ما زالت حصائد السنوات الأربعة التي أعقبت الربيع العربي مستمرة حتى اللحظة. تلك الثورات التي أتت لتخرج كثيرًا من الخبث الكامن في نفوسنا منذ دهر، ذلك الخبث الناتج عن عوامل نفسية وتربوية واجتماعية وقيمية كثيرة.

فظهور كثير من تلك التنظيمات المسلحة إلى الوجود إبان خريف الثورات المضادة، والمحاولات الحثيثة لإجهاض الربيع العربي، كنتيجة طبيعية بعد ثبوت فشل طريقة التغيير السلمي المتدرج، وانتهاج الطرف الآخر لغة القوة وحدها كحل جذري ونهائي لوضع حد فاصل لتلك الدوامة التي تعبث بالمنطقة منذ سنوات.

لكن المثير في الأمر أن السياسة وحدها لم تعد هي المعترك الأوحد في فرض صحة هذه النظرية المقيتة، بل كانت الحياة العادية ميدانًا رئيسيًّا لسلوك ذلك المنهج المقيت الذي يهدم أكثر ما يبني ويسيء أكثر ما يصلح، وذلك هو العدو المتخفي بيننا، الناهش في جسدنا، المعطل لحركتنا نحو تقدم ونهضة شاملة.

فهذه الحركات والتنظيمات لم تكن فقط هي الوسيلة الوحيدة الناتجة عن ذلك المشهد المعقد التي تحياه منطقتنا، بل أضحت جزءًا لا يتجزأ ضمن عدة أجزاء أخرى ذات صور مختلفة، تنامت وترعرعت في ظل تنامي ظاهرة الظلم والقهر والطغيان المتفشية في العرب منذ عقود.

هذه الحركات والتنظيمات وأشهرها داعش باتت تعبر بشكل طبيعي عن مكنون النفس العربية التي عانت في عقود متتابعة من أعاصير الظلم والقهر، في ظل أنظمة استبدادية أدمنت سقي الشعوب مرارة الطغيان حتى بات لها عادة لا تنفك عنها.

لكن أسوأ ما في الأمر، أن تلك التنظيمات لم تكن وحدها هي الصورة الناتجة فحسب، بل سبقها وواكبها ظهور حركات “داعشية” نفسية لدى كثيرين على المستوى الفردي والجماعي والمؤسسي، حركة تغلغلت داخل النفس الإنسانية العربية أدت لتشوهها وخروجها عن طور الحياة السوية المفترضة.

إن أشد لحظات النفس الإنسانية ضعفًا، تلك الشاهدة على كبتها وقمعها والتقليل من شأنها، لحظات تتحول في كثير من الأحيان لنقطة فاصلة في كينونتها وتكوينها، تتحول معها لوحش كاسر يلتهم ما حوله ومن حوله مدمرًا ما تطوله يداه بدعوى الانتقام دون رادع، أو يتحول معه المرء لعالة على من حوله وما حوله لا يقيم معوجًا ولا يصلح شأنًا، وليس له من الأمر شيء.

إن أقسى ما تمر به النفس البشرية هي تجارب الخطأ التي تتحول إلى اتهام بالتقصير، وتلبيسٍ بالباطل ما ليس فيها، واتخاذ المقصر “شماعة” تعلق عليها كل الأخطاء دون وازع من ضمير أو رادع من أدب.

لأجل ذلك تعيش مجتماعتنا العربية أزمة ثقافة طاحنة بين الإفراط والتفريط. الإفراط في المديح حد التأليه ووصف الشخص بما ليس فيه؛ رغبة فيما بين يديه أو رهبة من سطوته وسلطانه، وبين التفريط في حقه والتأليب عليه وإبخاس حقه، وسلوك كل سبيل متاح لإضعافه، حسدًا منه أو حقدًا عليه أو هوانًا منه له، وبين المنزلتين حقوق تنتهك وكرامات تذهب طوعًا أو كرهًا، والخاسر الأكبر هي النفس التي تزداد تشوهًا وخسارةً.

هذا التطرف في تبني المواقف بالإضافة إلى هذا الكم الهائل من الكبت وتكميم الأفواه، أفرز جيلًا لا يؤمن إلا بلغة القوة وحدها كحل للتغيير، ولا يتوقف الأمر عنذ ذلك فحسب، بل يتعداه ليصبح منهجًا يتخذه أكثرنا في حياته العادية، فضلًا عن مواقفه السياسية، وذلك بيت القصيد ومرد السوء كله في مسار نهضة أي أمة تريد صنع حضارة أو مجد.

إن العامل في عمله ورب البيت في منزله والموظف في مؤسسته، يتعرضون يوميًّا لكميات مختلفة من التهميش والإحباط والتسفيه حد السخرية، كفيلة بتشويه نفسٍ خلقها بارئها سوية غضة طرية. وليس أشد على نسيج أي مجتمع من اهتراء لبناته المتمثلة في أفراده، ليسقط هذا المجتمع متخلفًا عن ركب التقدم بين الأمم.

إن النفس البشرية جبلت على الاختيار لا الجبر، وهو ما اتسق مع جوهر الرسالات المتتابعة، وبهذا توالت ألسنة المصلحين من الأولين والآخرين في التعبير عن تلك الحقيقة المهمة في تاريخ النفس البشرية. إيمانًا منهم بأهميته في صلاحها واستقامتها دون خلل. وانعكاس ذلك على الجماعة البشرية من العطب.
ولذلك كان من أهم العلل التي أصابت نسيجنا الاجتماعي والفكري والحركي، بل والمجتمعي على الجملة، تطرف كثيرين في فرض آرائهم ومنهجهم عنوة على غيرهم، الأمر الذي انعكس في نمطية التفكير وابتداع الحيل المناهضة لذلك سلبًا وإيجابًا.

إن ما يحدث في معتركاتنا السياسية العربية هي صورة مكبرة عن صور مصغرة تنتشر كالطاعون في أمتنا، فتفعل به ما لا يقدر على فعله ألف جيش غازي، والعدو الخفي المتربص أشد على الجسد من العدو الظاهر الواضح.

داعش التي تحيا بين أظهرنا الآن ليست هي بيت القصيد، ولا آخر المشوار، فبيننا ألف داعشي، وداعش تتوغل بيننا وتفسد علينا مسيرنا نحو نهضة شاملة عادلة لمجتماعتنا التي ركبها هوان الذل منذ أمد، وما داعش الحرب إلا انعكاس لحالة داعش النفس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد