كل التقارير الاقتصادية تشير أن تلك المنشآت النفطية تشكل العمود الفقري لاقتصاد داعش، ووارداتها تعطي داعش القدرة على تأمين موارد السلاح وديمومة زخم المعارك وتساعد في تعزيز قدراتها المالية والإدارية في التجنيد والتمدد.

داعش تعطي المال والمعونات لمن يعمل لها ومن يؤمن بها، اما الغالبية العظمى من المتعايشين تحت سيطرتها لا تلقي لهم اهتماما أو بالا ومن المرجح أن تشهد تلك الغالبية ذَات الدخل المنخفض والتي استحواذ تنظيم داعش على أسباب معيشتها وعلى أراضيها، وضعا غذائيا وصحيا آخذا بالانحدار والتدهور وبشكل مستمر.

بعد سقوط نينوى والعثرات الاقتصادية ازدادت وبالتي أدت إلى الكساد الكبير الذي يعاني منه العراق اليوم. وقرار رئاسة الوزراء العراقية بتجميد رواتب الموظفين والمتقاعدين في المناطق التي يسيطر عليها داعش زادت الطين بلة، حيث بررت الحكومة العراقية قرارها؛ بأن داعش كانت تخصم من تلك الرواتب ضرائب بنِسَب مختلفة تصل شهريا إلى مليون دولار من المجموع الكلي للرواتب، لكن هذا القرار أضر كثيرا بالأهالي المكرهين على التعايش مع داعش وليس فقط بالعدو.

 
لو سألت المقاتل الداعشي العادي عن رؤيته الجغرافية لدولة داعش ستجد أنها تمتد إلى أبعد من الحدود الوطنية والقومية. فهي تمتد حتى تصل إلى أراضي الدولة العباسية في آسيا الوسطى والصين وفي غرب أوربا وإسبانيا. كما أنها تشمل الأراضي السابقة في البلقان والشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وأعتقد أن هذه أوهام يستعملها داعش لجذب المجندين الجدد.

 

 

فمشروع دولة الخلافة، على سبيل المثال، ما هو إلا وسيلة لإلغاء كل الحدود. ولكن كل من يقاتل لرفع الحدود ولد في دول الناس فيها معتادون على فكرة الحدود الصارمة العازلة التي تشبه جدار برلين. وهذا سيعني لنا أن على تنظيم داعش أن ينظر إلى سوريا بطريقة مختلفة عن الطريقة التي ينظر بها إليها الآن، وأن يفعل نفس الشيء مع العراق. فالمسألة ليست محاولة الدمج بين جغرافية دولة ودولة، بقدر ما هي محاولة الدمج بين شعب وشعب.

على الجانب الآخر، ما كان لدى البغدادي ومساعديه وفريق مستشاريه ودائرة محدودة من اقربائهم، من الثراء والأموال الكثيرة، لان هم يشعرون أن الفضل في قوة تنظيم داعش الاجتماعية والمالية يرجع إليهم. كذلك أدرك رجال الهيئات الشرعية في العراق وسورية أنه من المستحيل إقناع انصار تنظيم داعش بالاتجاه بعيدا عن فكرة دولة الخلافة. ووجدوا أنفسهم غيرعاجزين عن كسب انتباه اتباع التنظيم من العرب أو غيرهم الذين كانوا بالضرورة معجبين بدولة الخلافة. كما كان وضع البغدادي في التنظيمات الجهادية أكثر جاذبية بالنسبة للطبقات التقليدية في المجتمع الجهادي.

ولكن لكي يستطيع البغدادي أن ينشئ ملفا ماليا كبيرا يتولى إدارته أخوه أحمد، مع ملف تنسيق البريد الخاص بين الولايات، كان يحتاج إلى أن يثبت أنه لن يضر به كقائد أعلى لتنظيم الدولة. وبالتالي وعد رفاقه المسئولين بأن هذه الملفّات ونشاطاته في التنظيم سوف تقتصر على تقديم إدارة المالية، وغيرها من الخدمات، مثل البريد وما شابه. ولكن ذلك كان الحد الأدنى المطلوب لإرضاء قادة داعش من غير العرب. فقد توقع بعض المنشقين من داعش أن يستخدم البغدادي شبكة أسرته وأقاربه في سورية والعراق إذا ما رأى ذلك ضروريا خاصة في بلدان مثل تركيا التي لها قيمة استراتيجية كبرى بالنسبة للبغدادي.

 
قبل نوڤمبر ٢٠١٣، كان تنظيم داعش يعتمد ماليا على الغنائم. أما اليوم فقد أصبح معظم مقاتلي داعش يحصلون على الدعم المالي من خلال المالية والإدارية التي تديرها داعش أو يشرف عليها بيت المال ويتحكم بها أحد مساعدي البغدادي. بالإضافة إلى أن البغدادي، لكي يستعرض هيمنته المالية والشرعية، يدفع رواتب لمساعديه ومجلس الشورى وولاة الولايات أعلى بكثير من تلك التي يدفعها اي تنظيم مسلح آخر. وعلى الرغم من أن معظم المالية في التنظيمات الآخرى تعتمد أساسا على أموال التبرعات والصدقات والغنائم، يهيمن البغدادي على أكثر المؤسسات النفطية ثراء وربحية في الغرب العراقي والشرق السوري، والشركات والمصانع والمخازن التابعة لتلك المنطقة. ويغطي بيت المال في تنظيم الدولة كل الاحتياجات المالية للمقاتلين.

وبالنسبة لرجال الحسبة والتحقيقات كانوا على قوائم رواتب تنظيم داعش، ومعيشتهم تعج بالمزايا الخاصة والمخصصات المالية. فقد خصص تنظيم داعش موازنات كبيرة للهيئات الشرعية، ما جعلها أكثر ثراء من أي فترة أخرى. وكان رجال الهيئات الشرعية ذوو الصلات الواسعة والتأثير الكبير والذين يحابيهم البغدادي، يشاركون في صفقات مالية تهريب الآثار وآخذ الاتاوت وفرض الفديات، ويتلقون مزايا مالية مالية حصرية، ويستطيعون اقتراض أموال طائلة من بيت المال من دون الاضطرار إلى تقديم ضمانات كافية. والأهم من ذلك، هو أن العديد من مكاتب توزيع الزكاة والصدقة في نينوى والرقة ودير الزُّور والقائم تشرف عليها تلك الهيئات، كما يعقد هؤلاء صفقات “فاسدة” مع الناس لمساعدتهم على الهروب من تلك المناطق مقابل مبالغ مالية.

من جهة أخرى، تقتضي بيعة البغدادي، أن يخضع جميع رجال الهيئات الشرعية لأوامر البغدادي بالسمع والطاعة بدون جدل أو اعتراض أو خصومة ـ كما يفعل أي تابع داعشي آخر. وهي الفكرة التي تأسست على أساس أن الخليفة هو القائم بأمر الله وممثل الإسلام الكامل، وبالتالي يحظى بالطاعة المقيدة بطاعة الله والرسول. وبناء على ذلك، للخليفة السلطة على كل شيء بما لا يتجاوز الشريعة.

واذا حصل أن أجتهد البغدادي بشيء فيه تجاوز للشريعة فأن على رجال الهيئات الشرعية تبرير سلطة الخليفة التي تتجاوز الشريعة أو الفقه، بذريعة المصلحة والمفسدة.

 
الفوارق الطبقية بين انصار البغدادي وعامة الناس ممن يتعايش مع داعش بالاكراه جعلتهم بدون حواضن اجتماعية تهتم لهم، وهم يقاتلون اليوم بحاضنة الرعب، ولو توجد ردة فعل شعبية سنية عليهم، فإنهم سوف يهربون بالمئات إلى الصحراء، كما حدث للقاعدة في عام ٢٠٠٧ : ٢٠٠٨!

 
حين احتلت جماعة البغدادي، نينوى أجبروا خطباء المساجد أن يتركوا الخطابة إلا من بايع منهم، لأنّ الخطابة بلا بيعة البغدادي لا تناسب أحكام المتغلبين بالقهر!

في نينوى ثلاثة قادة من العرب وواحد من الشيشان، أمّا أكثر القادة فهم من الساحل الأيمن وربيعة والحمدانية والبعاج وغالب جنودهم من عشائرالعبيد وطي والمتيوت والجبور ويليهم تركمان تلعفر وأكراد السورجية والزيبارية ومن ثم السوريين والتوانسة والليبيين واليمنيين وخلايجة وآخرين!

أنصار البغدادي ليسوا إلا جباة للمال في المناطق السنية ذات الثروات النفطية والتجارية، ويتعاملون مع الحضري بازدراء، وقد يهدد أملاكه بفرض الإتاوات عليه! أيضاً من الملاحظ في مناطق الموصل القديمة ومنطقة باب الطوب أن قسما كبيرا من المتسولين من تلك المناطق وخصوصا المراهقين والشباب منهم، قد انضموا إلى جماعة البغدادي، فكانوا أكثر قسوة وخبثا!

من يجمع الإتاوات والجزية والزكوات والصدقات في نينوى، غالبا هم من طلبة العلم الشرعية وفي معيتهم عناصر من المهاجرين. أبناء المدينة والحضر لا يحبذون التقرب إلى أنصار البغدادي، ولا يشتركون معهم بأي عمل تجاري أو خدمي، إلا وهم مكرهون.

وجماعة الحسبة كأنهم ميكنة ميكانيكية، لا يعلمون الناس الأحكام الشرعية، ولا يعذرون الناس بجهلهم ولا يتأولون لهم أفعالهم، وهم لا يعرفون سوى العقوبة والتعزير !

هناك صفة مميزة لجماعة البغدادي في الموصل أن معظم من بيده الحل والعقد، ممن لديه ثقافة وقساوة البداوة والقرية، حيث ينظر لأهل المدينة بأنهم فاسدون، وأن نساءهم فيهن خوارم الأخلاق والمروءة!

في دولة البغدادي من لا يؤمن بإيمانهم فإنه سوف يتضور جوعاً، ومن يمتلك الشفاعة والتسهيلات من تقطر دماء الناس من بين أصابعه ومن يتفاخر بقطع أكثر عدد من الرؤوس أو من جلب لهم الغنائم والأموال ( بالنهب والسلب والخطف).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد