في الدول المسمّاة بالمتحضرة، مثل أمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وغيرها، يحاسب من يضرب طفلًا أو يعتدي عليه بلفظ أو حركة، أو أي أحد يعرض طفلًا لمشهد قاسٍ، حيث يحدّث أحد اللاجئين السوريين عن واقعة حدثت معه، فقد كان يقطن في الولايات المتحدة الأمريكية، وخرج للصيد في إحدى المرات، واصطاد بطةً على قيد الحياة، وقرر المسكين ذبحها في المنزل؛ ليتناول وجبة شهية من البط مع الأرز والملوخية.

وفي أثناء محاولته القيام بعملية الذبح في حديقة المنزل في أمريكا؛ هربت منه المجنيّ عليها إلى حديقة الجيران، وهي تنزف دمًا؛ فكان أول من وقع عليها نظره طفلٌ صغيرٌ، وما كان منه إلّا أن بدأ بالبكاء من المنظر المريب الذي تعرض له؛ فخرجت والدة الطفل، وراعها مشهد البطة النازفة الغارقة في جروحها العميقة؛ فاتصلت بالشرطة، وقد جاءت الاستجابة فورًا بدورية مكونة من أربع سيارات شرطة، ترافقها سيارة إسعاف، وسيارة دفاع مدني، وسيارة تابعة لمركز نفسي، وامتلأت الدنيا ضجيجًا، وألقي القبض على الفاعل، وزجّ به لأسبوعين في السجن، ودفع غرامة مالية طائلة كلفته ثمن مئات البطات.

والجدير بالذكر، أنّ الطفل تم إسعافه إلى مركز تأهيل نفسي طبي، تحت إشراف أطباء نفسانيين، ومشرفين اجتماعيين؛ لأنه – من وجهة نظرهم – قد تعرض لمشهد عنيف وقاسٍ جدًا قد يؤثر عليه سلبًا في مراحل عمره الحالية والمتقدمة، وقد يمارس العنف مستقبلًا، بل قد يعاني من تبعات نفسية؛ لأنه شاهد بطة تنزف!

نقلة سريعة للواقع المعاش في الداخل السوري منذ أيام تم تنفيذ حكم إعدام بقطع رأس مرتد – على حد تعبير «تنظيم الدولة» (داعش) – في ريف درعا السورية، وبمجرد نزول السيف، وبغلظة غير طبيعية عند السياف؛ حتى تدحرج الرأس في غضون ثوان زهيدة، وفاضت نافورة من الدماء، والرأس يتدحرج أمامها!

كلّ هذا المشهد بما يحمل من العنف، حتى أن «يوتيوب» لم يستطع إبقاءه لساعات؛ للأسف لقد كان واقعًا، وعلى مرأى من حشد جماهيري كبير، ومن بينهم العديد من الأطفال، إن لم أقل جلّهم من الأطفال، وكذلك قبلها بفترة تم قطع يد سارق، وكذلك الأمر كان من بين الحضور أطفال، بل غالبيتهم أطفال، حسب ما أوضحت صورًا قاموا ببثها.

فأساس المشكلة العصيبة ليس تنفيذ الحكم فحسب، فالقاتل قَتل، وأخرج نتنه وغيظه، والمقتول قُتل وذهب لربه، ولكن الكارثة الكبرى تكمن في الحشد الذي كان يتابع هذا المشهد عن كثب، والمأساة أن جلّ هذا الحشد أطفال في عمر الربيع.

فما الذي ينتظر سوريا في قادم الأيام؟ إذا كان الأطفال اليوم يشاهدون القتل، وقطع رؤوس، وقطع الأيدي والأرجل، ومشاهد الدماء المتدفقة بغزارة، تلحق بها الرؤوس، فما المستقبل المنتظر للطفل الذي يشاهد هذا العنف بأم عينيه؟

التساؤل الذي يثير الاهتمام: هل تجميع هؤلاء الأطفال مقصود؟ أم أنه أمر عابر؟ أم أن هؤلاء أيضًا أحضروا عنوة – كغيرهم – ليتابعوا أفلام رعب شبعوا منها وخشوا على أنفسهم؟ ألا يوجد عقلاء في هذه المساحات؛ فيبعدوا هؤلاء الأطفال عن مثل هذه المشاهد المخيفة للكبار قبل الصغار!

ألا يوجد أب عاقل؛ فيسعى ليبعد بنيه عن هذه المشاهد الكارثية، أم أنّه – كابنه – مجبور على المتابعة على مضض؟

ألا يوجد شرعيون لحاهم تكاد تصل لفروجهم، وبإشارة من أصابعهم تنفذ هذه الأحكام، ألا يشيرون أن أبعدوا هؤلاء الصغار عن مسرح الجريمة، أم طاب لهم ذلك، وأرادوا للأطفال أن يخشوشنوا، أم أنهم بالفعل هم من يريد للأطفال وغيرهم أن يصبحوا سفّاكين للدماء؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد