عمار الراوي

79

عمار الراوي

79

كان يوم الجمعة، والمكان حيث يدخل نهر الفرات أراضي العراق، إنها مدينة القائم، الساعة تشير إلى اقتراب وقت الصلاة، لكن على ما يبدو فإن هذا اليوم لن يشهد صلاة جمعة، بل سيشهد تسليم المدينة لداعش بعد معركة استمرت أربعة أيام، بعدها بأيام قليلة سيطر التنظيم على البوكمال السورية، وكان ذلك يعني بداية اسم داعش العملي، حيث امتزجت أراضي الشام بالأراضي العراقية؛ فصح إطلاق الاسم الدولة الاسلامية في العراق والشام.

ماذا كانت تعني داعش لسكان تلك المناطق قبل دخولها بأيام؟

كانت تعني لقسم من سكان المناطق العراقية خلاصًا من سيطرة النظام الشيعي، أو أحيانًا خلاصًا من تسلط الجيش وتدخله في مفاصل الحياة، وأحيانًا كانت تعني تخلصًا من أشخاص بعينهم، وكانت تعني الـ«لا شيء» لقسم آخر، في حين كانت تعني للقسم الواعي والمفكر من أهل هذه المناطق «الدمار الشامل»؛ فهو صراع فكري خالص، أما للشرطة والجيش ولقوات الصحوات فكانت تعني الموت ولا شيء غيره؛ فهو صراع عسكري محض.

للمناطق السورية كانت تعني، وباختصار شديد، الصراع بين الإسلاميين والثورة من جهة، وبين الإسلاميين والإسلاميين من جهة أخرى، فقل هناك اختلاف وجهات النظر حوله نوعًا ما عن اختلافه في العراق، فبينما كانت تسيطر جبهة النصرة والجيش الحر على تلك المناطق، كانت داعش تحاول وتناور للسيطرة عليها بالتزامن مع حركتها في العراق؛ فكان التناظر رهيبًا هنا وهناك.

سيطرة داعش

«سنة العراق يحققون بعض المكاسب في الشرق والغرب» عنوان الخبر الذي نقلته نيويورك تايمز الأمريكية وجاء فيه «أسفر الصراع العنيف في العراق اليوم عن سقوط عدة مدن وبلدات منتشرة في الشرق والغرب، حيث حقق المسلحون السنة مكاسب عديدة بعد سيطرتهم على مدن حدودية».

وأشار الخبر أيضًا إلى أن «السنة يواجهون تحديات كبيرة بعد نشوب صراع بين مجموعتين مسلحتين، حيث نشب صراع بين الدولة الاسلامية في العراق والشام، وبين حلفائها البعثيين أسفر عن مقتل 17 شخصًا في مناطق جنوب كركوك».

كما نقلت نيويورك تايمز عن رئيس الحكومية المحلية في راوة مثنى الراوي قوله: «سقوط مدينتي راوة وعنه يوم السبت جاء بعد انسحاب الجيش والشرطة من مدينة القائم وسقوطها في يد داعش، وظهور الخلايا النائمة التي ملأت الفراغ وأحكمت السيطرة».

بعد أيام من سيطرة التنظيم المسلح ظهر الوجه الفكري للتنظيم الذي تنبأ به بعض علماء المسلمين في العراق وسوريا قبل ذلك، وبدأ التنظيم يفرض أيديولوجياته الفكرية التكفيرية، ثم ظهر سيفه الحاد على أبناء المناطق بدءًا بالشرطة والجيش، ونزولاً إلى العلماء والمفكرين، وأصحاب الرأي والقرار، والمسؤولين الكبار والصغار، ثم شيئًا فشيئًا طالت يده الجميع.

أثار داعش الرعب والهلع، وتوقفت الحياة في معظم المدن، وتغيرت الصورة، وأغلقت المدارس، وأجبرت النساء على ارتداء النقاب، ثم تغيير اللباس كليًا إلى عباءة من نوع خاص تسدل على الجسم، وكان الرجال يساقون إلى المساجد أوقات الصلاة، وانتشر الجلد وقطع الأيدي ورمي الأشخاص من البنايات المرتفعة، تطبيقًا للحدود الشرعية، كما يسمونها، وما كاد يخلو أسبوع من قطع الرؤوس، ويجمع لذلك الناس إكراهًا.

من ناحية أخرى بدأ الهدم للبنى التحتية، وتدمير المدن، مرة بقصف عشوائي لم يستهدف داعش إلا قليلاً، ومرة أخرى تفجير تقوم به عصابات داعش نفسها، وشهود العيان على كل ما سبق بالمئات.

استمرت سيطرة داعش على معظم المدن التي سقطت في يده، ما يقارب الثلاث سنوات، ذاق فيها أهالي تلك المدن الأمرين، ومن نيران متعددة، وانتشرت قصص المآسي والمعاناة، التي لا تكاد تصدقها العقول، وبينما كان البقاء في المدن يمثل قصص رعب وروايات، كان طريق الهروب يمثل أفلام خيالٍ لا تخطر على بال بشر.

فأين داعش بعد كل ذلك؟

«سيطرت القوات العراقية على مدينة راوة آخر معاقل تنظيم داعش في العراق، مما يعني انهيار الخلافة التي أعلنتها الجماعة لنفسها. السيطرة على راوة يعني سقوط التنظيم الإرهابي، الذي يسمى خلافة، والذي أعلن في عام 2014 في العراق وسوريا.
وتتوقع جميع القوى التي تقاتل داعش في كلا البلدين، ظهور مرحلة جديدة من حرب العصابات، الذي تتقنه الجماعة بشكل جيد.
حيدر العبادي هنأ القوات المسلحة والمدنيين قائلاً: إننا استعدنا مدينة راوة في الوقت المحدد، وإن العراق سيكون آمنًا بشكل تام قريبًا.
وكانت الخريطة التي نشرها نشطاء تشير إلى أن المناطق التي يسيطر عليها داعش أصبحت صفرًا على الخريطة، وقال المتحدث باسم قوات التحالف التي تقاتل الدولة الإسلامية في العراق وسوريا في تغريدة له على تويتر إن داعش أصبح (مفتتًا)»، مقاطع من خبر نقلته نيويورك تايم بعنوان «القوات العراقية تستعيد السيطرة على آخر معاقل داعش في العراق».

الأيام الأخيرة لداعش مجرد صراع لرسم خطط ما بعدها والمعارك الأخيرة، بحسب مشاركين فيها، مجرد تحركات فرض سيطرة واستلام للمناطق دون قتال، حتى وسائل الإعلام كانت تنقل ذلك مباشرة، تقدم للقوات، وإحكام للسيطرة دون معارك تذكر!

كانت الإجابة عن ذلك السؤال تنتقل من منطقة لأخرى بعد تحرير الرمادي وبعدها الفلوجة، كانت الإجابة الأكثر إقناعًا أنهم تجمعوا في منطقة استراتيجية، إنها عاصمة الخلافة، الموصل، لكن تحرير الموصل وبالتزامن معها فقدت داعش سيطرتها على الرقة لصالح الأكراد، أعاد السؤال، والجواب الآن أكثر صعوبة! بعدها وبوقت قياسي فقدت داعش السيطرة على جميع المدن والقرى، لتصبح الإجابة عن السؤال «أين داعش» شبه مستحيلة، فآلاف المقاتلين لم يعد لهم وجود أبدًا، لا كأسرى ولا كجثث هامدة.

الجواب هنا حيث الناس البسطاء من سكان تلك المناطق، وجنود القوات العراقية من المناطق ذاتها؛ فعندهم تتشابه جدًا البداية والنهاية؛ فهم يعلمون أن الصحراء تحمل في طياتها كثيرًا من الخفايا، وتحمل كثيرًا من القصص، كان ذلك حتى قبل ظهور أي أثر لداعش، إذ انتشرت بين القوات العراقية حينها صور لمسلحين مطلوبين لها تم كشفها في الجهاز الشخصي لمطلوب قُبض عليه، تظهر تلك الصور مساكن مجهزة بكل شيء، يستخدمها التنظيم الإرهابي، قبل ذلك كانت تدور بين الناس أخبار نقلها الرعاة وهواة الصيد أو بعض من أطلق سراحهم بعد اختطافهم، تؤكد وجود مسلحين وأنفاق كبيرة في تلك الصحراء. ويؤكد ذلك في حينها العمليات الكبيرة التي نفذها التنظيم بعشرات السيارات، وسيطر على بعض المدن لساعات.

إنها لصحراء الكبيرة في محافظة الأنبار، التي تبلغ مئات الكيلومترات المربعة وتحد أربع محافظات عراقية وثلاث دول عربية، هذه الصحراء تحمل بين كثبانها الرملية وتلالها المتوسطة الطبيعية، والأنفاق المصطنعة تحمل الإجابة عن كل التساؤلات.

في ليبيا كان ذلك صريحًا جدًا، بعد أن نقلت الصحف والقنوات الإعلامية خبر انتقال داعش إلى صحراء ليبيا؛ ليعيد ترتيب أوراقه هناك على ما يبدو، لكن هنا في العراق تبقى قوات التحالف على ما يبدو جزءًا من الحكاية مفقودًا؛ كي يأخذ من وقت المحللين والمتابعين ومن مراكز الأبحاث وقتًا للبحث، ودون جدوى بالتأكيد، ويبقى أهالي تلك المناطق يعانون من التفكير في القادم المحفوف بالذئاب، وهو تفكير دون جدوى أيضًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك