كثرت التحليلات التي تناولت النجم الجديد الصاعد في منطقة الشرق الأوسط “تنظيم الدولة الإسلامية”

وهي أمر مبرر كون التنظيم يحتل مكانة مركزية سواء جغرافيًّا أو فكريًّا كونه أبلغ مدى وصلت له تجربة الحركات الجهادية الحديثة، تلك التي ظلت تؤرق المنطقة والمجتمع الدولي مدة لا بأس بها من الزمن.

إلا أنني في اجتهادي الذي بين أيديكم أحاول باختصارٍ – أرجو أن لا يكون مخلاًّ – تناول الأثار الجيوسياسية لوجود هذا التنظيم من وجهات نظر اللاعبين الأساسيين على الساحة الشرق الأوسطية مبتعدًا عن دائرة النقد أو المواقف الذاتية التي أوغل فيها كثير من المحللين.

 

جيو

خريطة تبين المناطق التي يسيطر عليها التنظيم

دعوني أولاً أحاول بسط الموقف الأمريكي من هذا التنظيم وفق الرؤية الاستراتيجية التي تتبعها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط ما بعد ثورات الربيع العربي.

بالطبع تدرك الولايات المتحدة أننا نعيش عهدًا يعاد فيه رسم خريطة الشرق الأوسط من جديد، وبالتالي هي حريصة أن تخرج بأكبر قدر من المكاسب، أو بعبارة أخرى أن يكون الشكل الجديد للشرق الأوسط متوائمًا بقدر الإمكان مع المصالح الأمريكية وسياساتها الاستراتيجية.

أولاً يجب أن نذكر أنه بعد تجربتي العراق وأفغانستان وبوجود إدارة ديمقراطية في البيت الأبيض فإن أمريكا ألت على نفسها أن تتبع محددات معينة في تنفيذ سياساتها وتمرير مشاريعها وأهم هذه المحددات هي:

1- التعامل بطريقة إدارة الأزمات عن طريق وكلائها المحليين دون التدخل المباشر في الأزمة.

2- محاولة إخماد النيران في المناطق التي لا تشكل لها أهمية استراتيجية في هذا التوقيت، ولو عن طريق استمالة أعدائها الأيديولوجيين التقليديين.

3- التعامل مع القوى الفاعلة أيا كانت، حتى لو كانت في مستوى دون الدول؛ لإدراكها أن المنطقة تمر بمرحلة يتمايع فيها مفهوم الدول وسلطاتها وقدراتها على الضبط والربط.

كيف تريد أمريكا إذا الشرق الأوسط الجديد؟

ترى الولايات المتحدة أن الحدود التي تم ترسيمها وفق اتفاقية سايكس- بيكو في مناطق العراق والشام هي في الحقيقة غير ذات جدوى ولا تستطيع من خلالها تحقيق أية مكاسب استراتيجية مقابل خصومها الإقليميين، علاوة على أن هذه الحدود في حد ذاتها تحمل داخلها عوامل تفككها (المذهبية – الإثنية – السياسية) وبالتالي هي غير مستقرة ولا يجوز أن يبنى عليها استراتيجية دائمة وثابتة، لذلك تعتبر الثورات والحروب الأهلية في المنطقة فرصة مناسبة لإنزال تصورها على أرض الواقع حسب الأولويات التي تفرضها عليها الوقائع على الأرض.

وبالتأكيد فإن أبرز الآثار الجيوسياسية التي يفرضها وجود تنظيم الدولة الإسلامية على الأرض هو تعزيز حركة الاستقلال الكردية في شمال العراق وسوريا وتهيئة المناخ للميلاد الدولة الكردية الحديثة.

تحقق هذه الدولة الكردية الوليدة أهداف جيو سياسية واقتصادية مهمة للولايات المتحدة وإسرائيل وهي:

جيو1

خريطة توضح مناطق الانتشار الكردية بين العراق وإيران وتركيا وسوريا

1- الإمساك بتلابيب القوى الإقليمية الأبرز إيران وتركيا عبر دولة قومية غنية بالموارد والبترول ومدعومة عسكريًّا من قبل أمريكا تقع على حدودها وتمتلك جالية ضخمة في كلا البلدين قادرة على الضغط على الفاعل السياسي في البلدين.

2- السيطرة بشكل كبير على موارد البترول في شمال العراق دون منازع.

3- ميلاد الدولة الكردية خطوة مهمة في استراتيجية إسرائيل الساعية لإيجاد حلفاء لها في ما بعد الطوق العربي المحيط بها بعد خسارتها لتحالفها المتين مع تركيا بل إن صحيفة هآرتس الإسرائيلية اعتبرته حدثـًا مفتاحيًّا للحفاظ على أمن إسرائيل وحل مشاكل الشرق الأوسط.

ولكي تكتمل عملية ولادة هذه الدولة فعليًّا يجب عليها أولاً أن تحرر من القيود التي تربطها بالأنظمة المسيطرة في بغداد ودمشق سواء أكانت قيودًا سياسية أم اتصالاً جغرافيـًّا، وهو الأمر الذي حققته الدولة الإسلامية بضربتها المفاجئة في الموصل وما بعدها من معارك توسعية مزقت أوصال الدولة العراقية القديمة تمامًا، وهيئت المناخ السياسي الإقليمي للبدء في تسليح قوات البيشمركة الكردية والبدء فعليـًّا في ترسيم حدود الدولة، لهذا أعتقد أن الولايات المتحدة بدت أكثر الدول تراخيًا وتماسكـًا في التعامل مع أزمة سقوط الموصل

إلا أن السياسية الأمريكية تنظر لميلاد هذه الدولة بعين الترقب والتحفظ أيضًا لأن استقلال الأكراد قد يتبعه مطالبات من سنة العراق للاستقلال أيضًا؛ مما يعني سيطرة شيعية إيرانية كاملة على نفط البصرة في الجنوب، وهو أمر تخشاه الولايات المتحدة، وبالتالي قد لا تريد الولايات المتحدة هذا الاستقلال إلا في إطار استراتيجية شاملة تضمن لها ترتيب البيت الداخلي العراقي أولاً.

المكسب الاستراتيجي الآخر الذي يحققه تنظيم الدولة الإسلامية للولايات المتحدة الأمريكية هو كسر الترابط الجغرافي السياسي لسلسلة النفوذ الإيرانية المذهبية الواصلة من إيران إلى البحر الأبيض المتوسط مرورًا ببغداد ودمشق وضاحية بيروت الجنوبية.

بالطبع كما ذكرنا سابقـًا فقد يكون لهذا الأمر آثاره السلبية على مصالح أمريكا في الجنوب العراقي، ولكنها ترى في هذه الأحداث فرصة مواتية لإعادة دمج السنة في العملية السياسية العراقية وتقليل النفوذ الشيعي الإيراني.

أخيرًا وبالرغم من هذه الفرص التي أتاحها التنظيم للولايات المتحدة إلا أنه يشكل خطرًا يهدد الأنظمة المتحالفة معها سواء في عمان أو تل أبيب وحتى بغداد.

هذا الخطر نابع من كون البنية التنظيمة والأيديولوجية للتنظيم تجبره على التوسع على حساب جيرانه وإلا آل للتفكك.

ثم إن الولايات المتحدة بعد ما حققت مآربها من وجود التنظيم تسعى أن تتصدر مشهد إسقاطه والحرب ضده خوفـًا من استغلال إيران وروسيا للمساحات التي سيتركها انهيار التنظيم المرتقب.

غير أني مقتنع أن الولايات المتحدة كانت مستعدة للتعامل مع التنظيم كأمر واقع، وكبديل لنظام الأسد إذا استطاع تبني معادلة إقليمية أقل هجومية لا تهدد الأنظمة المجاورة، ومقاربة داخلية متسقة من طموحات الشعب السوري و نظامًا إداريًّا مؤسسيًّا لا يشكل التوسع العسكري مركزه وضمان بقائه.

على الجانب الإيراني وبالرغم من الضربة الموجعه التي وجهها التنظيم للسيطرة الإيرانية على العراق إلا أنه كان تذكرة النجاة التي ساهمت في بقاء نظام الأسد مدة أطول، بل جعله بقدر الإمكان جزءًا من المعادلة الدولية لمحاربة فزاعة تنظيم الدولة الإسلامية، فبعد فترة قصيرة من استنفار الأسطول الأمريكي في البحر المتوسط بعد مجزرة الكيماوي في ريف دمشق والتهديد الأمريكي بشن هجمات مباشرة على نظام الأسد أصبحت الصواريخ الدولية الآن موجهة للمناطق المحررة من سيطرة الأسد، والتي يحتلها هذا التنظيم.

وقد رأينا جميعا كيف استغلت إيران سيطرة التنظيم على الموصل في زيادة روح الاستقطاب في الداخل العراقي، وبرزت حركات كميليشيات الدعم الشعبي الشيعية، وبالتالي زيادة مساحة النفوذ الإيرانية في الجنوب وفي العاصمة بغداد.

هناك نقطة أخرى يجب أن نفهمها لكي نستوعب الموقف الإيراني وهي أن إيران لا تخوض صراعًا صفريًّا مع الولايات المتحدة، بل هما في الحقيقة يحاولان التوصل لأقرب معادلة تضمن لهما القدر الأكبر من المصالح المشتركة؛ لذلك فمن المؤكد أن صفقة البرنامج النووي الإيراني المزمع عقدها تحتوي على بعض المكاسب للطرف الإيراني، قد يكون أبرزها هو ضمان استمرار نظام الأسد أو استبداله ببديل يحافظ على المصالح الإيرانية في سورية ولبنان.

أما الموقف الروسي فهو متطابق بشكل كبير مع الموقف الإيراني لأسباب استراتيجية أهمها أن نظام دمشق هو بوابة روسيا في البحر المتوسط، وأكبر مستهلكي السلاح الروسي في المنطقة، وأقوى كارت لدى موسكو في محاولة كسر السيطرة الأحادية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، غير أن الأزمة السورية تعتبر ورقة مساومة تستغلها موسكو لتخفيف الضغط الواقع عليها في الأزمة الأوكرانية.

أما بالنسبة لتركيا فإن وجود التنظيم مستنفذ لها بشدة على مستوى الواقع السياسي؛ فبين خشيتها من امتداد الدولة الكردية الوليدة لشمال سوريا وبقاء نظام الأسد تتبع تركيا استراتيجية حذرة تجاه أي شيء متعلق بالتنظيم، وترى أن المجتمع الدولي يتعامل بازدواجية واضحة تجاه ما يحدث في سوريا، وحاولت بقدر الإمكان دفع الحركات المسلحة الكردية للانضمام للجيش الحر وقطع صلاتها بالأسد لمنعها من بلورة هوية دولاتيه انفصالية في الشمال السوري.

في النهاية لا تريد أنقرة حلًّا في سوريا لا يضمن لها انتصار الثورة التي تدفع وحدها تكاليف بقائها فاعلًا على الأرض.

ولا ننسى أن تركيا خسرت بسبب موقفها من نظام الأسد ظهيرًا جيوسياسيًّا وجيواقتصاديًّا في غاية الأهمية من وجهة نظر استراتيجيتهم الجديدة التي تنص على التوجه نحو الإقليم بدل مطاردة وهم الانضمام للاتحاد الأوروبي.

أما الدولة التي يمثل لها التنظيم خطرًا حقيقيـًّا ماثلاً على المستوى السياسي والعسكري والأوضاع الداخلية، فهي الأردن بطبيعة الحال لأن وجود التنظيم على عتبتها يهدد بتفجير الجبهة الجهادية الداخلية التي يتبنى التنظيم أدبياتها بشكل كبير، وتبدو الأردن بالنسبة للتنظيم هدفـًا مناسبًا تستنفذ فيه حاجتها الدائمة للتوسع والتمدد بعد نقص فاعليتها على مستوى الجبهات الأخرى في العراق وسوريا، وهي ترجو استغلال التصدع والأزمات الداخلية التي قد تحدثها حربها المقبلة مع الأردن، حتى إننا نلاحظ أن التنظيم بدأ حربًا إعلامية استباقية من خلال التأثير على الجبهة الداخلية الأردنية.

 

 

وباختصار وفي نهاية المقال يمكننا أن نرى أن التنظيم الذي يبدو للبعض كأنه كيان أسطوري تم استدعاؤه من الماضي ما هو في الحقيقية إلا فجوة في الزمكان تحاول القوى العالمية والإقليمية المرور منها للشرق الأوسط الجديد، وتحقيق أكبر قدر من المكاسب على الأرض قبل أن تنغلق هذه الفجوة بانهيار التنظيم المرتقب.

وأود أن أنوه أخيرًا في نهاية هذا التحليل أن مذاهب التفكيك والنظر الجيوسياسية تختلف من مراقب لآخر ومن قوة فاعلة في السياسة لأخرى، وبالتالي ليس من المستبعد أن يبتعد هذا التحليل عن الواقع أو الحقيقة أحيانـًا ويلازمها في أخرى ففي النهاية يظل محض اجتهاد بشري لمحاولة فهم واقع لا يلبث أن يتغير باستمرار وفي اتجاهات غير متوقعة أو محسوبة أحيانـًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد