دائمًا ما كان يزيغ بصره كلما صافحته وسلمت عليه، فمرة ينظر إلى الأعلى ومرة إلى اليمين أو إلى اليسار مع تمتمته بكلمات قليلة، لم أعرف إذا كانت هذه محاولة للتجاهل نابعة عن غرور وإحساس بالأفضلية على الجميع، أم أنه خجل نابع عن التشبه بقصص الصالحين والسلف الصالح، إلا أن قميصه القصير وسمته المتدين ونظره إلى الأرض دائمًا في مشيته بجانب علمه الشرعي يمنع احتمالية أن يكون أمره هذا نابع عن عجب بالنفس أو أنه نوع من الكبر.

 

(هـ.) شاب ينتمي إلى عائلة نوبية، ملتزم خجول، دائمًا كان يبدأ يومه بصلاة الفجر في جماعة في مسجد تابع لأنصار السنة المحمدية بمنطقة الهرم، ويجلس بعد ذلك يذكر الله حتى تشرق الشمس، ثم ينطلق ليذهب إلى كلية التجارة بجامعة القاهرة، ليكمل هذه الأربع سنوات التي تعطله عن طلب العلم الشرعي على الوجه الأكمل، إلا أنه رغم ذلك يجتهد في تحصيله رغم انشغاله في دراسته الأساسية، فكان يذهب أحيانًا بعد صلاة الفجر على دراجته لحضور درس الفقه في مسجد مجاور له، ويحضر درس التفسير بعد المغرب في مسجده الذي اعتاد أن يصلي فيه، بجانب حفظه للقرآن في وقت قصير، حيث ختم القرآن حفظًا خلال سنتين، بالإضافة إلى طلبه العلم على يد بعض الشيوخ على مدرسة سلفية على الإنترنت.

 

في الحقيقة لم يكن (هـ.) هكذا طوال حياته، فقبل دخوله الجامعة كان شابًا عاديًا، يخرج مع أصحابه ويحضر تجمعاتهم ويتنزه ويضحك، في نفس الوقت كان خلوقًا دَيِّنًا يحافظ على الفروض والصلوات، يظهر الاحترام للدين وشعائره في ثنايا كلامه، لم يبدأ التحول إلا عند السنة الثانية من دراسته الجامعية، فأخذ يتردد على خطب الجمعة لشيوخ التيار السلفي المشهورين، ثم انكب على سماع الشرائط والخطب لشيوخه المفضلين، حتى أخذ القرار بالشروع في طلب العلم بنفسه.

 

تخرج (هـ.) من كليته وتقدم للتجنيد الإجباري، إلا أن خلفيته الفكرية ونشاطه الديني، أعفاه من أداء الخدمة العسكرية التي طالما دعا الله أن ينقذه منها.

 

وفي يوم، ذهبت إلى المسجد كالمعتاد حتى أسلم على أصدقائي المنتمين للتيار السلفي وأعرف أحوالهم وأخبارهم، إلا أن عيني هذه المرة لم تقع على (هـ.)، فسألتهم عنه، فأخبروني، أننا لا نعلم عنه شيئًا منذ فترة، فقد اختفى فجأة، ولا نعلم أين ذهب، حاولت أن أسأل الجيران وأهل المنطقة عنه، لم يفيدوني بشيء.

 

تمضي الأيام، وتشتعل الثورة في سوريا أكثر من ذي قبل، ويعلن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق عن دخوله إلى الشام، ومنذ هذا الوقت اعتدت أن أفرغ نفسي يوميًا لبعض الوقت لمتابعة الثورة السورية على وجه العموم، وأخبار تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، على وجه الخصوص.

 

حتى جاء هذا اليوم، الذي أشاهد فيديو عن قاض منتم لتنظيم داعش، لم أصدق عيناي في بادئ الأمر، إلا أنني رأيت (هـ.) وهو يعرف نفسه كقاضي في مدينة الدانة بريف إدلب بسوريا، حيث بدأ كلامه بالثناء على الشريعة الإسلامية التي بسببها انتشر الأمن في المدينة، وقلت الجرائم بدرجة كبيرة وانتهت القضايا في وقت أسرع عن الوقت الذي تأخذه المحاكم الوضعية، ثم أنهى كلامه بدعوة طلبة العلم في العالم العربي ودعوته إلى النفير إلى بلاد الشام، فهي أرض خصبة للدعوة والجهاد.

 

حاولت جاهدًا خلال الفترة الماضية إيجاد تفسير لهذا التحول، هل هو بسبب تقلبات وتجارب فاشلة في حياة صاحبنا كما يشاع عن المنتمين لداعش، ولكنني لم أجد واقعة شديدة في حياته تدفعه لكي ينقلب بهذا الشكل، ويبدو لي أن السبب أكثر بساطة بعيدًا عن التحليلات النفسية والاجتماعية التي يحلو للبعض أن يزين بها مقالاته، فالسبب الحقيقي وراء هذه التحولات هو أيضًا نفس السبب وراء نشأة هذه التيارات وهو أيضًا السبب الذي يغذيها ويضمن بقاءها، ألا وهو ظلمات ومرارة “الظلم” سواء على المظلوم أو شاهده.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد