أكثر من 200 سائح روسي لقوا حتفهم جراء سقوط طائرة ركاب كانت قد أقلعت فجر السبت من مطار شرم الشيخ في مصر، وفقد الاتصال بها بعد 23 دقيقة من إقلاعها بينما كانت تحلق على ارتفاع 30 ألف قدم (9144 مترا).

أول الأخبار الواردة من المصادر الرسمية المصرية والروسية أكدت أن الطائرة سقطت بسبب خلل فني، بعدما شكا قائد الطائرة من مشاكل تقنية في أجهزة الاتصال، لكن الطيار عادل المحجوب رئيس الشركة المصرية للمطارات، قال: إن الطائرة الروسية التي تحطمت في سيناء قد تم فحصها فنيا قبل إقلاعها كإجراء روتيني لأية طائرة، موضحا أن عمليات التفتيش عليها كانت سليمة.

لم يكن خبر سقوط الطائرة الروسية في هذا التوقيت، ومنطقة سيناء بالذات، والتي تشهد وجود فرع تابع لتنظيم الدولة الاسلامية، حادثا عاديا؛ كي لا يتم تناوله من الزوايا العسكرية والسياسية، وداخل الأوساط الجهادية، كل بحسب اعتقاده وتصوره وتوجهه .

فمنذ الساعات الأولى للإعلان على الخبر وانتشاره في وسائل الإعلام سارع أنصار تنظيم الدولة في مواقع التواصل الاجتماعي بتبني العملية، دون تقديم أي دليل على ذلك، سوى بعض التخمينات التي تستند على أن “الدولة الاسلامية” تخوض حربا ضد القوات الروسية، وما سقوط الطائرة التي عثر فرق الإنقاذ على حطامها، في إحدى القرى التابعة لمركز الحسنة بوسط سينا،ء على بعد نحو 50 كيلو متر، جنوب مدينة العريش، إلا انتقام من مقاتلي ولاية سيناء التابعة للتنظيم.

لكن وبعد حوالي 5 ساعات سارعت “الدولة الاسلامية” بتبني العملية من خلال بيان احتفى به أنصارها ونشروه على شبكات التواصل الاجتماعي، وفي المواقع الجهادية، بدون أن يقدم البيان أية تفاصيل عن العملية الغامضة التي خلفت أكثر من 200 قتيل من المدنيين الروس.

وجاء في بيان ولاية سيناء المعنون بـ “إسقاط طائرة روسية، وهلاك ما يزيد على 220 صليبيا روسيا كانوا على متنها”، “تمكن جنود الخلافة من إسقاط طائرة روسية فوق ولاية سيناء تقل على متنها ما يزيد عن 220 صليبيا روسيا قتلوا جميعا”، مضيفا: “ولتعلموا أيها الروس ومن حالفكم ألا أمان لكم في أراضي المسلمين، ولا أجوائهم، وأن قتل العشرات يوميا على أرض الشام بقصف طائراتكم سيجرّ عليكم الويلات، وأنكم كما تَقتلون تُقتلون”.

لم يكن البيان الذي أصدره التنظيم بلغات مختلفة، على غرار اللغة التركية والبوسنية والفرنسية والألمانية ولغة الأوردو، واضحا كعادة بياناته، فلم يشر من قريب ولا من بعيد إلى كيفية إسقاط الطائرة إن صح وقوفه الفعلي وراءها، مما فتح باب التأويل عند المراقبين، الذين لم يستبعد بعضهم أن تكون الطائرة قد استهدفت بصاروخ أرض جو.

ففي مقابلته مع قناة الجزيرة للتعليق على الحادثة، لم يستبعد الخبير روسي في الشئون الأمنية: بافل فيلنغهاور، إصابة الطائرة الروسية بصاروخ أرض جو، كما أن شركة الطيران الروسية المسئولة عن تشغيل الطائرة استبعدت الخطأ البشري في كارثة تحطمها فوق سيناء، في حين كشف عقيد الشرطة المصرية السابق عمر عفيفي عبر صفحته الرسمية في موقع فيبسبوك أن الطائرة الروسية تم قصفها بصاروخ أرض جو.

مضيفا أن معظم مطارات مصر غير آمنة، ومستهدفة، خاصة مطار الأقصر وأسوان وبرج العرب وشرم الشيخ والغردقة، كما أوضح اللواء أسامة سنجر رئيس قطاع إدارة الأزمات بمجلس الوزراء، أن شهود عيان، رأوا الطائرة الروسية المنكوبة، وهي تحترق فى الجو قبل سقوطها في سيناء.

وتابع خلال مداخلة هاتفية ببرنامج مباشر من العاصمة المذاع على فضائية “أون تى فى”، إنه لم يصل لنا من وزارة الطيران وجود استغاثة من الطيار، وأن المتعارف عليه فى حوادث الطيران أنه يتم التعاون بين الدولة التي وقع بها الحادث والدولة صاحبة الطائرة، وهيئة الطيران المدني الدولية؛ لأن الحدث ليس محليا، بل دوليا.

 

 

 

تنظيم الدولة يمتلك صواريخ أرض جو

 

غموض كبير يلف الحادثة التي هزت العالم، فتنظيم الدولة الاسلامية في سيناء، وبحسب المراقبين يمتلك مقومات استهداف الطائرات المدنية التي تحلق في أجواء “سيناء”، خاصة وأنه أظهر في أحد إصداراته المصورة في الأسابيع الماضية تدريب دفعة جديدة من المقاتلين على استخدام الأسلحة المضادة للطائرات، ومن بينها صواريخ “ايغلا 9k38” وظهر من بين الصور امتلاك التنظيم لهذا النوع من الصواريخ.

وبحسب المعلومات المتوافرة عن هذه الصواريخ التي يلقبها حلف الشمال الأطلسي “الناتو” بصاروخ سام 18 (SA-18.Grouse) فهي من الصواريخ المتطورة جداً، حيث تعادل أو تتفوق على صواريخ ستنغر الأمريكية حسب بعض الخبراء، ويبلغ مدى هذا الصاروخ 8.000 متر وسرعته 3 ماك ( 3.672 كم / ساعة أو 1020 متر / ثانية.(

لا يمكن استبعاد إمكانية إسقاط تنظيم الدولة للطائرة، لعدة اعتبارات، خاصة وأنه في 25 من شهر يناير 2014م، نشرت جماعة أنصار بيت المقدس “ولاية سيناء” على الإنترنت فيديو، لما قالت إنها عملية استهداف لطائرة عسكرية في سيناء ومقتل 5 من الطيارين المصريين ومعاونيهم ممن كانوا فيها، دون أن ننسى أنه، ومنذ 3 سنوات، والأوضاع في سيناء باتت على درجة كبيرة من الخطورة، في ظل تقدّم الجماعات المسلحة عسكرياً وتكتيكياً، في مقابل عدم التقدّم في استراتيجية القوات المسلحة المصرية في قتالها للجهاديين.

فهل كان من الصدف أن يقوم تنظيم الدولة الإسلامية بتبني إسقاط طائرة تبين بعد ساعات أنها روسية، وتقل مواطنين روس، أم أن الأمر يعد اختراقا استخباريا كبيرا تمكن من خلاله التنظيم من معرفة توقيت الرحلة، وموعد انطلاقها، ومجال عبورها، والعدد الإجمالي للركاب؟ فقبل أن تعلن وسائل الإعلام والحكومة المصرية رسميا عن العدد الإجمالي للضحايا جاء في بيان “الدولة” أن أكثر من 220 راكبا قد لقوا مصرعهم جراء هذا الحادث.

وهل من عادة التنظيم أن يقوم بتبني عملياته بـ 8 لغات في حين تأخر الإعلان الرسمي من قبل الجهات المصرية والروسية عن حقيقة اختفاء الطائرة؟

ففي الساعات الأولى من الحادثة تضاربت الروايات المصرية والروسية عن مغادرة الطائرة من عدمها من الأجواء المصرية، ثم الحديث عن اختفائها من على شاشات الرادار، بالإضافة إلى تأخر سيارات الإسعاف في الوصول إلى مكان السقوط؛ خشية استهدافها من قبل مسلحين يمكن أن يكونوا متواجدين في المنطقة، كل هذا وغيره مما سبق ذكره يدعم فرضية وجود أطراف فاعلة على الأرض تقف وراء سقوط الطائرة.

الصندوقان الأسودان

 

 

هذه المعطيات مع ما نقلته إذاعة النمسا عن مصادر في المراقبة الجوية الإسرائيلية في الساعات الأولى للحادثة: من أن الطائرة الروسية سقطت؛ جراء إصابتها بصاروخ من وسط سيناء، قبل تبني “الدولة الإسلامية” للعملية، وتصريح الناطق باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي أفيخاي أدرعاي بأن جيش الدفاع الإسرائيلي قام منذ ساعات الصباح الأولى في عملية البحث عن الطائرة الروسية من خلال طائرة استطلاع مسيرة، وعرض سلطات الدفاع على روسيا ومصر تقديم مساعدات إضافية، لو تطلب الأمر، يزيد من الشكوك حول حقيقة ما حدث، ليزيد بيان تنظيم الدولة تبنيه للعملية فتح الأبواب أمام كل الاحتمالات، ليبقى الصندوق الأسود الفعلي في يد جهازه الإعلامي عن طريق إثبات صحة ادعاءاته بصور أو فيديو توثق العملية كما هي عادته في هجماته الدورية على قوات الأمن والجيش المصريين، والتي تبدو أقل تأثيرا على الساحة الدولية من هذه الفاجعة الكبرى.

إن “ولاية سيناء” تعتبر أقوى فصيل مسلح يتبع لتنظيم الدولة منذ أن أعلن بيعته في شهر نوفمبر الماضي، ولعل نظرة سريعة إلى حجم العمليات التي قام بها ضد القوات المسلحة في مناطق سيناء والعريش وغيرها من المدن المصرية، وقدرته الكبيرة على اختراق تركيبتها وتجنيد مخبرين ومقاتلين منشقين من بينهم، يعزز فرضية أن يكون البيان الذي صدر بعد ساعات من العملية له ما يدعمه، خاصة وأن التنظيم ينتهج سياسته الإعلامية الخاصة، والتي تعتمد أساسا على التشويق، ثم الصدمة بعد طول الانتظار جسا للنبض، كما يبدو ذلك واضحا وجليا في خطابات قادته أو إصداراته المرئية الضخمة، حتى أن “ولاية سيناء” انتظرت أشهرا وأسابيع لتوثيق عمليات كان قد أعلن عنها مسبقا، لتنسف بعدها رواية الجهات الرسمية المصرية.

المتابع للأحداث المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط وجب عليه في زمن السرعة أن يكون صبورا ممتلكا أعصابا من حديد، فلا أحد كان يتوقع أن يقوم تنظيم الدولة بإسقاط طائرة ركاب في منطقة سيناء أثر التدخل الجوي الروسي لقصف مواقعه في سوريا، بل كل الدراسات التي تناولت بالنقاش والتحليل هذا التدخل الروسي توقعت أن يكون الخطر قادما من المناطق المحاذية لروسيا، وعلى رأسها “القوقاز”، لا أن تكون في منطقة صحراوية وجبلية في مصر.

يبدو أننا لن ننتظر طويلا؛ فالأمر بين صندوقين أسودين، لن يطول فتح أحدهما، فإما تأكيد رواية رسمية، وإما توثيق لمنعطف خطير ينسف السياسة الاستعمارية الروسية في المنطقة العربية، ويزيد من الانزلاقات العسكرية الخطيرة التي تمر بها، فتنظيم الدولة إذا لم يقدم دليلا صريحا عن مسئوليته إسقاط الطائرة الروسية سيفقد مصداقيته، وسيخسر جولة أخرى في حربه الإعلامية مع التحالفات والدول التي تقاتله، خاصة بعد التكتيم الإعلامي الممنهج لما يحصل على جبهات القتال التي تكبد فيها هزائم من القوات والميليشيات العراقية مدعومة من التحالف الدولي.

فأي الصندوقين سيفتح وينسف الصندوق الآخر بما حواه؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

داعش, روسيا
عرض التعليقات
تحميل المزيد