ما قبل الروضة

في السنوات الأولى من حياة ابنك، أنت تعرف كل الأشياء التي يعرفها، وهو يعلم أنك تعرفها، إذن أنت عالمه ومرجعه ومصدر معارفه الأول والأهم، فاحرص على أن تحسن استخدام تلك المكانة بأفضل ما يمكنك لصالحه ولصالح علاقتك به ومكانتك عنده.

تكون موجودًا إلى جانبه حين يعتدل جالسًا للمرة الأولى، وحين يزحف خطوته الأولى، وحين يقف منتصبًا لأول مرة دون مساعدة، وحين ينطق كلمته الأولى، وحين يبتسم لك أول مرة، وعندما يقهقه عاليًا فيخطف صوت ضحكته شغاف قلبك. وهو في بداياته كلها تلك يرى ابتسامتك العريضة تشجعه، وفرحة عينيك تكافئه، ولهفة قلبك تتلقفه، ويحظى بحضنك الدافئ جائزة ومكافأة له على كل جديد يهديه إليك. أنت بذلك تزرع فيه حب الإنجاز والنجاح، إذ يجد حلاوة الجوائز والمكافآت التي تنعم عليه بها.

أنت بجانبه حين يتذوق طعامًا غير الحليب لأول مرة، فينبض قلبك فرحًا، أنت معه حين يمسك بخشخيشة اشتريتها له فتسمع صوتها سيمفونية رائعة، أنت تشاركه كل لحظة يفعل فيها نشاطًا جديدًا ولأول مرة، حتى إنك تحكي لكل من تلقاه؛ لقد فعل اليوم كذا، هل سمعته يقول كذا؟ هل رأيته بينما…؟ كأنك تسجل تاريخه بحروف من حب على صفحات قلبك.

عندما يبدأ في الزحف، تضع دمية بعيدًا عن متناول يديه. ينطلق هو خلف الدمية، بينما أنت تسحب الدمية بعيدًا عنه رويدًا رويدًا، فينطلق مرة أخرى، وأنت تسحب الدمية مرة أخرى وأخرى، ولمسافة أبعد وأبعد، حتى تقرر في مرحلة ما وقبل أن يدب اليأس في روعه عن طريق الملاحظة الدقيقة لتعابير وجهه، أن تتوقف عن تصعيد مستوى اللعب، فتترك الدمية في مكانها الذي وصلت إليه، فيمسك هو بالدمية فرحًا مسرورًا، ليستشعر لذة النجاح بعد عدة محاولات مضنية لكنها مثيرة. أنت هنا في هذا النشاط الترفيهي تعلمه الأمل، وتزرع فيه المثابرة، وتدربه على الصبر والمصابرة، وتذيقه طعم النجاح، ليستمتع به، فيسعى على أثر لذة هذا النجاح دائمًا نحو هدفه دون كسل أو إحباط. فاحرص على أن تنجح في تلك المهمة التي سوف يكون لها عظيم الأثر تاليًا في غرس روح العزم والإرادة والتصميم.

عندما تلعب مع ابنك لعبة (الغميضة) فأنت تعلمه أن الأب قد يغادر لفترة معينة من الوقت، لكنه سيعود دائمًا، لذا ترى أن ابنك لا يفزع حين يفتقدك في اللعبة، بل يظل يبحث عنك بإثارة وسعادة، لأنه على يقين أنه سوف يجدك، أو أنك سوف تفاجئه بالعودة والظهور من مكان ما لم يخطر على باله، ولأنك سوف تعود ولن تهجره، هو إذن في أمان وراحة.

عندما تلعب معه «خمن أي يد»، فإنك تعلمه عن العلاقات المكانية والوعي الجسدي. وعندما تجلسان معًا وتشاهدان شروق الشمس أو غروبها، أو تشيران إلى النجوم في سماء الليل، فإنك تساعده في اكتشاف ترتيب للكون لم يحدث عن طريق الصدفة.

إن قضاء تلك الأوقات الأولى من حياة ابنك تغرس الأمن والأمان في قلبه وتشعرك بالسلام الداخلي والراحة القلبية. وفي كل تلك الأوقات يكتشف ابنك الكون من حوله، ويتعرف إلى البيئة التي يحيا داخلها، وفي كل مرة يكتشف فيها شيئًا تسبقه أنت في المعرفة، فتكافئه في كل اكتشاف بابتسامة أو ضحكة أو تصفيق أو صيحة تعجب أو إعجاب، فتوثق اكتشافه بتعبير يغرس فيه الفضول وحب المعرفة وروح الاكتشاف والبحث والتعلم.

كلما نظر ابنك حوله ورآك بجانبه شعر بالأمان، وكلما افتقدك في لعبة ثم عثر عليك تعود الأمان في افتقادك حيث يستشعر أمل ظهورك مجددًا، فلا يشعر بعدم الأمان طالما تيقن من عودتك إليه. تصطحبه أمه إلى جدته أو مكان آخر لا يراك فيه، لكن الأمان لا يفارقه، فهو على موعد معك، طال الفراق أم قصر.

هذه الحالة من الأمن والأمان ضرورية لنشأة ابنك نشأة سلام وصحة نفسية، فلا تفرط في دورك فيها أبدًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد