اأنهاد كل منا أن يبدأ تعامله مع كل جهاز جديد أو آلة حديثة أو مخترع غريب عنه بالاطلاع على دليل الاستخدام الخاص به. ويشمل الدليل في الغالب على كل ما يحتاجه المستخدم من أدوات وطرق التشغيل والصيانة واحتياطات الأمان.

لكن الطفل الجديد ليس كذلك، يهل هلال المولود الجديد بالبهجة والسرور، واللذين يطغيان على التفكير في استراتيجيات التعامل معه، عناية ورعاية، وتربية وتزكية، وحفظًا وتأمينًا، ثم تطويرًا وتنمية. يبحث الأب عن دليل مفصل يسير على هداه فلا يكاد يجد، نعم يجد إرشادات ونصائح هنا وهناك، لكنه يفتقد الدليل الكامل الشامل المفصل الذي يرشده في التعامل مع كل جزئية أو سلوك منفرد لطفله، الذي هو أهم وأولى وأغلى عنده من كل آلات وأجهزة الدنيا.

ورغم الكم الهائل من النصائح والتوصيات والإرشادات العامة، لكنه لا يجد فيها تفصيلات دقيقة في التعامل مع عدد كبير من التصرفات والمواقف اليومية، والتي تختلف من طفل إلى آخر، وربما لا تتناسب كثير من النصائح مع شخصية طفله، رغم كونها نصائح مفيدة وصالحة فعلًا، لكنها ربما تناسب طفلًا ولا تناسب آخر، فلكل طفل بصماته السلوكية والوجدانية والعقلية التي ينفرد بها عن العالم كله.

لذا كانت مراجع تربية الأبناء تنتهج منهج غلبة الظن في نجاح الوسائل، فتعتمد بشكل كبير على الكليات لا الجزئيات، وتحدد الأطر العامة أكثر مما تدقق على التفاصيل، ليكون كل بيت أمة وحده.

من هنا كان الحديث في التربية عامًّا أكثر من كونه خاص السمت والمنهج، وما يصلح لابن ليس شرطًا أن يصلح لغيره، لتنتج مدارس تربوية ونماذج ناجحة هنا وهناك يقتدي بها الآباء، يستفيدون من هذا ومن ذاك، لكنهم لا يشعرون أبدًا بأن من الحكمة اتباع مربٍّ من الألف إلى الياء، لكن المربي الناجح هو من يرفع شعار؛ الحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحق الناس بها.

ونحن هنا نقرر تلك النتيجة النهائية، نقدم ما نراه مفيدًا، لكننا لا نزعم أنه يناسب الجميع، ربما يجده البعض مفيدًا ناجحًا، وربما يجده آخرون في الوقت نفسه غير مناسب، لكننا ننصح أولًا بإعادة التفكير في تقييم بضاعتنا، وثانيًا بوضع لافتة؛ كل يؤخذ من كلامه ويترك، فيأخذ ما يراه مناسبًا، ويترك ما سواه، ويدعو لنا بظهر الغيب في الحالين بالإخلاص والقبول.

استمتع بالنظر إلى ابنك:

عندما تنظر إلى ابنك ترى فيه نفسك، نعم ترى صورتك حين كنت في عمره، ترى نفسك قبل أن تغيرك كل الهموم والمسؤوليات والمواقف العصيبة، ترى صورتك قبل أن يتأثر مظهرك بنواتج الجد والاجتهاد والتعب والإرهاق.

انظر إلى ابنك، إلى هذا الوجه الطفل البريء، إلى هذا الصبي اليافع، إلى هذا الشاب الوسيم، إلى هذا الرجل المقبل على الحياة، أيًّا كان عمر ابنك فإن النظر إليه يعود بك إلى حال أجمل مما أنت عليه الآن.

انظر إلى ابنك، إلى تلك النعمة الإلهية، إلى تلك الهبة الربانية، إلى تلك العطية السماوية، إلى تلك المتعة الروحية، انظر واستمتع بتلك النظرة الأبوية الحنونة العطوفة المحبة الحانية.

لا تخجل إذا رآك تنظر إليه، لا تتردد حين يكتشف مراقبتك لملامحه، لا تنسحب إذا وجدت منه تعجبًا وتساؤلًا عن سبب تلك النظرة الطويلة، لا تدع استفساره يقطع عليك فرحة قلبك التي تملأ عينيك.

أجل دون أن تحرم نفسك هذا الجو الجميل، قل له بكل صدق؛ ما شاء الله! هذا ابني الذي دعوت ربي أن يرزقني إياه، هذا ابني الذي لم أحلم يومًا بأروع منه، هذا ابني الذي أرى فيه مستقبلًا جميلًا واعدًا، هذا ابني الذي يملأ قلبي حبًّا وحياتي شغفًا ووجداني فرحًا ويزيدني في الحياة أملًا.

ربما لم تفعل ذلك من قبل، أو أنك فعلتها لكن نظرتك لم تستغرق أكثر من ثوانٍ معدودات، أو أنها طالت نوعًا ما لكنك لم تكمل الرحلة. فكر، وبادر الآن بالغوص في أمواج هذه التجربة الرائعة، دعها تحملك، خفف وزنك واترك نفسك بين يديها، سوف تجد سلامًا في قلبك لم تجده من قبل، قم الآن قبل أن تثقلك الأعذار.

كن بطل ابنك الأول:

عندما ينظر إليك فإنه يرى بطلًا في عينيه. حتى إن تخيلت أن تلك الصورة ليست واقعية، فمن الأفضل أن تحافظ عليها دائمًا حية، وإن كنت على قناعة بأن في ذلك ادعاء وكذبًا، فقد حان الوقت لتقوم بتصحيح مفهوم البطولة عندك.

بينما ابنك ما زال طفلًا صغيرًا، اذهب إلى مستواه في اللعب، لا تصر على أن تنتشله من مستواه، إياك أن تفكر فيه كشاب يافع عاقل راشد، لاعبه بقواعد ألعاب مرحلته العمرية المناسبة له، ستكون بطلًا إذا نجحت في تلك المهمة.

لا تعتذر عن اللعب معه، لا تكن جاهلًا بما يحب من ألعاب، العب معه (حجر ورقة مقص)، استمتع معه في لعبة (الاختباء والبحث)، تسابق معه في الجري أو القفز أو فيما يحب، العب مختلف ألعاب الكرة، وادفع بالبالونات في الهواء، أو مهما كان يفضل من ألعاب، حتى إن رأيتها في وجهة نظرك ألعابًا تافهة لا معنى لها، فإن ابنك يرى متعة اللعبة ولا يبحث في أيديولوجيات اللعب وأفكاره واتجاهاته وفوائده وغير ذلك، وهو هنا محق إلى حد كبير، إنه (لعب)، فهو لهو ومرح أولًا وآخرًا. ستكون بطله المفضل بلا شك حين تشاركه كل ما يحب.

سوف يكبر ابنك بالتأكيد، لن يظل طفلًا، سوف يدنو من مرحلة المراهقة، سوف تتغير فيه بعض الصفات وكذلك الميول، وسوف تتغير نظرته إلى تفاصيل اللهو واللعب، وسوف تتغير فكرته عن المرح، وبالتأكيد سوف تتغير معايير البطولة لديه، لكن كل ذلك لا يمنع أن تظل في نظره بطلًا، فقط سوف تتغير معايير قياس البطولة، وسوف تحظى بها ببساطة، هذا دورك، وتلك مهمتك، إن نجحت فيها، كنت بطلًا فعلًا مستحقًّا لنظرة ابنك إليك.

يدنو ابنك من أن يكون مراهقًا، فتتغير نظرته إلى البطولة ويتغير مفهومها لديه، كن على استعداد لذلك. كن دائمًا أنيقًا نظيفًا جميل المظهر حسن الهندام تكن بطلًا. كن صاحب دخل جيد يكفي البيت مؤونته ويلبي احتياجاته تكن بطلًا. كن صديقًا صدوقًا ودودًا ناصحًا أمينًا حافظ سر تكن بطلًا.

سوف تظل بطلًا في عينيه طالما كنت موضع احترام وتقدير، تمنحهما أولًا، ثم يمنحهما لك من حولك عن حب وطواعية.

سوف تظل بطلًا في عينيه ما دمت تستمع وتنصت باحترام وتقدير، وتصبر وتتأنى وتحلم، وتواجه المشاكل والمصاعب والأزمات بعزم وإرادة، وتحل المشكلات بحكمة وذكاء، وعندما لا تهرب من التحديات، سوف تظل بطلًا.

لن يخدش بطولتك اعترافك بعدم امتلاك إجابة سؤال صعب، أو عدم إتقان مهارة بعيدة عن إمكاناتك، أو عدم امتلاك ثروة طائلة تتباهى بها وتتفاخر، طالما كنت دائما تبذل ما في وسعك. حافظ دائما على أن تكون بطل ابنك الأول.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد