عندما تمس السلطة السياسية الحاكمة قيم ومبادئ ومستقبل أي مجتمع من المجتمعات في العالم وتنتهك حقوق الإنسان فيه، سواء كان ذلك في بلدٍ إسلاميٍ أم غير إسلامي؛ فإن النتيجة المنتظرة هي الثورة، سلمية أو مسلحة ويرجع ذلك إلى مبادئ النظام السياسي الحاكم وطريقة تعامله مع الحدث، فإذا كان النظام السياسي نظامًا استبداديًا شموليًا فإن سقوطه لا يمكن أن يكون إلا بالقوة العسكرية، أما إذا كان نظامًا ديمقراطيًا فًستُترك السلطة بالطريقة الشعبية الديمقراطية.

عاش المجتمعان العراقي والسوري وما يزالان تحت أنظمة وسياسات مستبدة متسلطة عارضت قيم ومبادئ المجتمع وقمعت بوحشية المطالبة بالحقوق والحريات؛ مما أدى إلى ما يسمى “بتسرب السلطة” بيد جماعات وقوى اجتماعية وسياسية داخل المجتمع، وبذلك انتهى عقد الدولة الاجتماعي الذي يُشرعن إدارة الدولة وممارسة السلطة داخل المجتمع.

بعد انفراط عقد الدولة الاجتماعي خرجت فكرة الثورات العربية والتي من ضمنها العراق وسوريا اللتان دخلتا أول مرحلة من مراحل التحول من النظم الشمولية والسياسات الاستبدادية نحو النظم الديمقراطية، فاستغلت القوى الإقليمية والدولية حالة عدم الاستقرار والفراغ السياسي الذي يواكب عادةً عملية التحول تلك، فبدأت تأقلم سياساتها وأهدافها بما ينسجم مع الحالة السياسية الوليدة وبعيدًا عن مصالح الشعوب وحقوقها.

إن حالة تسرب السلطة أنشأت جماعات ثورية ذات طابع وطني إسلامي تقاتل من أجل الحقوق المغيبة وخاصة في المناطق السنية من العراق وسوريا، وهذه الجماعات الثورية تتعارض أهدافها ومطالبها مع جميع المصالح والأهداف الإقليمية والدولية في المنطقة، كما وتشكل تهديدًا حقيقيًا لمصالحها الاستراتيجية.

من هنا وبنظرة استراتيجية، انطلقت فكرة “داعش” تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام غير المرغوب به لا داخليًا، ولا إقليميًا، ولا دوليًا لينسجم مع مصالح القوى الإقليمية والدولية ومع جميع الحلول التي ستطرح لاحقًا عندما تنتهي المساومات على المنطقة ونفطها؛ لذا فإن داعش تُشكل مشروعًا وحلفًا لمصالح وأهداف مشتركة إقليمية ودولية.

أما المشروع الإقليمي فيتمثل في مصلحة إيرانية – سورية من جهة، وإسرائيلية من جهة أخرى. فإيران وسوريا تطمحان إلى تحويل مسار الثورة السورية والعراقية من ثورة لانتزاع الحقوق والحريات إلى مكافحة الإرهاب لتكسب التعاطف الدولي ولإخراجهما من ورطة المواجهة مع الجماعات السنية المتمرسة على حرب العصابات.

كما أن النظام السوري سيحقق هدفه الاستراتيجي وهو الاستمرار والبقاء، فقد ساهم النظام سوري بصناعة جبهة النصرة، كما ساهم بصناعة تنظيم الدولة “داعش” في توقيت حرج من تاريخ الثورة السورية بعد أن كانت الثورة السورية قاب قوسين أو أدنى من أن تلقى الدعم المسلح لإنهاء النظام.

فكان التأخر والدعم المحدود بعد ذلك بحجة الخوف من أن تصل الأسلحة إلى الجماعات التكفيرية والمتطرفة هذا من جهة، من جهة أخرى تسعى إسرائيل إلى تحويل دول المنطقة إلى كيانات شبيهة بالكيان الصهيوني مكونة من كيانات عرقية وطائفية ودينية متصارعة فيما بينها، ولتبقى إسرائيل الكيان الديني الأقوى في المنطقة لعقود جديدة، فتطرف داعش وقتالها وطردها للعرقيات والطوائف التي حولها هي بمثابة دعوة لجميع الأطياف للتطرف.

أما دوليًا، فإن القوى الغربية وبزعامة الولايات المتحدة لا يرغبون لتلك الشعوب الحصول على حقوقهم وحرياتهم وتحقيق الاستقرار لدولهم؛ خوفًا من التحكم بمصادر الطاقة وطرقها، وخوفًا على أمن إسرائيل، كما أن الولايات المتحدة عادت إلى المنطقة من جديد بعد أن تقلص الوجود الأمريكي بعد أن خسرت أنظمة موالية لها.

إن هذا الكلام لا يعني أن جميع عناصر تنظيم الدولة الإسلامية هم عناصر استخباراتية عربية ودولية وممن يتم التحكم بهم إقليميًا ودوليًا، وإنما العديد من العناصر غير القيادية هم جهاديون حقيقيون أو مواطنون عاديون دفعهم الظلم الواقع عليهم للانضمام إلى هكذا تنظيم متطرف يمتلك المال والسلاح وله مشروع غير واضح وأهداف غير قابلة للقياس وغير محددة بتوقيت كرد الكرامة إلى أهل السنة ونبذ الظلم ومواجهة دول الكفر.

أخيرًا، يمكن القول إن تنظيم الدولة الإسلامية ما هو إلا تنظيم مخابراتي إقليمي دولي، أنشأ من أجل خلق مشكلة في المنطقة، وكشكل من أشكال العمل المضاد للثورات العربية وحقوقها، هذا التنظيم مرفوض داخليًا وإقليميًا ودوليًا صنع وأوجد في المنطقة كعقبة ومشكلة لحرف مسار الثورات، وذلك بعد أن بدأت الأحداث تسير باتجاه لا يخدم المصالح الإقليمية والدولية.

وبذلك ستتطلب المشكلة حلًا من هذه القوى المؤثرة على الساحة ويكون مقبولًا إقليميًا ودوليًا، ويكون بمثابة طوق النجاة للمجتمع العراقي والسوري بعد أن وصلا إلى مرحلة القبول بأي حل وبأي ثمن للتخلص من حالة عدم الاستقرار والصراع على السلطة بين تيارات متناقضة وبعيدًا عن حقوقهما المشروعة، والذي كلفهما ملايين من النازحين وعشرات الألوف من القتلى والبنى التحتية المدمرة وبعيدًاعن مشروع دولة داعش الفوضوي الفاشل الذي فشل في أبسط مقومات استمراريته وهي عدم استيعاب الأقليات، وعدم تطمين الخارج، وأزمة الشرعية وأزمة الفكر والسلوك المنحرف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد