في كل مرة نشهد فيها أحد الحوادث المتعلقة بداعش تدور التساؤلات والاجابات والنقاشات حول علاقة داعش بالدين، وما ينتج عنها من أسئلة فرعية حول شرعية/ عدم شرعية أفعالها، ثم يتطور النقاش – كالعادة- حول الدين بحد ذاته، وكيفية التعامل معه وما يجب/ أو لا يجب تطويره/ تنقيته/ تجديده في “الدين”.

والحقيقة أن أصل الإشكالية هو قضية التعامل مع التراث – وهو ما سنأتي علي تعريفه لاحقـًا- ونحن نرى أن هناك عوارًا بوجهات النظر المطروحة في هذه النقاشات فيما يتعلق بالتعامل مع النقاش، ولكن في البداية نحن بحاجه إلى تحرير مصطلح التراث وبيان معناه.

التراث: ما هو؟

إن جزءًا هامًا من إشكالية التعامل مع التراث تنبع في تعريفه، فبعضهم يعتبر أن التراث هو الدين، هو ما يعنى نتيجتين هامتين،

الأولي هي أن هذا التراث يشمل القرآن والسنة النبوية، مما يعني أن نقد التراث أو نقضه سوف يعني بالتبعية انهيار المنظومة الدينية ذاتها، حيث إن القرآن والسنة هما مرجعية الإسلام التي لا يختلف عليها أحد – تقريبًا – ، وهذا هو ما يتضح في أعمال عدد من المفكرين الذين تناولوا النصوص القرآنية والنبوية من منظورات علوم اللغة الحديثة وغيرها – والمثال الأشهر على ذلك هو أعمال نصر حامد أبو زيد-.

النتيجة الثانية المقابلة للنتيجة الأولى وهي أن هذا التراث مقدس، واكتسابه القداسة يأتي من كون القرآن والسنة جزءًا منه، وهو ما يعني إضفاء القداسة على كل ما أنتجه علماء المسلمين في مجال العلوم الشرعية في 14 قرنـًا من الزمان، في الفقه والأصول والعقيدة والتفسير إلخ، وهو أمر قد لا يقل خطورة عن النتيجة الأولى لأن هذا يعنى – وقد عني بالفعل– أن مساحة الاجتهاد والتجديد سوف تؤول – شئنا أم أبينا- نحو الانغلاق والتوقف، وهو ما ظهر بالفعل في بعض الآراء في العصور المتأخرة.

ونحن إذ نختلف مع التعريف السابق للتراث على أنه هو الدين، فإننا نؤمن بالمفهوم الذي قدمه العلامة حامد ربيع حين قال – بتصرف- إن التراث هو: “ما قدمه السلف للخلف من نموذج فكري، ومبادئ وقيم، ونظم وقواعد” ، إن هذا التعريف يعني عدة أشياء، فأولاً هو يخرج المصادر الأصلية – القرآن والسنة– من مفهوم التراث، وهو ما يعني التخلص – نسبيًّا- من نتائج التعريف الأول، وثانيًا فهو يعني أن التراث ليس فقط ما وصل إلينا من كتب ولكنه يضيف إلى ذلك كل ما وصل إلينا من منتجات حضارية، وثالثـًا وهو الأهم فهو يعني أن التراث ليس مجرد نصوص أو أبنية، ولكنه نموذج معرفي كامن – بتعبير المسيري– يتجلى في الحضارة العربية الإسلامية من خلال تراثها الذي ورثناه.

داعش والداعشيون

يبدو تعامل داعش مع التراث معقدًا غير مفهوم، إلا أن تركيبية هذا التعامل هو مكمن تعقيده، فمن الناحية الظاهرية تبدو داعش شديدة “النصوصية”، أي أنها تتعامل بقدسية شديدة مع نصوص التراث وليس فقط نصوص المصادر الأولية – القرآن والسنة– فكل أفعالها لها نصير من رأي فقهي أو دليل شرعي، مهما كان فعلها يبدو منافيًا للتصور العام عن الإسلام وقيمه وأحكامه.

وقد شهدنا نموذجًا لهذا في قضية حرق معاذ الكساسبة، إلا أن هذه القدسية والنصوصية تخفي جانبًا أعمق من تعامل داعش مع التراث، فالتراث بالنسبة لداعش هو عباءة تخفي – بل وتشرعن– الأفعال البراجماتية التي يتم اتخاذها من قبيل التنظيم، إن هذا النموذج الكامن يمكننا أن نلمحه جليًّا ظاهرًا فى قضية ذبح المصريين المسيحيين المختطفين في ليبيا.

ففي نهاية فيديو الإعدام يتحدث قائد الوحدة التي قامت بالعملية، مشيرًا إلى البحر – كناية عن روما– بأن الهدف النهائي هو “فتح” روما، مستندًا إلى أحد الأحاديث النبوية التي تتحدث عن فتح روما والقسطنطينية، وهو ما يكشف لنا عن مفهوم داعش عن الإسلام وغايته، فالحديث هنا هو عن فتح وتوسع عسكري محض، لا عن دخول الإسلام كدين لروما وربما اعتناق أهلها له، فلا أحد سوف يدخل في دين يقول له أنه قد جاء “بالسيف رحمة للعالمين” ثم يعقب ذلك بمشهد ذبح وقطع رقاب أكثر من عشرين شخصًا لا يعلم أحد أي جرم اقترفوه كي يستحقوا هذه الميتة البشعة.

إن داعش تتعامل بمنطق الدولة القومية الحديثة بعد أن تمت أسلمتها، فهي تضع أهدافـًا استراتيجية لبقائها، مثل ضمان الاستقلال المالي والمخزون الاستراتيجي للسلاح… إلخ، ثم تقوم بكل ما يمكن أن تقوم به من أجل تحقيق هذه الأهداف، حتى ولو كان ذلك على حساب تنظيمات وجماعات قامت بمحاربة نظام الأسد وأبلت بلاءً يشهد له الجميع – أحرار الشام نموذجًا-، فبقاء الدولة واستمرارها هو الهدف الرئيس وهو غاية الغايات، كما أن الخروج على الدولة هو مساو تمامًا للردة والكفر، ثم تأتي الأدلة الشرعية لكي تثبت ما تم إقراره مسبقـًا بأن الخروج على “الخليفة” مؤدٍ للردة ومن ثم القتل.

إن هذه الدولة المستحيلة – بتعبير وائل الحلاق– تتبدى بشكل نموذجي في قضية مثل البناء الحضاري، فأي نموذج يدعي نسبته للإسلام يفترض مسبقـًا أنه سوف يقدم نموذجًا جديدًا للحضارة وبنائها، ونموذجًا مثل داعش يرى نفسه في مفاصلة تامة مع الحضارة الغربية من المفترض فيه أن يقدم – أيضًا– نموذجًا حضاريًّا بديلاً.

إلا أن ما قامت داعش بتقديمه لم يكن إلا تكرارًا للنموذج الغربي في نسخته الاستعمارية، فمشاهد الذبح وقطع الرؤوس والتهجير وخلافه هي تكرار لما فعله الرجل الأوروبى الأبيض الذي كان أيضًا يشرعن لأفعاله بأقوال دينية بيوريتانية تارة، وحجج حداثية من قبيل عبء الرجل الأبيض تارة أخرى.

إن هذا الفشل في تقديم بديل حضاري حقيقي يتبدى فى عدد من القضايا نذكر منها ثلاثـًا فيما يلي:

 

أولاً: قضية التعليم:

فالخلافة الداعشية قد اعتبرت أن المشكلة في التعليم تكمن فقط فيما يتم تناوله من “مناهج” ومن ثم فإن الحل يكمن فقط في تنقية هذه المناهج من “الشركيات” وربما كتابة مناهج جديدة، متجاهلاً تمامًا إشكالية المدرسة وارتباط التعليم بالدولة، وكيف أن التعليم كوظيفة كان دائمًا من وظائف المجتمع – بالأساس – لا ” الدولة ” في الخبرة التاريخية الإسلامية.

ثانيًا: قضية “تطبيق الشريعة”:

فلقد كان أحد نقاط الاختلاف الأساسية بين داعش وغيرها من التنظيمات الجهادية ذات التوجه الإسلامي هو سياسة داعش في فرض رؤيتها لتطبيق الشريعة على المجتمعات المحلية في سوريا، وهو ما كانت التنظيمات الأخرى تجد أنه لا يصلح، بل يجب أن يؤخذ الناس بالتدريج ومحاولات الإقناع لكي يتقبلوا مسألة تطبيق الأحكام وغيرها، لنجد هنا أن مفهوم داعش ينبني حقيقة على مفهوم الدولة القومية الحديثة، التي ترى أن قانونها هو القانون الحتمي التطبيق بغض النظر عن المجتمع ورضائه فضلاً عن مشاركته.

وكأن الشريعة هي مجرد مواد قانونية تنفذها الدولة بتسلطها وجبروتها على المجتمع، وليس مرجعية تسرى في المجتمع ككل في كافة تعاملاته ، سواء أكانت هذه التعاملات مع الدولة أم لا، سواء أكانت الدولة موجودة أم لا، وهو التصور الذي يسري في الخبرة الإسلامية كما نراه في تراثها.

ثالثـًا: قضية “الأمة”:

إن الأمة الإسلامية في مفهوم داعش، كما يتبدى ذلك في تعامله مع الأيزديين والمسيحيين في العراق، هي أمة المسلمين، أي أنها لا تضم سوى المسلمين وفقط، وهو تصور يتطابق تمامًا مع تعريف الدولة القومية الحديثة للأمة/ الشعب، والذي يتكون من مجموعة من البشر متجانسين عرقيـًّا وثقافيًّا ولغويًّا، إن هذا التصور الواحدي للأمة لا يؤثر فيه كثيرًا كون العامل الموحد هو دين المنتمين لهذه الأمة وليس عرقهم، بل هو يعد مجرد تنويعة على التعريف الأصلي للدولة القومية الحديثة.

وهو ما يعد خلافـًا كبيرًا مع تعريف الأمة في النموذج الإسلامي – كما يضعه الدكتور ابراهيم البيومي غانم – وهو “جماعة من البشر متعددة الانتماءات الثقافية والعرقية والدينية” حيث تكمن “إسلامية” الأمة في مرجعية الإسلام، ليس فقط لغالبية تعدادها ديانة ولكن لكل مكوناتها حضارة وثقافة، فتشمل الأمة بذلك كل المسلمين في كافة أنحاء الأرض، كما تشمل كل غير المسلمين القاطنين في البلاد الإسلامية، ولا يتحقق مفهوم الأمة بغير هذه المكونات المسلمة وغير المسلمة على السواء.

الإلحاد والتشكك في الدين:

يقف في الطرف المقابل الرؤية المشككة في الدين – وذروتها الإلحاد – في التعامل مع التراث عند حدوث أية قضية جديدة في مسالة داعش وما شابهها، فعند كل قضية يتم وضع التراث موضع الاتهام، فإذا تم تهجير الأيزديين فالسبب هو التراث الذي يبيح تهجير البشر، وإذا تم حرق معاذ الكساسبة فالسبب هو التراث الذي يبيح حرق الأشخاص إلخ، والحجة دائمًا جاهزة “اكتب في جوجل قتل النصاري وسوف تجد مئات الفتاوى” كما عبر أحدهم بعد واقعة قتل المصريين المسيحيين في ليبيا، إن هذا التعامل مع التراث يشوبه عدة إشكالات مركبة:

فأولاً:

هو يتعامل مع التراث باعتباره كلاً واحدًا، أي أن التراث هو عبارة عن مجرد نصوص متساوية القيمة والدلالة، ومن ثم فإن الحكم على أحدها هو حكم على مجمل التراث.

ثانيًا:

في كثير من الأحيان يتم الخلط في مفهوم التراث حين تعامل هذه الفئة معه، بحيث يتم إلحاق القرآن والسنة بالتراث ومفهومه، ومن ثم تنسحب الأحكام على التراث على القرآن والسنة ومن ثم الإسلام كدين وعقيدة.

ثالثـًا:

التناول السطحي لقضية تأثر الأفراد بالأفكار والمعتقدات، فالسؤال الحقيقي لا يتعلق بهل هناك آراء في التراث المكتوب تبيح ما تفعله داعش أم لا، ولكن السؤال هو لماذا يبحث هؤلاء من الأصل عن رأي يبيح لهم حرق إنسان أو غيره من الأفعال، ولماذا يبحث هذا الانسان دون غيره عن مثل هذه الآراء، ففي النهاية فإن هذه الآراء متاحة للجميع ولكن فئة بعينها هي التي تبحث عنها وليس كل المسلمين.

رابعًا:

الانتقائية في التعامل مع التراث الإسلامي، فعندما تقتل أمريكا ملايين الأشخاص عبر قرن كامل من الحروب فإننا نقول إن المجرم هو أمريكا وليست الليبرالية وعندما يقوم الاتحاد السوفييتي بقتل وتهجير الملايين فإننا نقول إن المجرم هو الاتحاد السوفييتي وليس الاشتراكية، أما حينما تقوم داعش بقتل وتهجير الآلاف فإننا نقول إن المشكلة الحقيقية تقع في الإسلام بالتاكيد.

إن هذا التوجه له أيضًا بعد آخر كامن بداخله، فعملية التشكك فى الدين لا تنتظر جريمة هنا أو هناك لكي تثبت موقفها أو تشرع فيه ابتداءً، بل إنها غالبًا ما تبدأ منذ وقت طويل، نتيجة أسباب متعددة يقع الجهل بالتراث ومفهومه في القلب منها، كما تقع – أيضًا– الظروف الاجتماعية والاقتصادية والطبيعة الشخصية والخبرة الحياتية للأفراد والحال العام للمجتمع ضمن هذه الأسباب.

إن هذا البعد يتبدى بشكل نموذجي فى الحكم الذي تصدره هذه الفئة على التراث، فالتراث يجب التخلص منه أو “تنقيته” في أحسن الأحوال، ويعد مفهوم “تنقية” التراث دالاً للغاية على هذا البعد الكامن في هذه الرؤية، فتنقية التراث تعني أن هناك نموذجًا قياسيًّا تتم مراجعة التراث على أساسه، وهو نموذج خارج عن هذا التراث، فالهدف هو صناعة تراث ديني يتوافق مع ما نؤمن نحن بما يجب أن يكون عليه الدين، فنحن نصوغ الدين والتراث بما نؤمن به وليس العكس.

 

الإسلام الوسطي الجميل:

يبدو في المعتاد الموقف الثالث هو الأكثر قربًا للحق بين طرفين على النقيض، إلا أنه في حالتنا هذه فإن الموقف الثالث به أيضًا من العوار ما لا يجب أن نتجاهله، ولكن قبل أن نشرع في هذا يجب أن نوضح أن المنتمين لهذا الموقف ليسوا فئة واحدة، فمنهم الصوفية الطرقيون ومنهم الأزاهرة المعممون ومن علماء السلطان الدولتيون ومنهم التيارات الإسلامية الحركية مثل الإخوان المسلمين.

يبدو الإشكال الرئيس في هذه الرؤية في تعاملها مع التراث أنها وإن كانت تؤمن به ابتداء وتسعى لتجديده انتهاء إلا أنها في الحقيقة لا تفعل سوى إضافة الرتوش على سطحه دون التعامل معه بشكل مباشر ودون الخوض في إشكالاته بشكل حقيقي، وبالطبع فإن لكل نوع من هذه الفئة أسبابه – التي لا مجال لذكرها هنا- ولكن ما يجب التأكيد عليه هو أن التعامل مع التراث بغرض الدفاع عنه ضد انتقاد المبطلين وانحراف الغالين لا يكفي – ليس فقط للدفاع– ولكن أيضًا لاستمداد العون الحضاري من هذا التراث الغني والثري.

ومن ثم فإن تجاهل إشكالات التراث أمر كارثي بحد ذاته، كما أن تعامل بعض أنواع هذه الفئة مع التراث لا يختلف كثيرًا عن تعامل من ينتقدوهم، فحديث بعض علماء السلطان وبعض المتصوفة عن “الدواعش الخوارج” لا يفرق كثيرًا عن حديث داعش عن بيعة الإمام بالواحد أو النفر من أهل الحل والعقد.

إن التعامل المباشر مع نصوص التراث لبيان نماذجه الكامنة والتعرف على إشكالاته الحقيقية ومن ثم محاولة إيجاد حلول لهذه الإشكالات وذلك كله في إطار من التجديد الحضاري لهذا التراث مع إيجاد الطريقة الأنسب لكيفية الاستفادة من المنتجات الحضارية الغربية دون الوقوع في أسر التلفيق، مازال هذا كله أمرًا بعيد المنال عن هذه الرؤية.

 

الخاتمة:

بالرغم مما يبدو أنه تخطئة للجميع، وهو ما يعني بشكل آخر أن المتحدث هو الوحيد الذي على حق، فإننا نريد التأكيد على أننا نرفض هذا، فلا ندعي امتلاكنا للحقيقة المطلقة، وإنما نحن نجتهد في إطار ما بلغنا من علم، وهذا يسري على كافة الأحكام والتحليلات التي أوردناها أعلاه، ومن ثم فإن كان يحق لنا أن ندعي شيئا فإننا ندعي أن هدفنا هو الاجتهاد في فهم التراث من أجل البناء عليه لتجدد حضاري لهذه الأمة نستطيع به ليس فقط تقديم نموذج حضاري جديد، ولكن لتقديم شعلة أمل لهذه الانسانية بأن هناك طريقـًا آخر للعيش المشترك وعمارة الأرض غير الذي تسير فيه الآن، والذي يحمل دمار الأرض في مآلاته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد