لا ريب أن “فيلم” [عودة الدينار الذهبي] الذي أنتجه تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) بلغ من الإبداع الفني والقوة البصرية ما لم يُعهد على غيرها من التنظيمات العربية كعادة إصدارات تنظيم “الدولة”، ولعله أقوى ما سبق، وتأثيره نابع من هذا بلا شك، فقوة مادته العلمية جديدة في العرض قديمة في المحتوى، إذ هي مطروحة مبذولة معروفة مشهورة للاقتصاديين، كُتبت فيها أبحاث وروايات وأفلام.

 

والحقيقة أن القيمة – غير الشكلية – التي تُميز “الفيلم” هي تحول تنظيم “الدولة” – منذ فترة زمنية – للتعامل بـ “الدينار الذهبي” المعروف بـ “الدينار الإسلامي”، لكن هذا التحول يشوبه عدة حقائق اقتصادية في غاية الأهمية لم يتعرض لها “الفيلم” من قريب ولا من بعيد، تتلخص في الآتي:

 

(1) تجربة إصدار الدينار الذهبي في العصر الحديث قديمة، وأول من قام بها هو الدكتور عمر إبراهيم فاديلو مؤسس منظمة المرابطين الدولية عام 1983م في جنوب أفريقيا ، وقد أسس دار لصكها تحت اسم (دار صك العملات الإسلامية) وصدر عنها أول دينار ذهبي عام 1992م بوزن يُعادل 4.25 جرامات من الذهب عيار 22، لتصير هي العملة المُعتد بها في التعامل التجاري بين أعضاء المنظمة المذكورة.

 

ولم يلبث فاديلو أن أسس شركة الدينار الإلكتروني، وأصدر ما يُسمى بالدينار الذهبي الإلكتروني عام 1997م، الذي استُخدم في شبكة إلكترونية شملت نحو 25 سوقًا تجاريًا يتم التمويل فيها من خلال قروض إلكترونية بالدينار الذهبي وفقًا لأحكام الشريعة الإسلامية، ووصل حجم التعاملات الإلكترونية بالدينار الذهبي لما يوازي أربعة أطنان من الذهب شملت في السنوات الأولى لإصداره نحو 600 ألف مستفيد، بمعدل نمو 10% شهريًا.

 

ثم تلا ذلك تبني العبقري الدكتور مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا للفكرة عام 2001م، معلنًا أن ماليزيا ستستخدم الدينار الذهبي في مجال تجارتها الخارجية بدلًا عن الدولار الأمريكي، وبالفعل استطاعت بمساعدته تجنب بعض الانهيارات في النظام النقدي العالمي حتى أُجبرت على إعادة حساباتها بسبب الضغوط الدولية بعد الأزمة الاقتصادية التي حدثت في نهاية عام 2008م.

 

(2) العلاقة العكسية بين أسعار الذهب والدولار لم تعد لها أهمية كبيرة بعد زوال نظام بريتون وودز النقدي الذي كان يعتبر الدولار بمثابة الوسيط بين السلع والذهب وأداة التبديل الوحيدة بالذهب، وكانت الأوقية الواحدة من الذهب تُقابل بـ 35 دولارًا.

 

ثم سقط هذا النظام النقدي في أوائل السبعينات حين ألغاه الرئيس الأمريكي نيكسون بإرادة منفردة بعد الأزمة العالمية 1968م فيما عُرف بصدمة نيكسون Nixon shock، وأصبح الدولار في حد ذاته هو قاعدة النقد، حيث تم إلغاء الارتكاز إلى قاعدة الصرف بالذهب.

 

وهو ما أدى لهيمنة الدولار وتحكمه في أسعار السلع لعقود، لاسيما أسعار السلع الحيوية على مستوى العالم كالبترول والذهب وغيره من المعادن وأكثر الخدمات البحرية، ولم تنجح شتى محاولات كسر هذه الهيمنة، حيث لم تسمح بها الولايات المتحدة حتى قيل أن أحد أهم أسباب حرب العراق شروع صدام حُسين في بيع بترول بلاده بسلة عملات في محاولة للتحرر من سطوة الدولار.

 

فالولايات المتحدة بما لديها من قوة تمارس القهر والإجبار لئلا يتغير وضع النظام النقدي، وقد اعترف “الفيلم” ببعض هذا، حين ذكر بأن الدول الطاغوتية تستفيد من وجود البنكنوت، ولكنها تخزن الذهب وتنتظر التغير المثير (انهيار القوة الأمريكية)، وسماع هذا الكلام بتدبر وعقلانية وشيء يسير من القراءة الاقتصادية يجعلنا نُدرك أن هذا الانهيار لن يتأتى إلا كانت هناك قوة عسكرية وصناعية تستطيع مجابهة هذه القوة الأمريكية.

 

فالأمر أشبه بمشهد بلطجي يُحكم قبضته على حارة، فأخذ ذهبهم وأجبرهم على التعامل بالخرز أو حتى الخزف الذي يصنعه هو وحده، وبه يشتري أملاكهم وثرواتهم، بل ومجهودهم، فهل المشكلة تكمن في فكرة تجنب الخرز أو الخزف، إطلاقًا!

 

بل المشكلة الحقيقية تكمن في “القدرة” على مواجهة قوته وتجبره وتسلطه، وهذا بلا شك تبسيط شديد لصورة النظام العالمي، وإلا فإن الأمر معقد جدًا، فالنظام المالي العالمي فضلًا عن أنه محمي بالقوة العسكرية والاقتصادية والأمنية (المخابراتية)، فإنه قد ترتبت عليه أوضاع ونشأت حوله شبكات مصالح متعددة ومتداخلة بشكل يجعل كسرها عملية لا يسبق فيها جانب على جانب، وهذه الشبكات صارت محكومة بمنظمات عالمية وشركات عملاقة عابرة للقارات تتحكم في شروط ومعايير الجودة وتقييم السلوك المنفرد للدول والأنظمة والهيئات، وأمور أخرى لا محل لبسطها هنا.

 

(3) نجاح فكرة الدينار الذهبي وتأثيره على الدولار الأمريكي أو اليورو الأوروبي أو أي عملة أخرى لا يعتمد على المعاملات المحلية بحال من الأحوال، بل على فرضه في المعاملات الخارجية من قبل الدول أو الشركات العالمية عابرة القارات التي تُسيطر على التجارة العالمية أو من خلال سوق عربية أو إسلامية ضخمة مشتركة أو حتى في السوق العالمية السوداء لتجارة السلاح وغسيل الأموال.

 

فالتحول العالمي للدولار، وقبول الأنظمة العالمية له رغم رفع غطاء الذهب عنه لم يكن ليتم قبل إقرار هذه الأنظمة بأن الدولار هو عملة موثوقة وقوية ومعبرة عن مخزون ضخم حقيقي وفعلي من الذهب الذي تراكم في الولايات المتحدة بفعل قوتها الصناعية والعسكرية وبفعل حُسن سياستها في بيع المنتجات وقت الحرب مقابل الذهب، أي أن القوة الصناعية والعسكرية، ثم قوة السياسة، هي التي منحت الدولار قيمته التي اضطرت باقي العملات أن تستسلم له، وبعبارة أخرى أوضح: لو لم تكن أمريكا متفوقة على مستوى القوة لما استطاعت بحال خزن الذهب عندها وإخضاع الجميع للتعامل بعملتها.

 

وبهذه القوة الحقيقية (القوة العسكرية والصناعية) صدم نيكسون العالم حين قال له: لا غطاء ذهبي للدولار، وعليكم أن تتعاملوا به!! ولم يكن ليفعل هذا، ثم لم يكن لأحد أن يقبل بهذا، لولا القوة الحقيقية (الصناعية والعسكرية) الأمريكية، إذ ما لأحد بها طاقة، وبهذه القوة الحقيقية أيضًا (القوة العسكرية والصناعية) أجبرت أمريكا دول النفط – وعلى رأسها دول الخليج العربي – كما أجبرت باقي الدول على أن تستعمل الدولار لبيع وشراء منتجاتها وكنوزها وثرواتها به.

 

فهل مجرد طبع عملة ذهبية أو فضية يقضي على سيطرة الدولار؟

لو كان الأمر هكذا فما أهون هذا وما أيسره، وساعتها سنرمي بالغباء كل عدو واجه أمريكا منذ الاتحاد السوفيتي الرهيب حتى كوبا النحيلة!

 

ربما يمكن أن نتصور هذا لو كانت الدولة منغلقة على نفسها لديها اكتفاء ذاتي فلن تضطر للتعامل مُطلقا خارج حدودها مع القدرة التامة على حماية نفسها، ساعتها فقط يمكن إهمال الدولار والتعامل بالذهب أو الفضة أو النحاس أو حتى التراب، ووقتها سينهار الدولار، لكن فقط داخل هذه البلد، لأنه لن يسقط عن عرش العالم أبدًا، ما دامت الولايات المتحدة محتفظة بقوتها العسكرية والصناعية والسياسية، لأن هذه القوة هي التي تفرض على العالم التعامل به.

 

ولهذا يجب أن يسعى كل مُخلص إلى المنافسة في مجال القوة الحقيقية (الصناعية والعسكرية) تحت قيد الدولار الذي لا يملك عنه فكاكًا، ثم وبهذه القوة – حين يكتسبها – يُمكنه أن يُحجم من تأثيرات الدولار عليه، برفع قيمة عملته، أو بالدخول في شراكات وتحالفات تجعل مجموعة من الدول تتبادل فيما بينها بعملة أخرى غير الدولار أو تصنع لنفسها عملة موحدة أخرى أو غير هذا من الإجراءات التي تحتاج قوة حقيقية (صناعية وعسكرية) تسندها في محاولة التحرر من الدولار، كما فعلت أوروبا حين أدخلت اليورو في المنافسة النقدية العالمية.

 

ومن هنا نفهم جانبًا من حكمة النبي صلى الله عليه وسلم بإقرار التعامل بعملة المشركين (الفرس والروم) – كما ذكر “الفيلم” نفسه – وأن هذا الوضع لم يتغير إلا حينما صارت الدولة الإسلامية قوة عالمية في عهد عبدالملك بن مروان رحمه الله.

 

ولعل القُراء يتذكرون السؤال الذي طالما طُرح على الشيخ البصير حازم صلاح أبو إسماعيل حين سُئل هل ستجعل دخل قناة السويس بالجنيه المصري؟ فكان رده البسيط: هذا أمر يحتاج دراسة واسعة، لكن هل أجعلها بالجنيه المصري ثم أذهب لكي أشتري الدولار مرة أخرى به.. فماذا استفدنا إذن؟!

 

(4) التعامل بالدينار الذهبي في المعاملات المحلية يحتاج لنظام رقابة صارم جدًا من الدولة، وإلا تحول لوسيلة يُتلاعب بها في أقوات الناس ومعاشهم، لأنه ثمن المبيعات، والأثمان لا تُقصد لأعيانها بل للتوصل بها إلى السلع، وهذا هو مقصود تحريم الربا في الذهب والفضة (الثمنية).

 

كما قال العلامة ابن القيم رحمه الله في (إعلام الموقعين): (فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات، والثمن هو المعيار الذي به يُعرف تقويم الأموال، فيجب أن يكون محدودًا مضبوطًا لا يرتفع ولا ينخفض، إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات، بل الجميع سلع، وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة، وذلك لا يُعرف إلا بسعر تعرف به القيمة، وذلك لا يكون إلا بثمن تُقَّوم به الأشياء ويستمر على حالة واحدة، ولا يُقَّوم هو بغيره، إذ يصير سلعة يرتفع وينخفض، فتفسد معاملات الناس ويقع الخُلف ويشتد الضرر).

 

فالإرادة الاقتصادية والسياسية للتوجه نحو العملة الذهبية لا تكفي لتحقيق النتائج الاقتصادية والسياسية المرجوة من التعامل بهذه العملة، بل يجب أن تدعم هذه الإرادة قوة للنظام خارجية وداخلية، قوة خارجية تستطيع فرض العملة من خلال معاملات تجارية عابرة للحدود، وقوة داخلية تستطيع فرض النظام وحفظ الأمن الاقتصادي في المجتمع بما يضمن عدم طُغيان بعض أفراده أو تلاعبهم في أقواتهم ومعايشهم.

 

(5) وأخيرًا وفي إطار النظرة الوطنية أو المحلية للعملة الذهبية، فإن القيمة (المحلية) الحقيقية لها هي تجنب الأزمات الناتجة عن التضخّم المالي الذي تسببه العملة الورقية، بفقدان النقود لقدرتها الشرائيّة، مما يُفقد المدّخرات النقدية قيمتها، ويجعل الثروة الحقيقية في يد من يُسيطرون على الذهب والأراضي والعقارات.

 

لكن سيتبقى أن هذه العملة ستظل غير كافية لتعامل وطني دون أن تساندها عملات أخرى أقل في القيمة – كفضية أو بلاتينية – تصلح لمبادلة السلع والبضائع زهيدة القيمة كالخضروات أو الفاكهة أو السلع البسيطة اليومية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد