كان واضحًا منذ البداية أن التجربة الداعشية مقصود أن يكتب لها النجاح؟!
وكان الناس في انقسام حول صعودها وتمددها، أو انحسارها وتلاشيها، وكنت واحدًا من الذين يؤمنون بأنها إلى انحصار بدون تلاشي لأنه كان واضحًا منذ البداية أنه يمكن تحجيم نطاق نفوذ الدواعش، وإيقاف تمددها المقصود والمرتب له، وأن صعودها كان لعدة أغراض تحدثت عن بعضٍ منها في مقال لي بعنوان الطريق إلى داعش.

فهي من ناحية عامل من عوامل التشتيت المهم جدًّا للناس لينظروا ماذا سيفعل بهم المسلمون، أو على الأقل التيار الإسلامي إذا حكموا بالشريعة التي تتغنى داعش ليل نهار أنها تقيمها بين الناس، كما كان يفعل أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، رغم أنهم في الحقيقة ما طبقوها إلا على طريقة الحجاج، بل إن الحجاج بالنسبة لما يفعلونه حملٌ وديعٌ.

ومن ناحية أخرى، فداعش أداة جيدة لتسويق نظريات كل الشامتين والمحاربين والرافضين لتحكيم الشريعة، على أن هذه هي الشريعة، وأن ما يفعلونه، يفعلونه وفق نصوص وأحكام مدونة في كتب الفقه، وليس من رؤوسهم، وأن كل من حدثونا عن أن الشريعة ليست كما كنا نقول كانوا يمارسون معنا ومعكم التقية. ولديكم تجربتان التجربة الإخوانية في مصر، والتجربة الداعشية في العراق والشام.

يعطي هذا انطباعًا راسخًا يؤدي لعدم ثقة الجماهير بكل من يتحدث بنفس المنطق أو اللسان، وهو الحديث حول الجهاد ورفع لواء الشريعة، أو أن ما تفعله داعش ليس ما نريده ولا نتصوره، فالتمييز أصبح صعبًا «بالنسبة لعامة الناس».

إعطاء المبررات، وهو في الحقيقة تهديد يؤدي إلى تمسك بعض الشعوب بحكامهم الظلمة، فالتجارب التي مرت بها البلاد المجاورة خير دليل، وما تفعله داعش يفوق ما تفعله الأنظمة القمعية المجرمة أثناء فترات حكمها.

استخدم داعش كشماعة يتوقف بسببها كثير من الدعم الذي كان يراد له التوقف لدعم المجاهدين في سوريا، لأن ما يفعله الدواعش أصبح مانعًا وحجةً رغم أن المليشيات الكردية في سوريا والمليشيات الشيعية في العراق تفعل ما يفعله الدواعش، لكن بثوب غير إسلامي لهذا تساعدها الولايات المتحدة والحلفاء وتساندها في محاربة داعش السنية، أما دواعش الكرد والمسيحيين والشيعة والإيزيديين فلا بأس بهم.

تجمع أكبر عدد من المؤمنين بأفكار داعش من حول العالم، وتسهيل دخولهم وإظهار من كان مخفي عن عيون الدولة والـCIA، فحلم الخلافة طعم جيد فيذهب أحدهم لتشييد حصون الخلافة المزعومة ومساندة الخليفة البائس، وكان من أهم تلك الظواهر هي ظاهرة تمزيق جوازات السفر الخاصة بهم وأوراقهم الثبوتية، ثم تسلمهم جواز سفر الخلافة الذي أقصى ما يمكن أن يفعل به هو التجول داخل صرح الخلافة، أو الذهاب عند البقال لشراء بعض الحاجيات الضرورية، أو إظهاره عند العبور من نقاط التفتيش داخل ذات الصرح. فلا يمكنه العودة، ومن يحاول الفرار في حال سقوط الخلافة الكاذبة سيكون مضطرًا إلى التواصل مع أهله ليتواصلوا بدورهم مع السلطات فيظل الشخص إما مطاردًا في بلاد الشتات وإما ينتهي به الأمر مسجونًا في أحد السجون السرية في بلاد ما وراء القهر.

كذلك ضرب أكبر عدد من المؤيدين لهذا التيار دون عناء يذكر، ويظل أبدًا من نجا منهم شماعة أبدية للنظام الدولي والطغاة في بلاد ما وراء القهر لمحاربة الإرهاب «الإسلامي»، أما الإرهاب الحكومي العلماني والمسيحي والشيعي فلا بأس به، إنه ضمن الخطة.

أيضًا إيجاد ثارات دائمة بين التيار الإسلامي والمجتمع الدولي «مقصود وجودها»، فيظل التيار يبحث عن قصاص يرضيه، ويظل النظام العالمي يستخدم تلك الأفعال المرتبطة بالقصاص كشماعة لكسر هذا التيار، أو تدجينه هو والإسلام.

التسويق الكبير بأن الحل دائمًا لا بد أن يكون علمانيًّا، وأن العلمانية هي الحل كما لو أن الأمر مجرد تغيير الشعار، ورغم أن حافظ وبشار وعبد الناصر والقذافي وبوش وهتلر علمانيين في نظام علماني، ورغم أنه باسم العلمانية قصف الأطفال والشيوخ واغتصبت نساء ودمرت مدن لكن لا بأس فإقامة العلمانية الديمقراطية يستحق بعض التضحيات، وكذا سحق المخالف حتى يدين بدين العلمانية أو يدين بدين الأمم المتحدة حتى لو أعلن تطبيق الشريعة علنًا كما في بعض الدول الحليفة للولايات المتحدة والحلفاء الدوليين.

كذلك الانقسام بين التيار الجهادي نفسه، والدخول في صراع طويل الأمد يحاول فيه كل طرف ضرب الطرف الآخر حتى تعلو رايته فتكون النتيجة هي تضرر الطرفين، وانشغال الجميع بالصراع بدلًا من الانشغال بالتطوير والمراجعة، وتكون حتى المراجعات الفكرية التي تمت في مهب الريح؛ لأن كل طرف سيزايد على الطرف الآخر أنه القوي الذي لا يخشى في الله لومة لائم، وأن مراجعات الطرف الآخر كانت نتيجة خوفه من النظام العلماني وقبوله بالتدجين الدولي، أو محاولة منه لإرضاء «الكفار» أو «المنافقين والصحوات» فنبدأ من مربع أسوأ من المربع الأول الذي كنا فيه.

كذلك إدخال الدول التي تحكمها أنظمة «طاغوتية» مدعومة دوليًّا في هذا الصراع الدولي «المزعوم» لمحاربة الإرهاب، وإيجاد صراع دائم من الأنظمة الطاغوتية والشعوب التي ترزح تحت بطشها، فتزداد تلك الدول ضعفًا وانقسامًا يؤدي إلى مزيدٍ من فروض الطاعة المقدمة من قبل الأنظمة للنظام الدولي، وزيادة قوة النظام العالمي بشعبتيه الرأسمالية والاشتراكية الجديدة، الخاضعتين بدورهما لرأس المال الصهيوني، ونفوذ رجال الأعمال الدوليين، الأمر الذي ليس له أي علاقة بالتنظير الفكري؛ بل بالقدرة على مجاراة المطلوب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد