دائمًا ما يعطي التطرف في الرأي والمواقف أريحية في اتهام الآخرين بالتساهل والتقصير، ويُشعر صاحبه بأنه يعيش في برج عاجي يوزع سهام نقده لكل من دونه، ولم لا فهو – من وجهة نظره المتطرفة- المنزه عن الخطأ وصاحب الرأي السديد، وصاحب الولاية على الفكرة أو المنهج.

مع الأخبار المتواترة بدخول تنظيم الدولة الإسلامية المعروف اختصارًا باسم “داعش” إلى مخيم اليرموك في سوريا، وقبلها دعوات مناصري التنظيم على صفحات التواصل الاجتماعي “فيس بوك وتويتر”، إلى السيطرة على إدلب بعد تحريرها من عصابات الأسد، على يد مقاتلي جيش الفتح المكون من عدة فصائل.

تثار تساؤلات حول رؤية التنظيم وهل أعداؤه هي الأنظمة الفاسدة أم الثوار والمجاهدون، الذين يقفون معهم في خندق واحد ضد عدو واحد، وإن اختلف هؤلاء مع بعض أفكار التنظيم.

المتتبع لسلوك التنظيم منذ ظهوره يلحظ مسلكين أساسيين.

• تكفير كل من لا ينتمي للتنظيم بدءًا من الأنظمة الفاسدة، مرورًا بعوام الناس، وصولًا إلى الجماعات والثوار المقاومة لهذه الأنظمة الاستبدادية، فالدواعش لا يرون الولاية سوى لخليفتهم المزعوم، وأن ما سواهم لا ولاية له ولا جهاد له وكلهم ضالّون مُضلون ما لم يعلنوا البيعة لخليفتهم.

– المسلك الآخر هو قتال جماعات وفصائل تقف ضد الأنظمة الفاسدة، واعتبار هذه الفصائل عدوًا يجب التخلص منه أولًا، قبل قتال هذه الأنظمة، الأمر الذي ظهر جليًا في سوريا فقد دانت مساحات كبيرة من الأراضي السورية لسيطرة الثوار، قبل ظهور تنظيم الدولة والذي افتعل المشاكل مع فصائل الثورة وتوجه لقتالها، وهو ما استغله نظام الأسد في إعادة السيطرة على مساحات كبيرة فقدها قبل ذلك وتحولت المعركة من ثوار يواجهون نظام الأسد إلى معارك بين فصائل إسلامية.

نفس المشهد تكرر مع انتفاضة العشائر العراقية لقتال القوات الحكومية، المدعومة بالمليشيات الشيعية، حيث ظهر تنظيم الدولة لتتحول دفة المعركة لصالح القوات الحكومية.

وفي ليبيا حدث المشهد ذاته مع اختلاف بعض التفاصيل، حيث ثوار ليبيا يحكمون السيطرة ويقتربون من حسم المعركة ضد الانقلابي خليفة حفتر وبقايا نظام القذافي، لتظهر داعش ويتحول المسار من ثورة تقترب من الحسم إلى الدخول في الاقتتال الداخلي، وإعطاء ذرائع للتدخل الدولي بحجة الحرب على الإرهاب.

في مصر داعشية، ولكن يمكننا القول إنها داعشية دعوية، فمع ارتفاع وتيرة ظاهرة التهجم على الإسلام والتشكيك في الثوابت، والهجوم على الصحابة والتابعين في حملات ممنهجة يقودها إبراهيم عيسى وإسلام البحيري وغيرهما، وهو أمر طبيعي في ظل حكم عسكري معروف بعلمانيته ومعاداته للدين وقائد للانقلاب جل حديثه عن الإرهاب، وأن المسلمين يشكلون خطرًا على باقي البشرية ويدعو إلى ثورية دينية.

لكن اللافت للنظر هو غياب التيارات السلفية عن الوقوف أمام هذه الهجمات التي تستهدف صحيح العقيدة وصحيح السنة، وهي التيارات التي لطالما ادعت بـأنها حامية السنة والعقدية.

الدعوة السلفية وتيار المدخلية الذي يتزعمه محمد سعيد رسلان ونجوم الفضائيات السلفية مثل محمد حسان ومحمد حسين يعقوب وأبي إسحق الحويني وغيرهم، لم يعد يُسمع لهم صوت إزاء هذا السفه الذي يمارسه إعلاميون تجاه، مقدسات وثوابت الأمة بزعم حرية الرأي والتعبير.

هؤلاء الدعاة كانوا يملأون الدنيا صراخًا واتهامًا للآخرين بأنهم مقصرون ومبتدعون ومأوّلون، ولديهم خلل في العقيدة وغبش في المنهج وأنهم يميعون الدين إلى آخر هذه القائمة الجاهزة من الاتهامات، لم نعد نرى لهم أي مواقف تجاه إبراهيم عيسى وغيره في ظل تغييب الدعاة الوسطيين بالقتل أو الاعتقال أو الملاحقة.

رموز السلفية بمدارسها المختلفة في مصر عادت للحديث في حكايات التراث والقصص عن الجنة والنار (مع أهمية هذه الأحداث ولا نقلل من شأنها).

ولكنهم غابوا عن المشهد العام وما عادوا يتحدثون عن هموم الأمة ولا مشاكل المصريين، وابتعدوا عن السياسة تمامًا كما خفت نجم هؤلاء الدعاة في مواجهة موجات الإلحاد وهدم الثوابت، وهو ما يماثل سلوك الدواعش في أنهم ينشطون مع وجود تيارات أخرى تصطف معهم في نفس المشروع مع الاختلاف في بعض التفاصيل، فإذا غابت هذه التيارات وباتت المواجهة صريحة مع من يهدمون الدين فعلًا لجأ الجميع إلى كهفه علّ أحد أن يوقظه على تغير الحال.

لا فرق بين من يتخذ الدعشنة منهج سلاح ومن يتخذها منهج دعوة فكلهم تُظهر حقيقتهم المحن وكلهم يساهم – عن عمد أو دون قصد– في إبقاء الأنظمة الاستبدادية وتشويه المنهج الإسلامي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد