«إن الوحدة الإسلامية تجمع آمال الشعوب الإسلامية، وتساعد على التملص من السيطرة الأوروبية، والتبشير عامل مهم في كسر شوكة هذه الحركة، من أجل ذلك يجب أن نحول بالتبشير اتجاه المسلمين عن الوحدة الإسلامية».

كلمات يلخص بها القس سيمون وسيلتهم الأمضى وهدفهم الأعلى من حركاتهم التبشيرية للسيطرة على عالمنا العربي والإسلامي، إنه بث روح الفرقة والخلاف بين أبناء الأمة والحيلولة بينهم وبين كل أسباب توحدهم ليتنازعوا فيفشلوا وتذهب ريحهم، فتصبح البلاد عندئذ لقمة سائغة لهم ولأذنابهم وعملائهم فيجرفوها من ثرواتها ويستأثروا بخيرها دون أبنائها، ولأنهم فقهوا ما غاب عن كثير من المسلمين أن أهم سبب يوحد الأمة هو فهمها لحقيقة دينها، فقد عمدوا إلى إضعاف روح الدين في قلوب أبنائه، وإفراغه من مضمونه وإبعاده عن الحياة ومظاهرها عن طريق عملائهم حكامًا ومستشرقين ومستغربين.

ولعلك تدرك الآن عزيزي القارئ أن هؤلاء لا بد وأن يكونوا بالمرصاد لكل من يدعو إلى هذا الدين بحقيقته التي جاء بها محمد – صلى الله عليه وسلم- لكل من يفهم ويفهم الناس أن الإسلام منهج حياة، وأنه جاء ليحرر الإنسان من عبوديته لأخيه الإنسان، وأنه جاء ليحرر العقل، وليقيم العدل، وليدحر الظلم، وليتعايش أبناؤه مع الآخرين لا ليقصوهم، وأن العمل بهذا الفهم ليس مسؤولية فرد دون آخر، ولكنه مسؤولية الأمة جمعاء، ولذا أوجب عليها أن تعظم أسباب وحدتها، وأن تنبذ أسباب الخلاف بينها، لتقوم بالواجب، ولتؤدي رسالتها التي ابتعثها الله من أجلها، فناداهم: «واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا»، وحدة الهدف منها نصر الله وإقامة منهجه والذود عن حياض دينه ونصر أوليائه، وحذرهم من الفرقة التي تضعفهم وتطمع فيهم أعداءهم فقال: «ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم»، ودعاهم إلى مد جسور التعاون بينهم وبين الآخرين لما فيه صالح البشرية فنادي: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير»، دعوة لكل الناس، وطليعتهم وقدوتهم أمة الإسلام، أن يقيموا بينهم روابط الوحدة وأن يتعاونوا على الخير الذي يعود بالنفع علي الجميع ويحقق إنسانية الإنسان.

والمتأمل في منهج الإسلام يجد أنه وضع قواعد وأصولاً لو فقهها المسلمون لكانت دواعي وحدتهم أكبر بكثير من دواعي خلافهم وفرقتهم، ولعل من أهم هذه القواعد أن تفهم الأمة أن وجود الخلاف أمر طبيعي، بل حتمي، فاختلاف الأفهام واختلاف سعة العلم واختلاف البيئات، والأهواء أسباب ستؤدي حتمًا إلى وجود هذا الخلاف «ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم»، وهذا هو ما فقهه علماء الأمة، فهذا هو الإمام مالك يقول للخليفة أبي جعفر المنصور، والذي أراد أن يجمع الأمة على كتابه الموطأ، والذي قضي مالك في تجميعه وتنقيحه أربعين سنة: لا يا مولاي، لأن صحابة النبي – صلى الله عليه وسلم- تفرقوا في الأمصار ومع كل قوم علم، فإن جمعتهم على أمر واحد تكن فتنة!

ويأتي بعد ذلك أن تفقه الأمة كيف تختلف وأن تتأدب في تعاملها مع الخلاف بأدب النبي – صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام، فابتغاء الحق، والتجرد لما يرضي الله، واحترام الآخر، والحرص على كسب القلوب قبل كسب المواقف، واعتماد الحوار للوصول إلى الحق، والجدال بالتي هي أحسن، كلها آداب لو تمثلها الناس لحل الود بينهم محل التباغض، ولحل التعاون بينهم محل الشقاق، ولعل في الموقف من أسرى بدر بين النبي – صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر وعمر الأسوة والقدوة.

ولعله أيضًا من أهم الأصول التي حرص الإسلام على ترسيخها في نفوس أبناء الأمة جمعًا لقلوبهم، وتقويضًا لكل أسباب خلافهم، أن حدد لهم المرجعية التي يرجعون إليها عند حدوث هذا الخلاف، فجعل القرآن الكريم والسنة المطهرة مرجعًا كل مسلم في تعرف أحكام الدين ونصوصه، وجعل معهما كل مرجعية استقيت منهما كالإجماع والقياس، ولا اعتبار لأي مرجعية أخرى، فمثلاً الإلهام والخواطر والكشف والرؤى ليست من أدلة الأحكام الشرعية ولا تعتبر إلا بشرط عدم اصطدامها بأحكام الدين ونصوصه، ولعلنا جميعًا نفهم أن تحديد المرجعية قبل إجراء أي حوار من أهم أسباب نجاح هذا الحوار، «قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين».

ومنها أيضًا أن وجه اهتمام الأمة إلى أصول الدين لتجتمع عليها، وهي كل معلوم من الدين بالضرورة، وكل ما ورد فيه دليل قطعي الثبوت قطعي الدلالة، وألا تعتبر الخلاف في الفروع سببًا يمزق وحدتها ويفرق جمعها ويولد الشحناء والبغضاء بين أبنائها، وأن تعلي بينها قيمة الحوار بآدابه في جو من الحب والألفة بغية الوصول إلى الحق من غير أن يجر ذلك إلى المراء المذموم والتعصب.

ومنها أن جعل لها قدوة تتأسى بها، تلزم سنته وتعض عليها بالنواجذ «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا»، فكل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم – صلى الله عليه وسلم- وأن تفقه كيف أقام المجتمع الذي أنشأه هذه السنة، وهو مجتمع صحابته الكرام – رضي الله عنهم أجمعين- فهم الذين فقهوا حقيقة هذا الدين، وعاشوا بها، وحذرها من أن تحدث في هذا الدين ما ليس منه، ومع ذلك أوجب عليها أن تفهم ما السنة التي يجب أن تلزمها، وما البدعة التي يجب أن تحاربها، وكيف تقضي عليها بأفضل الوسائل التي لا تؤدي إلى ما هو شر منها، وأن تفهم ما البدعة التي يختلف الناس عليها، حيث يعتبرها البعض أمرًا حسنا لا شر فيه، ويعتبرها البعض الآخر بدعة تجب محاربتها، ومثل هذه البدع لا تكون سببًا للتفرق في الدين، والنقاش حولها مطلوب، ولكن في جو من الألفة والمودة والسعي المخلص للوصول إلى الحق، كالبدعة الإضافية والتركية والالتزام بالعبادات المطلقة.

ومنها أيضًا دعوته إلى أن نسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية، وأن نقف جيدًا على مضمون ما نتفق أو نختلف عليه؛ فالعبرة بالمسميات لا بالأسماء، فكثير من القضايا الخلافية بين الناس أصلها عدم فهم أو تحديد موضوع الخلاف.

بهذا الفهم يتعايش المصلحون، وبهذا الفقه لحقيقة دينهم يتعاملون، حتى قدر الله لدعوتهم أن يتجمع حولها الملايين، وأن تعم كل فئات المجتمع، بل أن تحتوي كل المذاهب الفقهية على اختلافها، وأن تنتشر في كل بلاد العالم، وأن تكسب احترام العدو قبل الصديق، ولعلك الآن عزيزي القارئ قد أدركت سبب ذعر الغرب المستعمر وعملائه منها، وسبب تجمعهم عليها، وتوجيه سهامهم إليها، ففي ظهورها تقويض لعروشهم، وذهاب لملكهم، وتبديد لأحلامهم، وقضاء على مصالحهم، دعوة تجمع شمل الأمة، وتوحد كلمتها، وتوجه جهودها إلى ما يحقق عزها ومجدها وسيادتها وريادتها، فالله نسأل أن يؤلف بين قلوبنا وألا يجعل للشيطان مكانًا بيننا، وأن يهيئ لهذه الأمة أمرًا رشدًا يعز فيه أهل طاعته ويذل فيه أهل معصيته، إنه سميع قريب مجيب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد