الوالد في حجرة ولده، علم مصر، صور الشهداء، علم حماس لم يغب عن الحجرة إلى جوار صورة كبيرة لأحمد يس. ألم لازال يعتصر الوالد، صراع يدور في صدره ويعتمل في عقله ماذا جنى ولدي جراء قناعاته التي لم تكن يوماً سيئة، لم تكن يوماً ضارة؟! لم يعرف قدري جيداً، لم يكن يوماً باراً بي إلا بعدما صارت له قناعات ومبادئ.

 

ما الذي يجعل دولة كاملة بكل أجهزتها تحارب ولدي وتحاربني أيضًا؟ ماذا جنيت حتى أُحرم من فلذة كبدي ويقضي زهرة شبابه بين جدران الزنازين؟ متى رأى مني جيراني شرًا حتى يحملوا لي ولولدي كل هذا الحقد والحنق والعداوة؟ منذ متى كنت أُحرض وولدي على ما يخل بهيبة الدولة؟

 

طيلة حياتي أقوم بما يقوم به كل الناس تجاه وطنهم وأهليهم، لم أتأخر يومًا عن واجب وطني قط! طيلة حياتى أعيش في كنف الدولة وألتزم أوامرها، إن قالوا يمينًا يمنت، إن قالوا يسارًا ذهبت، طيلة حياتي من بيتي إلى عملي إلى المسجد؛ مبدئي (عاش الملك مات الملك).

 

لم أقل يومًا لا، كل حياتي مسير، لم يترك لي أبي فرصة للاختيار ولم تترك لي الدولة فرصة للاختيار مرة، لم أملك اعتراضًا ولم يستشرني أحدٌ غير ولدي، وحتى هذا استشارني ثم خالفني! يبدو أنني طيلة حياتي مسلوب الإرادة، لم أحمِ نفسي ولا أهلي مرة، لماذا لم أقل لا؟

 

لماذا تركتهم يفعلون بي وبولدي ما يفعلون؟ هل أنا الجاني؟ هل ولدي أشجع مني؟ هل لي أن أدفع ثمن لا التي لم أقلها؟ 52 عامًا لم أقل لا مرة، ولدت في زمن الزعيم الخالد المُلهَم الذي لا يُخطئ ولا يأتيه الباطل من بين يديه، قالوا لنا إنه لولا هذا البطل ما قامت الأمة ولظلت ترزح تحت نير الاحتلال، ولظل خير مصر لغيرها، قالوا لنا إنه مؤسس الوحدة العربية وقاهر الأمريكان، رغم النكسة التي سمعناها ورأيناها. صدقناهم، لا أدري كيف، لكننا صدقناهم.

 

كبرنا وخدمنا بلدنا في الجيش المصري وعشنا على ذكريات نصر أكتوبر العظيم، الجيش القاهر، الفاتح خير أجناد الأرض، عشنا في ظل الزعيم الجديد، صاحب العبور والانتصار، قاهر اليهود، كانت خدمتي في سيناء التي لم يكن لنا فيها سيطرة ولا إمرة ولكننا صدقنا أننا انتصرنا.

 

ثم جاء صاحب الضربة الجوية الأولى وصاحب العبور الثاني، صاحب أول ضربة جوية، ساقنا بزعم الاستقرار المنشود 30 عامًا جاثمًا على صدورنا. ثم حين جاء من يقاومه ويسعى لخلعه قاومناه، هه!

 

نعم قاومناه، قاومت ولدي وأصدقاءه، خونته ونهرته، كم كنت غبيًا! حاربناهم حتى عاد لنا نظام قديم بوجه جديد، سنعيش بالحديد والنار مجددًا، لن نجرؤ على قول لا، ومن يقولها يكون بجوار ولدي في الزنازين. للأسف أنا مدين بالاعتذار لولدي وأصدقائه، مدين لثورتهم، لكفاحهم، لنضالهم، لظلمهم.

أنا مِن الجناة؟!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد