بين ليلة وضحاها أصبح تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الخطر المرابط على تخوم دول وممالك العرب.

صحيح أنه لم يَرْقَ بعد لتهديد النظم تهديدا مباشرا ينال من وجودها إلا أنه في طريقه لذلك، بقوته وتسليحه وتنظيمه، لذا تأهبت الدول وأعلنت النفير.

ولسنا هنا بصدد دراسة بحثية لهوية داعش وانتماءاتها أو التنقيب في جذورها الجنسية عربية كانت أم أجنبية، صنيعة مخابراتية أم جماعة لها أيديولوجيا توفرت لها أو استطاعت الحصول على أدوات تصل بها لهدفها.

لكن اللافت للنظر، والذي يجب أن يكون محض اهتمامنا كمجتمع عربي؛ هو روافد داعش المتجذرة في المجتمعات العربية والتي تسقيها النظم وتشرف على نموها بعناية ثم تقدمها لداعش على طبق من خيبة الأمل وعدم الشعور بالمسؤولية.

كل يوم يُعلن عن انضمام شباب جديد للتنظيم من مختلف الدول العربية، اللافت للنظر أن عددًا ليس بالقليل منهم لا ينتمي للفكر الإسلامي فضلا عن عدم معرفته بالتاريخ والفكر الجهادي، وفضلا عن المشاريع الإسلامية وتركيبها وتصوراتها وآليات تنفيذها لدى الجماعات التي تتبنى الفكر الإسلامي المعتدل منها أو المتشدد.

ومن العجز أن تخرج النظم بوسائل إعلامها لتهاجم الشباب وتتهمهم بالإرهاب، وذلك يدل بوضوح على جهل النظم في التعامل مع المشكلات المجتمعية التي تطرأ، فتبدأ بالهجوم والسب واللعن وتنتهي بالحل العسكري، وغالبا ما تؤكد الحلول العسكرية والأمنية صحة الأفكار المتطرفة لدى معتنقيها!

فما أسهل أن نطلق مصطلحا فضفاضا كالإرهاب ونهاجمه سواء بالكلمة أو بالطائرة، ثم تظل حرب طواحين الهواء لأجيال دون أن تصل المروحية الملغمة إلى سر دوران المروحية الهوائية، فهي حرب تنتهي بنا في المربع صفر “لا يمكنك أن تفوز، لا يمكنك أن تخسر، لا يمكنك أن تنسحب”.

وقبل أن ندّعي الحكمة ونجلس على كرسي التوجيه لنتشدق بعبارات من قبيل: الفكر لا يواجه إلا بالفكر والمراجعات الفكرية وما إليه؛ يجب أن ننظر بإمعان في أسباب التطرف والإرهاب.

فالتفوق في الطب والتباين بين الأطباء ليس لأن أحدهم درس مناهج أكثر، ولكن دقة أحدهم في التشخيص والوصول لأسباب المرض فيسهل العلاج، فليس أيسر من أن نقول أن فلانًا مريض!

وهنا في الوطن العربي جذور الإرهاب متشعبة وممتدة، وهي واضحة لا تخفى على أحد، لكن القصور في العلاج أدى بالقائمين على الأمر إلى التهوين تارة، والإنكار تارة أخرى.

“لو سار كل شيء على ما يرام؛ فأنت لم تلحظ الخطأ فقط”.

ذكرت بعض الإحصاءات عن تعداد سكان الوطن العربي أن نسبة 70% من السكان من فئة الشباب، وهم بطبيعة الحال مختلفون تمام الاختلاف عن جيل الآباء في ثقافتهم وانفتاحهم على العالم، وبمعرفتهم بالتكنولوجيا الحديثة ووسائل الاتصال، واطلاعهم على العلوم المختلفة سواء سياسية أو اقتصادية، بالإضافة إلى أن هذه النسبة المهولة والثروة البشرية التي يمكن أن تحول مجرى تاريخ الأمة أغلبها يعاني من البطالة والفقر، وذلك ينذر باضطرابات وانفجارات اجتماعية غير متوقعة.

فنتج عن ذلك مشاكل عدة أبسطها العنوسة المنتشرة بين الجنسين، غير الكبت النفسي.

وكذلك الشعور بالدونيّة الذي نتج عن الكبت السياسي الذي تمارسه دول وممالك العرب، وتجفيفها لمنابع الحرية، والجبر على السير في طريق السلطة والتسبيح بحمدها لا أكثر من ذلك، غير انتهاكات حقوق الإنسان والاعتداء عليه وتجريده من إنسانيته تحت وطأة التعذيب وامتهانه، فليلة واحدة في قسم شرطة أقصر الطرق إلى داعش.

يوضح ماكيافيلي خطورة التعامل الأمني مع المواطنين وترهيبهم وإيذائهم المستمر قائلا:

“إن السيطرة على أرواح الرعية عبر عقوبات ومهانة متواصلة وجعلهم على الدوام خائفين تُحدث ضررًا واضحا على الجمهورية أو على الأمير. إن أي نظام مجحف لا يمكن من دون شك أن يستمر طويلا؛ لأن الناس يبدؤون في التفكر في معاناتهم ومن ثمّ يصبحون أكثر شجاعة أمام الأخطار، ويحاولون تجربة أشياء جديدة دون خوف. فمن الضروري عدم إهانة أي شخص وطمأنة الناس ومنح الهدوء والسكينة لأرواحهم”.

إذا أردت أن تقضي على الإرهاب؛ فاضمن للإنسان غذاءه واحفظ عليه كرامته، وامنحه حق الاختلاف معك. اجعله حرًا، ولا تقف بينه وبين إنسانيته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد