وفقًا لإحدى نظريات علم النفس، يشبه العلماء الإنسان بالجبل الجليدي لا يمثل سلوكه الظاهر إلا 10% فقط من شخصيته، أما المحرك الحقيقي له فهو الباطن. ومع أننا لا نستطيع الجزم بمثل هذه النسب إلا أننا نرى أن السلوك الظاهر لا يمثل من شخصية الإنسان إلا نسبة قليلة.

 

وبتلك النظرية، يمكن قياسها أيضًا على التنظيم المثير للجدل “تنظيم الدولة الإسلامية”.

 

ولفهم تصرفات التنظيم بل والتنبؤ بما قد يفعل في المستقبل، علينا التمعن في بواطن الأفكار المحركة لتصرفات التنظيم.

 

ولكن ما هو داعش أصلًا؟

 

 

تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، الذي يُعرف اختصارًا بـ داعش (ويُطلق على المنتمين له اسم الدواعش) والذي يسمي نفسه الآن الدولة الإسلامية فقط هو تنظيم سلفي وهابي مسلح يُوصف بالإرهاب، يتبنى الفكر السلفي الجهادي يهدف أعضاؤه – حسب اعتقادهم- إلى إعادة “الخلافة الإسلامية وتطبيق الشريعة”، ينتشر بشكل رئيسي في العراق وسوريا وله فروع أخرى في جنوب اليمن وليبيا وسيناء وأزواد والصومال وشمال شرق نيجيريا وباكستان. زعيم هذا التنظيم هو أبو بكر البغدادي.

 

انبثق تنظيم داعش من تنظيم القاعدة في العراق، وهو الذي شكله أبو مصعب الزرقاوي في عام 2004، الذي كان قد شارك في قوات المقاومة ضد القوات التي تقودها الولايات المتحدة والحكومات العراقية المتعاقبة في أعقاب غزو العراق عام 2003، خلال 2003-2011 حرب العراق وذلك جنبًا إلى جنب مع غيرها من الجماعات السنية المسلحة قد تشكل مجلس شورى المجاهدين التي مهدت أكثر لدولة العراق الإسلامية.

في أوجها، وقيل إنها تتمتع بحضور قوي في المحافظات العراقية من الأنبار، ونينوى، وفي محافظة كركوك، وأكثر تواجدًا في صلاح الدين، وأجزاء من بابل، وديالى وبغداد، وزعمت أن بعقوبة تعتبر عاصمة. ومع ذلك، فإن محاولات الدولة الإسلامية في العراق العنيفة لإحكام السيطرة على أراضي جديدة أدت إلى رد فعل عنيف من العراقيين السنة وغيرهم من الجماعات المتمردة، مما ساعد على دحر حركة الصحوة وتدني سيطرتها.

 

 

– يبقى التعقيب الأهم فيما يُقال عن التنظيم، وأُطلق عليه اسم داعش اختصارًا من أولى حروف اسمه.

– ترفض داعش هذا الاسم، وتُعاقب بالجلد كل من يستخدم هذا الاسم في المناطق التي تحتلها.

 

– نظرًا لتوسع التنظيم حاليًا وتطور وسائل الإدارة، أصبح بالفعل ما يشبه بالدولة، والوضع الحالي له هو أحد أطوار تطور الدولة، ويبقى تصريح رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني “نحن لا نحارب تنظيمًا بل نحارب دولة”.

 

– يتبنى التنظيم الحرب العقائدية تجاه خصومه، ويتغذى من انتهاكات أعدائه وأخطائهم.

 

 

 

بواطن فكر التنظيم.

 

تستند أفكار التنظيم إلى الفكر الوهابي الجهادي، وهو ما يجعلنا نغوص في التاريخ، لربط العديد من الأحداث ببعضها، فما أشبه اليوم بالبارحة.

 

نشأ الفكر الوهابي لأول مرة في القرن الثامن عشر بنجد، وتبناه في ذلك الوقت أمراء الدولة السعودية الأولى بالدرعية.

 

هاجر مؤسس الدعوة محمد بن عبد الوهاب للدرعية، واستقبل الشيخُ ابن سعود الشيخَ ابن عبد الوهاب بحفاوة. وكان بدوره متعطشًا للغزو يبحث عن مسوغ للقتال قد ابتهج للدعوة الوهابية، فلم يتردد في اعتناقها وآمن بوجوب قتال “أهل الضلال”، والقضاء على “البدع الشركية”، والدعوة إلى “الدين الصحيح”، ونشر ذلك في أرجاء الجزيرة العربية. فمن دخل في الدعوة طوعًا كان بها، وإلاّ فإعمال السيف، وضرب الرقاب، والقتال «حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله».

وهكذا أصبح محمد بن عبد الوهاب مفتيًا للدرعية، في العام 1744. وأرسيَ الحلف العظيم بين آل سعود والوهابيين. وأول فتوى لابن عبد الوهاب كانت تحريم زيارة القبور فجرت تسوية الأضرحة بالأرض. وكان الشيخ يأمر الناس بأن يصلحوا أنفسهم فإن صلحتْ عاد فأمَرَهُم بتطهير بيوتهم من الرجس، وبتربية أبنائهم على الإسلام إن بالإقناع أو بالقمع. ثمّ بعدئذ أفتى ابن عبد الوهاب لابن سعود بإعلان الجهاد لفرض شريعة الله في الأرض.


 

وبعدما وطّد آل سعود حكمهم في نجد، بدأوا يوجّهون أنظارهم إلى الأقاليم الأخرى في المشرق العربي. وعام 1801، غزا الوهابيون يقودهم السعوديون مراكز التشيّع في جنوب العراق، حتى وصلوا كربلاء، فأعملوا في رقاب أهلها السيف، ولم ينجُ من مقتلة «المشركين الروافض» (كما سموا الشيعة) إلاّ من هرب!

ودخل الوهابيون إلى مقام الإمام الحسين فهدموا القبة فوق ضريحه، ونهبوا ما وجدوه من الذهب والمال والمتاع في المشهد ولا يوجد أضر بسمعة الدولة السعودية الأولى ودعوتها السلفية في لأنحاء العالم الإسلامي بقدر ما فعلت أحداث كربلاء الدموية، التي وصفت بأنها أعنف ماشنته قبائل نجد من غزوات على البلدان المجاورة، فقد جرت عمليات قتل واسعة النطاق بأبعد مدى من القسوة، وتم ملاحقة أهالي المدينة الهاربين على وجوههم إلى الأزقة والدهاليز وقتلهم ذبحًا أو بأية طريقة.

 

 

 

 

وحسبما أفاد شهود العيان، كان المهاجمون يصرخون لتأليب رفاقهم على الانغماس في عمليات التصفية الجسدية قائلين: “اقتلوا الشيعة.. اقطعوا رقاب الكفرة”. ولم تكن تلك الكلمات للترويع فحسب، بل نفذ أمر قطع الأعناق بعدد كبير من الناس. كما وجد بعض الأطفال من القتلى.

 

بجانب ذلك قاموا بهدم العديد من الأضرحة في المدينة والتي يتبرك بها الشيعة بالإضافة إلى نهب المشهد الحسيني وما به من مقتنيات ومحاولة هدم قبته، ولكنهم لم ينجحوا في ذلك.

 

وفي عام 1802، اتجهت جيوش الوهابيين غربًا نحو مراكز التسنن في الحجاز، فبدأوا بغزو مدينة الطائف التي قاومتهم، فكان مصيرها مروّعًا إذ ذبحَ كل فرد ذكر من سكانها، وسُبيت نساؤها. ثمّ دخل الوهابيون مكة المكرمة التي استسلم أهلها، تحت أثر الرعب والهلع اللذين انتاباهم، وكذلك كان الحال في المدينة المنورة!

وحين احتل أتباع ابن عبد الوهاب مكة، هدموا المعالم النبوية التاريخية فيها، وعملوا على تدمير كل القباب والأضرحة والمقامات وكل ما وجدوه من آثار قرون من التعمير الإسلامي حول المسجد الحرام.


ودمّروا القبة المنصوبة فوق الدار التي ولد فيها النبي (ص)، وقبة فوق دار أبي بكر، وأخرى فوق دار الإمام عليّ، وقبة كانت تشير إلى ضريح السيدة خديجة! ثمّ أغار الوهابيون على المدينة فسطوا على الزينة والحلي الموضوعة على قبر الرسول (ص).

 

 

وأرادوا هدم القبة الخضراء فوق ضريحه، مما أثار سخط أهل الحجاز وهلعهم، فلمّا خشي الوهابيون منهم التمرد والتفتت، تراجعوا عن فكرة هدم القبة النبوية.

 

 

حتى تسنح فرصة أفضل! ثمّ لما وصلت قوافل الحُجّاج من مصر والشام إلى مكة، قام الوهابيون بطرد الحجيج منها باعتبارهم «مشركين»! وأعلنت البقاع المقدسة إقليمًا خاضعًا للدولة السعودية الوهابية الجديدة، ومستقلة عن سلطة الخليفة العثماني في الأستانة.

 

وهو ما أدى إلى قيام محمد علي بأمر من الخليفة العثماني بإعلان الحرب على ما سموا بالمرتدين عن تعاليم الإسلام، وقد أدى في النهاية إلى هزيمة الدولة السعودية الأولى وإنهائها.

 

 

مع عودة الدولة السعودية مرة أخرى للمشهد السياسي واصلت انتهاج المنهج السلفي في الحكم والتشريع، وهو ما أدى إلى استمرار هدم القبور والأضرحة في الحجاز وبالبقيع خصوصًا.

 

كانت الدولة السعودية تنتهج عند التأسيس، القتل والتمثيل لإرعاب باقي القبائل والتي ترفض التسليم لها.

 

ولا يمكننا نسيان تمرد قوات الإخوان – القوات العسكرية الأهم والتي ساندت الملك عبدالعزيز آل سعود في توحيد المملكة السعودية– عندما أرادوا مواصلة القتال واتجهوا صوب المستعمرات البريطانية لإعلان الجهاد وطرد المستعمرين، وهو ما يدل على خرق المعاهدة والاتفاقات بين آل سعود والإمبراطورية البريطانية في ذلك الوقت.

 

وهذا لا يدل إلا على تأثر التنظيم بالفكر السلفي، بل وبفكرة نشأة وتمدد الدولة السعودية.

ومن هنا نستطيع الربط بينهما فكلا الدولتين يقومان على أسس فكرية مشتركة، ولولا تعارض المصالح والأهداف لأصبحت داعش تتباهى اليوم بالدولة السعودية بمراحلها.

ونستكمل توضيح باقي النقاط في الجزء الثاني من المقال بإذن الله.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد