“الأنهار والبحيرات الصغيرة وتلك الكبيرة والجداول، كلها تحمل أسماء مختلفة، ولكنها جميعًا تحتوي على الماء. تمامًا مثل الأديان؛ جميعها تحتوي على حقائق”.

-محمد علي كلاي

 

من بين العديد من الأحداث التي عَجّ بها المشهد السياسي العالمي الأسبوع الماضي، استوقفني حَدثان بالغا الأهمية، قد يبدوان مختلفين تمام الاختلاف من الوهلة الأولى، ولكن ربما يَرى البعض، ومن ضمنهم كاتب هذا المقال، نقاط تشابه بينهما.

 

وإذا كان حَدثًا منهما قد تناولته كافة الوسائل الإعلامية على ظهر الأرض تقريبًا ورأت أنه جدير لأن يكون خبرًا وخبرًا رئيسًا كذلك، إلا أن الحَدث الآخر لم يكن بنفس أهمية الحَدث الأول، على الأقل في وسائل الإعلام المحلية والإقليمية بالمنطقة، وبالكاد ذكرته بعض المواقع والإذاعات الإخبارية الناطقة باللغة العربية.

 

الحَدث الأوّل يتعلّق بمقتل الصحفي الأمريكي “جيمس فولي” على أيدي أفراد من تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، أو ما يُسمّون بتنظيم “داعش”، وذلك في مقطع فيديو انتشر على صفحات المواقع الاجتماعية المختلفة على الإنترنت، يَظهر فيه ملثّمون يتحدثون على الأرجح بلكنة بريطانية واضحة، وهم يَتلون بيانًا يُحمّلون فيه الإدارة الأمريكية والغارات الجوية الأمريكية على مقاتلي التنظيم في العراق مسؤولية مقتل “فولي”، قبل ذَبح أحد الملثّمين للأخير الجالس على ركبتيه والمُرتدي لبدلة برتقالية اللون، في مشهد مريع تقشعر له الأبدان!

 

ولا تُعدّ عملية “ذبح” الصحفي “فولي” شيئًا غير مألوف لتنظيم داعش وجنوده؛ حيث سبق وأن قام التنظيم ذاته بقتل 80 فردًا من الأقلية اليزيدية في قرية بشمال العراق في منتصف أغسطس الجاري، بعدما خيّروهم بين اعتناق الإسلام أو القتل، ناهيك عن أسر المئات من النساء اليزيديين بغرض تزويجهن من صغار المجاهدين، ونَشر العديد من الفيديوهات لأسرى التنظيم من الرجال أثناء قطع رؤوسهم ببشاعة، وذلك وفقًا للعديد من التقارير الصحفية.

 

في المُجمل، وبجميع المقاييس، يمكن القول إن وسائل الإعلام العالمية والمحلية والإقليمية قد أولت اهتمامًا متزايدًا بمقتل الصحفي “فولي”، حتى إن كُبرى الصحف العالمية شأن الجارديان ونيويورك تايمز و وول ستريت جورنال، بالإضافة إلى شبكة CNN الإخبارية وغيرها من وسائل الإعلام المطبوعة والمرئية، قد تصدّر خبر إعدام “فولي” أجندتها الصحفية.

 

أما عن الخبر الثاني الذي بالكاد ذكرته بعض المواقع الإخبارية بالشرق الأوسط، فيتعلّق بتصريح أشهر مُلحدي العالم، وهو عَالِم الأحياء البريطاني بجامعة أكسفورد “ريتشارد دوكينز”، والذي رأى فيه أنه من غير الأخلاقي السماح بإنجاب أطفال مصابين بمتلازمة داون؛ داعيًا الأهل إلى إجهاض هذا الجنين والمحاولة مرة أخرى، وذلك في رسالة نَشرها على حسابه الشخصي بموقع تويتر.

 

“دوكينز” لمَن لا يَعرفه، هو واحد من أكثر العلماء إثارة للجدل في الآونة الأخيرة؛ ويَرى دائمًا أن الأديان هي أصل لكل الشرور في هذا العالم، وله إسهاماته العلمية العديدة في مجال الوراثة منها كتابه “الجين الأناني” في عام 1976، والذي يصحّح فيه ما وصفه بـ “سوء الفهم الداروينية”، ثم كتابه الأشهر على الإطلاق “وَهم الإله” في عام 2006، والذي تُرجم لأكثر من 30 لغة، وفيه يَنفي وجود أي خالق غيبي مع الذهاب إلى أن الإيمان في حد ذاته ما هو إلا وهم وضلال.

 

كما أنشأ “دوكينز” كذلك “مؤسسة ريتشارد دوكينز للمنطق والعلوم” إيمانًا منه بدور العلم والعلوم على ما عداها من الإيمان بالأديان أو الغيبيات. وفي هذه المؤسّسة سالفة الذكر، يشجّع “دوكينز” الملحدين الآخرين في جميع أنحاء العالم على الظهور والإعلان عن اعتقاداتهم بكل حرية.

 

وعلى الرغم من أن تدوينة “دوكينز” قد أثارت لغطًا كبيرًا دفعته إلى الاعتذار جزئيًّا بقوله: “إنني آسف بشدّة إذا ما كنت قد جرحت أحدًا بهذا الرأي العقلاني”، مضيفًا أن آراءه لم تكن هي الخاطئة، ولكن على العكس من ذلك، ميل العامة المستهتر والطائش نحو سوء الفهم، هو من يجب أن نلقي باللائمة عليه!

 

“دوكينز” مثله مثل تنظيم داعش، الاثنان يسبّبان لغطًا كبيرًا بأفعالهما المشينة؛ فالأول يستخدم العقل والمنطق ستارًا لمهاجمة الأديان جميعها علانية؛ فهو يراها أصلاً متجذّرًا لكل الشرور، كما أنه يستمد منطقه المزعوم من أفعال أُناس مثل تنظيم القاعدة وداعش وغيرهما. وفي مقابلة له العام الماضي مع الجزيرة الناطقة باللغة الإنجليزية.

 

يقول “دوكينز”: “إن الإله يخبرك بأن تفعل شيئًا فظيعًا مثل التفجيرات الانتحارية وتفجير طائرات في ناطحات سحاب… هناك مؤمنون يفعلون أشياءً فظيعة معتقدين أنهم صالحون، وأنهم يفعلون ما يأمرهم الله به. وأنا لا أعتقد بأنهم أشرار؛ هم في الحقيقة يعتبرون أنفسهم صالحين؛ هم يعتقدون أنهم يقومون بأعمال صالحة، ولهذا السبب الدين شرير، لأنه يجعلك تقوم بأعمال مشينة تظن أنها جيدة”.

 

“دوكينز” أيضًا كتب في مقالة له بعد مرور أربعة أيام على أحداث 11 سبتمبر، إن “السبب هو الدين”، كما أن هذا الرأي هو نفسه الذي يعتنقه العديد من الأشخاص الآخرين حول العالم، حتى إنهم يتسائلون: هل سوف يكون هناك عنف وحروب ومآسي عديدة إذا لم تَكن هناك أديان؟!

 

وفي المقابل، ينحصر منطق تنظيم داعش وعناصره في الإتيان بمثل هذه الأفعال التي لا تمُت للدين الإسلامي المتسامح في شيء، مع العلم أن السبب فيما يَحدث على الساحة بمنطقة الشرق الأوسط من حروب وصراعات وتدخلات أجنبية وهيمنة إسرائيلية وتدني مستويات المعيشة ببعض البلدان بالمنطقة وغيرها، يرجع إلى الابتعاد عن الأديان، أو تحديدًا الابتعاد عن الدين الإسلامي، علمًا بأنه إذا تمسّكت الشعوب الإسلامية بأهداب “دينهم الذي يدعون إليه” فإنه لا محالة سيكون الحلّ لكل داء وعلّة ألمّت بالأمة الإسلامية!

 

تنظيم داعش بفكره “المنحرف” عن الدين الإسلامي، لا يحارب فقط الأديان الأخرى بالمنطقة، وهو ما ظَهر جليًّا مع تهجير المسيحيين في العراق ومهاجمة الأقلية اليزيدية، وإنما يحارب أيضًا هؤلاء المحسوبين على الدين الإسلامي – من وجهة نظرهم- سواء كانوا شيعة أو سُنة، فمثل هؤلاء يُفضّل تكفيرهم وإبادتهم لإراحة العالم من شرورهم وتعاطفهم مع أعداء الأمة!

 

تنظيم داعش و”دوكينز” يحارب الأديان الأخرى بطريقته الخاصة، وكلاهما يمدّ الآخر بالسبب وراء حرب هذا أو ذاك للأديان. ولكن، كليهما أيضًا يتغاضى عن حقيقة أن الأديان بريئة مما يدعون إليه من فكر ومعتقدات؛ فالمسيح عليه السلام قال مقولته الشهيرة “جئت لأخلّص العالم”، في حين قال الرسول الكريم محمد: “إن الله أرسلني للناس كافة، وأرسلني رحمة للعالمين”.

 

وغاب عن “دوكينز” الذي ينادي بالتحرّر من عبودية الأديان، أن الرسول الكريم محمد بن عبد الله قد فتح ذراعيه إلى أبعد الحدود في مسألة حقوق العقل، حتى إذا ما ذهب إليه بعض الصحابة يشكون إليه أنفسهم ويبثونه مخاوفهم من الشكوك في وجود الله، فإذا به يجيبهم منفرجة أساريره: “هل وجدتموه؟ – يعني الشك-“، فيقولون في آسى: نعم، فيجيبهم في بشر: “الحمد لله، هذا مَحض الإيمان”، ويتماشى ذلك أيضًا مع حقيقة أن أول آية نزلت من القرآن كانت “اقرأ” بمفهومها الواسع الذي يتضمّن معاني التدبّر والإمعان في التفكير في الأمور المختلفة.

 

كما غاب عن تنظيم داعش كذلك المبدأ الذي أوحاه الله إلى عبده ورسوله: “لا إكراه في الدين، قد تبيّن الرُشد من الغيّ”. كما تغافلوا عن ربط النبي الأمي الإيمان بالحب عندما قال: “والذي نفسي بيده، لا تؤمنوا حتى تحابوا… ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم”.

 

وهناك الآلاف بل الملايين من البشر حول العالم الذين يرفعون راية الحرب على الأديان بوصفها سببًا من أسباب تخلّف الأمم وتراجعها، ولكن، في حقيقة الأمر، تُعد مثل هذه المعتقدات والأفعال دليلاً على العنصرية وعدم تقبّل الآخر، وهو عكس تمامًا ما تُنادي به الأديان التي إنما وُجدت لنشر السلام بالعالم. ولكن، للأسف الشديد، أكثر الناس لا يعلمون!

وفي النهاية، أؤمن تمامًا بما قاله “دوكينز” نفسه عن الجهل والجاهلين:

 

“أنا أحيانًا أتهم الناس بالجهل، ولكن هذا ليس المُراد به الإهانة؛ فأنا أجهل العديد من الأشياء. إن الجهل أمر يُمكن الشفاء منه بالتعلّم”.

 

نعم، فعلى كل من “داعش” و”دوكينز” الشفاء من مرض الجهل الذي ألمّ بهما، بتعلّم الكثير من الأمور عن الأديان التي يحاربونها حربًا ضروس، وعن شؤون التسامح ونبذ العنصرية وتقبّل الآخر!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد