في ليلة الرابع عشر من يوليو 1916، يقوم «تزارا»، فيتلو البيان الآتي على مجموعة من أصدقائه في ملهى «فولتير» الليلي: «لقد فقدنا الثقة في ثقافتنا، كل شيء يجب أن يهدم، سنبدأ من جديد، بعد أن نمحو كل شيء، في ملهي فولتير سيبدأ صدام المنطق، الرأي العام، التعليم، المؤسسات، المتاحف، الذوق الجيد، باختصار: كل شيء قائم».

في متحف «نورتون سيمون»، تجد أمامك لوحة «الموناليزا»، ما الذي أتي بها إلى هنا؟ تقترب قليلًا، فتجد أن شخصًا ما قد نقش على وجهها شاربًا ولحية. تستشيط غضبًا، من الأحمق الذي فعل هذا؟ تلتفت لتجد دليلك يضحك: هذه ليست الموناليزا؛ هذه لوحة «الموناليزا ذات الشارب لمارسيل دوشامب»! تهز كتفيك، كيف يضعون هذه القمامة في متحف! تلتفت؛ لتسأل دليلك عن معنى الحروف المنقوشة أسفلها. يخبرك أنها اختصار لـ« Elle a chaud au cu»، تمتعض، لو كنت أفهم الفرنسية فما حاجتي إليك؟ يتدارك الأمر: هذه الحروف تعني: «هي فاتنة جدًا لو نظرت لمؤخرتها»!

الدادائية

الموناليزا ذات الشارب – دوشامب 1919


في العام 1917 يصدر «تزارا» البيان التالي على غلاف العدد الأول لمجلة «دادا»:

«دادا هي تدفقنا، إنها تنتصب سكاكين حربٍ تافهة، ورؤوس أطفال ألمانية … دادا هي الحياة، بدون نعال لغرف النوم، أو ما يوازيها. إنها ضد، ومع، الوحدة، وبالتأكيد ضد المستقبل. نحن حكيماء لدرجة كافية؛ كي ندرك أن عقولنا ستتحول إلى وسائد هشّة. ومواجهتنا للتعصّب والتعنّت هي من واقع كوننا موظفين مدنيين، وأننا نصرّح بالحريّة، ولكننا لسنا أحرارًا. ضرورات ماسّة، بدون اجتهاد أو أخلاقيات. وإننا نبصق على البشريّة. دادا تتوقف ضمن إطار عمل الوعي الأوروبيّ. إنها ما تزال برازًا، ولكن ـ من الآن فصاعدًا ـ نريد أن نتغوّط على كل الألوان المختلفة؛ لنحكم غابة الفن بأعلام قنصلياتنا. نحن قادة السيرك. وستجدوننا نصفر بين رياح مدن الملاهي والأديرة وأحياء الدعارة والمسارح والحدائق والمطاعم…»‏.

الدادائية

غلاف الطبعة الأولى لمجلة دادا من تحرير تزارا. زيورخ 1917


نعود إلى القرن السابق؛ حيث كان العالم الأوروبي قد بلغ حالة «رومانتيكية» للغاية، لم لا؟ العلم يفصح يومًا بعد آخر عن أسرار الكون. انتهى عصر الإقطاعيات. سلطة الكنيسة تقترب من التلاشي. باستثناء بعض الكدر هنا أو هناك، يعم أوروبا ـ في المجمل ـ سلام غريب. يبدو أن الإنسان قد وجد – أخيرًا- أرضًا يبني عليها حديقة مباهجه الأرضية. لكن – بوووم- تأتي حفنة من أساتذة الفيزياء لتضرب كلاسيكيات «نيوتن» وعالمه الميكانيكي في مقتل. آه، يبدو أن الإنسان لن يعرف كل شيء في النهاية، لا بأس. ما زال لدينا عالم مليء بالسلام نعيش فيه. بووم أخرى، طالب صربي يغتال ولي عهد النمسا، لتنقلب أوروبا رأسًا على عقب؛ خلال أربعة أعوام استحالت أوروبا لحلبة قتال، قتال الجميع ضد الجميع.

«الدادا، الدادية، الدادائية»، كلها مسميات لحركة فنية واحدة، ظهرت في العام 1916، بُعيد اندلاع الحرب العالمية الأولى، وبسببها. الدادائية هي فن «اللا فن». فن الثورة على كل شيء. لا توجد معانٍ، لا يوجد غرض من العمل الفني، أنت – المتلقي – المطالب بفهم المغزى من العمل، لا الفنان نفسه. كل ما كان يعتبر فنًا كانت الدادا تطمسه، تعدله، أو ببساطة: ترفضه. الدادا حركة فنية «راديكالية»، كانت تسعى إلى نقض الفن؛ بغية إنشاء فن بديل، فيه لا تقيَّم الأعمال حسب مستواها الجمالي، الدادا لا تعترف بـ«علم الجمال»، لكن على أساس الرسالة التي يحملها. يقول «تزارا»: «إن الرب وفرشاة أسناني هما دادا».

خلخلت الحرب أحلام المواطن الأوروبي، تصوراته عن العالم، ثقته في الإنسان كمخلّص لنفسه بمنأى عن الإله، لكن الضربة هنا جاءت من الإنسان نفسه لأخيه الإنسان. لذا أعلنت الحركة رفضها لكل شيء، الرفض للرفض. «لا منطق»، الرفض هو المنطق!

البداية

في عام 1916، قام كل من «هوغو بول»، و«إيمي هينينيز»، و«تريستيان تزارا»، و«هانز آرب»، و«ريتشارد هوسينسلبيك»، و«صوفي تابوير»، وآخرين بإعلان رفضهم للحرب، ولقيم الفن السائدة في مقرهم الأول: ملهى فولتير. كانت اجتماعاتهم تتم في هذا المقهى، حتى تاريخ إغلاقه، وصارت أعداد الدادائين تتزايد باطراد تحت وطأة الحرب. بعد إغلاق الملهى انتقلت الحركة لمكان آخر. وترك هوغو بول أوروبا، بينما بدأ تزارا حملة لنشر أفكار الدادية، فراسل فنانين فرنسيين، وإيطاليين، وسرعان ما أصبح قائدًا للحركة الدادائية. ثم أعيد فتح ملهى فولتير، إلا أن الحركة بقيت في مكانها «سبيغلغاسي»، «نيدردروف».

أصدرت الحركة مطبوعاتها الخاصة من «زيورخ» و«باريس». حين انتهت الحرب في 1918، عاد الكثير من الدادائيين لزيورخ، أما البعض الآخر فقد ذهب لينشر أفكار دادا في مدن أخرى كـ«الولايات المتحدة».

التسمية

كان اختيار مسمى الحركة لا يقل عبثية عن أهدافها؛ في أحد اجتماعاتهم في ملهي فولتير، يحضر «تريستيان تزارا» معجم «لاروس» الفرنسي، ويضع أصبعه على أول كلمة تصادفه: «دا دا»، والتي تعني حصان الأطفال الخشبي، فيقررون إطلاق هذا الاسم على حركتهم. وهي من المرات النادرة التي تختار حركة فنية اسمها.

انتشرت الحركة كلهيب عود ثقاب في هشيم، يرجع ذلك لأسباب كثيرة، منها: لا عقلانيتها، وهو ما يتماشى مع ما كان يحدث في أوروبا. وأنشطتها الجنونية، معارض فنية تطفح بالقبح، حفلات رقص، أمسيات شعر لا معقول. سهولة الانتماء إليها، يكفيك أن تفتتح معرضًا تضع فيه كرسيًا قديمًا أو لوحة بيضاء تم تثبيت قصاصات أوراق الجرائد عليها لتكون فنانًا دادائيًا. ساعد أيضًا في انتشار الحركة: الصحف التي كانت تجد في أخبار الحركة، وأنشطتها، نوعًا من الطرافة.

الدادائية في الفن التشكيلي

كان للحركة امتدادات خارج الفن التشكيلي، كالمسرح والشعر. وضعوا ـ مثلًا ـ الشعر الصوتيّ الذي كانوا يلقونه في بعض اجتماعاتهم، وهو مجرد أصوات خالية من الكلمات والمعاني. وفي المسرح قاموا بأعمال تنم عن الحيرة والذعر والعبثية والإبهام، واستعملوا فيه الشتائم والألفاظ البذيئة. قال تزارا مرة: «أنتم لا تفهمون ما نعمل، حسنًا يا أصدقائي، ونحن أيضًا لا نفهمه!».‏

وبالرغم من تشعبات الحركة، إلا أنها برزت بشكل رئيس في الفن التشكيلي. جاء في البيان الثالث للحركة:

«هكذا تولدُ دادا؛ من واقع احتياج للاستقلالية، ومن عدم الثقة بالجميع. إن أولئك الذين ينضمون إلينا يحتفظون بحرياتهم. إننا لا نقبل أية نظريات. لقد شبعنا من أكاديميي التكعيبيّة والمستقبلية، ومعامل الأفكار الجاهزة. إننا مثل ريح غاضبة، تمزّق ثياب الغيوم والصلوات، إننا نهيئ لمشهد الدمار العظيم: التحلّل والتشتت؛ إننا نُعِدّ لنضع نهاية لتلك المرثاة، ونبدّل الدموع بجنيّات البحر، اللواتي سينتشرن من قارة إلى أخرى، قيثاراتٍ من المتع الناريّة، تقتلع ذلك الحزن المسمّم.‏ دادا محو الذاكرة؛ دادا محو المعمار؛ دادا محو الرُّسل؛ دادا محو المستقبل؛ دادا الإيمان الكلّي والمطلق بكلّ إله وجد في لحظة عفوية».‏

انتهجت الحركة الدادائية بعض المواضيع المتعلقة بظروف نشأتها، كالصراع والظلم والقسوة وانهيار الحضارة. كان العبث ثمة بارزة في إنتاج فنانيها؛ إذ كان مفهومهم للفن هو هدم الفن لإقامة بديل، فكانوا ـ على سبيل المثال ـ يقيمون معارض؛ ليعرضوا فيها أشياءً عادية، ككرسي أو مقعد حمام أو قفص. بل أكثر من هذا: كانوا يأتون على أعمال لفنانين قدامى؛ فيقوموا بتشويهها، كلوحة الموناليزا سالفة الذكر. سبب هذا صدمة كبيرة لمحبي الفن، كما أنه كان في الوقت ذاته أحد أهم عوامل جاذبية الحركة في ذلك الوقت، خاصة بين الشباب.

أبرز فناني الحركة

«دوشامب» (أمريكا)، «بوتشيوني» (إيطاليا)، «بيكابيا» (فرنسا)، «أرنست»، «آرب»، «تزارا» (ألمانيا).

أبرز الأعمال الفنية

كانت أعمال الحركة تتسم بالغرابة، سواء على مستوى الموضوعات أو التنفيذ. الأسماء التي كانت تطلق على الأعمال كانت هي الأخرى لا تقل غرابة.

الدادائية

«فسقية» – دوشامب 1917


الدادائية

«شيء للتحطيم» – مان راي 1923


الدادائية

«استعراض الحب» – بيكابيا 1917


الدادائية

«مستطيلات مرتبة تبعًا لقوانين الصدفة» – آرب 1917


الدادائية

«اغتيال الطائرة» – إرنست – 1920


الدادائية

«العندليب الصيني» – إرنست 1920


الدادائية

«دعامة المجتمع» – جروز 1926


الدادائية

«الحياة في مدينة عالمية، الساعة 12:05 ظهرًا» – جروز 1919


الدادائية

«روح العصر» – هاوزمان 1920


الدادائية

«أ ب ت ث» – هاوزمان 1920


الدادائية

«مكواة مسطحة بمسامير حديدية» – مان راي 1921


اندثار الحركة

بدأت شعلة الحركة تخفت تدريجيًا في أواسط العشرينات؛ مع تحول الكثير من أبنائها لمدارس أخرى بدأ بزوغها في أوروبا وأمريكا كـ«السريالية»، و«الواقعية الاشتراكية»، و«الحداثية». بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، هاجر العديد من الفنانين لأمريكا، ومات بعضهم في معسكرات النازيين، على يد هتلر، لم تعد الدادائية بنفس النشاط التي كانت عليه أثناء الحرب العالمية الأولى، وانصرف العديد من الفنانين للمدارس الفنية الجديدة. كان من أسباب تفككها، أيضًا، انصراف الناس عنها بعد أن اطلعوا على مضمونها الفارغ؛ فقد قامت على الهدم فقط، ولم تنجح أبدًا في إقامة بديل مناسب.

ربما تبرز لنا بعض التشابهات الحاصلة بين الفن الموجود الآن في البلاد العربية، وما حدث مطلع القرن الماضي، وأدى إلى بروز هذه الحركة. كانت الأحداث السياسية، وطبيعة الواقع، ولم تزل، المتحكم الأول في طبيعة وتوجهات الفن. ربما كان اندثار الحركة كامنًا في طبيعتها؛ من حيث معاداتها لطبيعة الفن، لكنها، وهذا ما يعنينا هنا، كانت هي الأبرز خلال فترة الحرب الأوروبية الأولى. وبدأت في الاندثار، بعد انتهاء الحرب مباشرة. هذا يستدعي للمخيلة بعض الأسئلة التي تثار اليوم عن علاقة الفن الحالي بمستواه المتدني بالواقع السياسي، وأيهما مسبب للآخر. الإجابة بالطبع متروكة لك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد