بعد مرور سنوات على ظهور «داعش»، تصدرت أنشطته الإرهابية خلالها جدول أعمال مراكز التفكير بشكل شبه يومي، يواصل التنظيم الحفاظ على قدر من الغموض في عيون الكثير من دارسيه، وبالرغم من الاعتقاد السائد بأنه ليس إلا امتدادًا طبيعيًا لحركات متطرفة نشأت سابقًا في المنطقة وعلى رأسها القاعدة، يحمل التنظيم الأحدث عددًا من نقاط القطيعة (انظر الجدول أدنى المقال) لا يفوقه سوى عدد نقاط الاستفهام التي لا يزال يثيرها.

في المرحلة الحالية، لا غرابة أن يتزامن الحديث عن إشكالية عودة مقاتلي داعش الأجانب إلى بلدانهم الأصلية مع قرار تخفيض رواتب هؤلاء (إلى حدود 400 دولار حسب أرقام المرصد السوري لحقوق الإنسان) وتراجع إيرادات التنظيم من 1,9 مليار دولار سنة 2014 إلى 870 مليون دولار خلال السنة المنقضية، بناء على تقرير حديث صدر عن المركز الدولي لدراسة الراديكالية والعنف السياسي التابع لقسم دراسات الحرب يكلية كينغز لندن. يؤكد المعطى الأخير، الذي يشبه إلى حد بعيد أخبار تسريح الموظفين وموجات البطالة المنجرة عن صعوبات اقتصادية، إغفال أغلب الخبراء لجانب شديد الأهمية عند تحليل ظاهرة المنظمة الإرهابية الأكثر ثراء كما توصف أحيانًا.

إذ اتفقت أغلب الدراسات منذ إعلان ولادة داعش على قراءة دينية – سياسية للحدث، بالتوازي مع القراءة الأمنية التي تتنزل بدورها في إطار معالجة أكثر شمولًا. وهو أمر يمكن في البدء تفهمه بسهولة على ضوء طبيعة خطاب قادة التنظيم ومنحى أنشطته المعلنة. في المقابل، لعبت المقاربة الاقتصادية دورًا تكميليًا في أفضل الأحوال. ويعدّ هذا المنحى تقصيرًا من شأنه أن يمنع النفاذ إلى عمق الظاهرة.

إذ يكشف تحليل البيانات الاقتصادية والاجتماعية لعينة من المجندين الأجانب (3.803 عنصر)، الواردة في تقرير آخر صادر عن المرصد الاقتصادي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التابع لـمجموعة البنك الدولي، عن أهمية المعطى الاقتصادي كأداة لفك شفرات التنظيم وإزالة ما تبقى من الغموض الذي يلفه.

بل تكشف المعلومات الجديدة أن التنظيم ليس سوى تتويج لجملة من الظروف الاقتصادية ولتفاعل هذه الأخيرة مع معطيات اجتماعية وسياسية وثقافية محددة. بهذا الشكل يتخذ التحليل الاقتصادي الصدارة التي يستحقها دون إهمال العناصر الأخرى، وبعيدًا عن كل مظاهر الحصرية في تناول المسألة.

مبالغة في التركيز على العاملين الديني والسياسي

يصبح الإصرار على المقاربة الدينية – السياسية للموضوع أمرًا مثيرًا للريبة حين يصدر عن السياسيين مهما كانت مواقعهم ومنطلقاتهم. إذ تخدم تلك المقاربة عددًا من الأجندات السياسية بشكل مفضوح. ينطبق الأمر على من يبحث عن تبرير للقبضة الأمنية المفروضة على المواطنين ويقايض الحرية بالأمن. وتلك أيضًا حال من تقتصر فرضيات نجاحه الانتخابي على التسليم بأن المشكلة تكمن في ثقافة الآخر بشكل جذري بمعزل عن أية ظروف أخرى.

كما يضحي تجنب المقاربة الاقتصادية أمرًا مفهومًا حين تفضح هذه الأخيرة فشل البرامج الحكومية وتكشف ملفات الفساد، وحين تَـثبت ثانوية الهويات المتشنجة والأفكار الأخروية بالمقارنة مع قضايا المعاش اليومي للكائنات البشرية على هذه الأرض.

لهذه الأسباب لا يمكن انتظار الكثير من الطبقة السياسية بشكل عام. تقتصر الدعوة إذن على المفكرين المستقلين لإيلاء زوايا النظر المختلفة ما تستحق من الاهتمام وفي مقدمتها الرؤية الاقتصادية للموضوع.

في هذا الإطار، يخطئ أيضا من يربط ظهور تنظيم على شاكلة داعش حصريا بالفقر المدقع وتدني مستويات التعليم كمناخ اقتصادي-اجتماعي شامل. لا شك أن تفشي الفقر ينبئ بردة فعل قد تتطور لتتخذ أشكالًا عنيفة، لكن الحركات الناشئة لن تؤول على الأرجح لاتخاذ شكل داعشي. إذ لا يتبنى التنظيم أي أطروحة عن تقسيم الثروة بشكل عام، بل إنه يبشر منخرطيه عبر قنواته الاتصالية غير الدعائية بالثراء (يقتصر التبشير بالجنة على شريحة صغيرة من المجندين الذين يمتلكون مواصفات محددة) في مقابل الفقر وانعدام الفرص الذين سيغرق فيهما أقرانهم المتخلفون عن الجهاد في دولهم الفاشلة.

داعش لا ينمو إلا في بيئة تنعدم فيها الفرص بشكل جزئي (لفئات محددة دون أخرى أكثر حظًا) ويتعايش فيها الفقر المدقع والثراء الفاحش في يسر تام تحت تعلات ثقافية مختلفة، ويتم فيها أيضًا توزيع الأدوار الاجتماعية بشكل دائم بناء على ذلك التباين الحاد.

داعش قطب بارز في سوق العمل

يبدو كذلك جليًا من خلال عدد من المؤشرات الواردة بالتقرير أن داعش في أحد جوانبه ليس إلا أحد كبار المشغلين في المنطقة. قد يبدو الاستنتاج غريبًا في البداية، ولكنه يساهم في رفع الكثير من اللبس. إذ يتضح من العينة أن متوسط عمر الفرد المجند هو 27,4 سنة، في حين يقارب عدد المجندين الذين تلقوا تعليمًا ثانويًا أو جامعيًا 69%. ويفوق مستوى تعليم المجندين الوافدين من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بشكل خاص التحصيل الدراسي لنظرائهم في بلدانهم الأصلية.

في المقابل، يتحكم التنظيم بموارد اقتصادية هامة حيث تبلغ قيمة الأصول التي يمتلكها قرابة 2 مليار دولار حسب دراسة تحليلية صادرة عن مركز بروكنجنز الدوحة في ديسمبر (كانون الأول) 2014 (رقم مطابق لحجم الإيرادات كما ورد في التقرير الحديث؛ مما يتطلب شيئًا من التدقيق). كما يجني مداخيل يومية يقدرها الخبراء من 2 إلى 3 مليون دولار من ضمنها عائدات بيع ما يقارب 30.000 برميل من النفط الخام يوميًا.

صادف تراكم هذه الموارد ولادة تجربة استيطانية فريدة من نوعها. استيطان سريع يبدو غريبًا عن ثقافة المنطقة (باستثناء النموذج الإسرائيلي) وعن المفهومين الديني والتاريخي للهجرة السائدين فيها. وبدا الأمر في نظر البعض أشبه باكتشاف العالم الجديد وتوفر الفرص فجأة للتملك والزواج والربح السريع.

أبعد من ذلك، يتبنى التنظيم مبدأ دولة العناية التي تقدم معونة اجتماعية سخية لـرعاياها (لا يمكن الحديث عن مواطنين في هذه الحالة)، في وقت تتراجع فيه دول المنطقة عن الاضطلاع بهذا الدور أسوة بعديد الدول التي سبقتها على درب النمو.

الحالة التونسية كنموذج

يستقطب التنظيم عمالة تفوق مؤهلاتها العلمية التوقعات الأولية كما يثبت من العينة موضوع الدراسة الصادرة عن مركز بروكنجز. لعلّ الأمر يحمل تفسيرا للعدد الكبير من التونسيين المنظمين لداعش بالنظر للحجم الديمغرافي المتوسط لهذا البلد. حيث تستفحل البطالة في أوساط الحاصلين على شهادات عليا وتعجز المؤسسات العمومية والخاصة ذات الطاقة التشغيلية المتواضعة عن استيعاب عدد متزايد من خريجي الجامعات. لا تزيد هذه الطاقة مثلًا عن 12.000 في مجموعة بولينا المتصدرة للقطاع الخاص في أكثر من مناسبة، وهو نفس الرقم تقريبًا بالنسبة لشركة الكهرباء والغاز إحدى أكبر الشركات الوطنية في تونس. ويتراجع هذا الرقم إلى الثلثين أو النصف بالنسبة لمؤسسات عمومية هامة، في حجم البريد التونسي (9.000) والشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه (6.000). وهي في الحقيقة أرقام ليست بعيدة عن التقييمات المتداولة لعدد التونسيين المنتمين للتنظيم (تتراوح بين 2.500 في أدنى التقييمات و10.000 في أقصاها). يبدو من هذه الزاوية الغريبة نوعًا ما أن داعش ليس إلا أحد كبار المشغلين للشباب التونسي.

تتقاطع بيانات تقرير البنك الدولي مع أرقام وردت في تقرير آخر من إعداد المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في موفى 2016. شملت العينة في هذه المرة دراسة 384 ملف قضائي منشور أمام المحاكم التونسية ما بين سنتي 2011 و2015. وثبت أن التجنيد يستهدف أساسا فئة عمرية تمتد من 18 إلى 35 سنة (أكثر من ثلثي العينة)، يتمتع أفرادها بتحصيل علمي متقدم نسبيا (44% مستوى بكالوريا أو حاصلين على شهادات جامعية).

الغريب في الموضوع هو أن تقرير البنك الدولي يحمل في طياته إدانة عفوية وغير مباشرة لسياسات تم تبنيها في عديد الدول بتوصية من هذه المؤسسة نفسها. فبلد مثل تونس تحديدا كان يعتبره الكثيرون أحد أنجب تلاميذ المنظمات الاقتصادية الدولية والإقليمية، لكن ذلك لم ينقذه من صورة النموذج السلبي التي اكتسبها اليوم، على الأقل في معرض الحديث عن الظاهرة الإرهابية.

بناء على ما سبق، يُعدّ البنك الدولي نظريًا أبرز المؤهلين لحمل لواء المقاربة الاقتصادية التي اتضحت أهميتها، لكن مع شرط المصارحة والاعتراف بالأخطاء. احتمال حدوث ذلك ضعيف جدًا بلا ريب، بل تبدو الفكرة في حد ذاتها أقرب للدعابة من الجِدّ. لأن الحقائق، في النهاية، لا تؤرق التنظيم فحسب.

القاعدة – داعش: مظاهر القطيعة

(تجد أغلب النقاط المبينة في الجدول التالي مبرراتها في فكرة الدولة التي تميز بها تنظيم داعش عن مختلف الحركات التي سبقته)

القاعدة

داعش

 

التمويل

 

غلبة التمويل الخارجي. غلبة التمويل الذاتي.
 

الاستقطاب والتجنيد

– تميز مجندو القاعدة في الغالب بمسيرة تقليدية نقلتهم من التدين إلى التشدد الفكري ثم التطرف العنيف.

– تراوحت أعمار مجندي القاعدة بين الشباب والكهولة مع وجود نسبة لا يستهان بها من الأربعينيين خلال الصراع مع الاتحاد السوفيتي على الأراضي الأفغانية، حتى أن وجود بعض الشبان صغار السن نسبيا كان يشكل حدثًا بارزًا يتم استغلاله عادة في إطار أنشطة الدعاية.

– باستثناء بعض القادة، يقتصر مستوى جل عناصر التنظيم على المعارف الشرعية مع توفر حد أدنى من تلك المعرفة للراغبين في الانضمام،

– تركيز على العنصر الرجالي لتأمين الموارد البشرية الضرورية للقتال.

– يعد التدين عاملًا هامشيًا في حملات التجنيد الداعشية، بل يبدو أن هناك تجنب للشباب الذي عُرفوا بالتدين منذ فترات طويلة، في مقابل اتجاه واضح لاستقطاب مجرمي الحق العام والميالين للعنف بشكل عام والحالات الاجتماعية الصعبة، – يركز التنظيم على الفئة العمرية التي تسبق سن النضج وهي تشمل أولئك الذين يعيشون أواخر مرحلة المراهقة وكذلك الشباب من الشريحة العمرية الدنيا.

– من جهة أخرى، يبذل التنظيم مساعي خاصة بهدف استقطاب الشبان الحاصلين على مؤهلات علمية أو تقنية (غير دينية) لتأمين إدارة المناطق الواقعة تحت سيطرة التنظيم،

– مع وجود تركيز مساوي على العنصر النسائي لأغراض استيطانية مفهومة.

 

جغرافيّا

 

التخفي والتنقل المستمر داخل مناطق النفوذ. الاستيطان والاستقرار والمبالغة في إعلان مظاهر الحضور في المناطق المسيطر عليها.
 

إيديولوجيّا

التعاون والتنسيق مع الحركات الجهادية الأخرى وعدم الاصطدام معها والحرص على الحشد المستمر دون تغيير الإطار التنظيمي العام. التفرد بالسلطة بحكم التغلب بالاستناد إلى منظومة الأحكام السلطانية والاصطدام المباشر بالحركات المخالفة وفي هذا الإطار تحديدًا يتنزل الإعلان عن الدولة.
 

عسكريا

استهداف القوى والمصالح الغربية كأولوية مع إمكانية استهداف الأنظمة الحاكمة في المنطقة، المتحالفة مع الغرب تحديدًا، في الوقت الذي يراه التنظيم مناسبا. بحكم السعي إلى فرض فكرة الدولة كأمر واقع: التركيز على استهداف المخالفين في المنطقة بشكل رئيسي، سواء كانوا دولًا أو طوائف أو فصائل، واستهداف التحالف الغربي بشكل عرضي لرفضه الاعتراف بالدولة.
 

تنظيميا

غلبة الطابع السري للهيكل التنظيمي. هيكل تنظيمي علني في جزء كبير منه، يحاكي البنية التنظيمية للدول من خلال إحداث وزارات ودواوين وتقسيم المناطق المسيطر عليها إلى أقاليم وولايات.
 

إعلاميا

 

– اعتمدت القاعدة أساسًا على الخطابة في أسلوبها الدعائي، كما هو شأن الحركات التي سبقتها، مع إضافة عنصر الصورة.

– يسوّق التنظيم في دعايته لنمط حياة مختلف تماما عن الغرب يقترب نسبيا من النمط الذي عاشه المسلمون الأوائل قبل قرون.

– في مرحلة لاحقة لتأسيسه، استخدم التنظيم الانترنت في بعض أنشطته.

– فيما يخص المحتوى العنيف، يتم التركيز على عرض مشاهد من عمليات ميدانية تعتمد على المواجهة المباشرة وتجنب مشاهد العنف المسلط مباشرة على الأشخاص، إلا أن المرحلة الأخيرة شهدت بث مقاطع دموية بتأثير ممّن يُعتقد أنهم شكلوا النواة الأولى لداعش فيما بعد.

– يستمد داعش مفرداته الدعائية، سواء على مستوى الشعارات والصور والفيديوهات، من ثقافة البوب الغربية ويتوخى غالبا طرق الإنتاج الهوليودية، بل إن مجلة دابق الصادرة عنه تحمل بصمة صحافة الـبيبول في نواحي عديدة منها!

– يستلهم التنظيم كذلك من مبادئ وأساليب التسويق العصرية المعمول بها في الغرب.

– لا يكتفي بتوظيف عرضي للانترنت ووسائل الاتصال الحديثة في جانب من أنشطته، وإنما يستبطن الثقافة الرقمية كليا في مبادئه.

– لا يتردد التنظيم في عرض مقاطع تمعن في العنف و الدموية لأن ذلك يتماشى أساسا مع الشريحة التي يبحث عنها في إطار الاستقطاب والتجنيد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد