لقد أصبح الإرهاب من أبرز المظاهر الإجرامية التي تهدد الإنسانية، وقد أرجع كثير من الباحثين ما يحدث من أعمال إرهابية إلى التطرف والانحراف الفكري، ومن الجماعات الإرهابية ذات الفكر المتطرف المنحرف ما يسمى داعش.

من أجل مناقشة نشأة وتطور هذا التنظيم يمكن استخدام عدد من المقاربات التي قُدِّمت في سبيل تفسير ظاهرة تنظيم «الدولة الإسلامية»، وتركز على أربع مقاربات هي: السياق وعوامل التشكل، والنصوص الدينية والفقهية، إضافة إلى المقاربة الاجتماعية والنفسية، وكل هذا من خلال تحليل البِنية الفكرية للتنظيم (جذورها وتطوراتها وأصولها وفروعها) من جهة، وفي تحليل الواقع المعقد الذي ظهرت فيه تلك الأفكار من جهة أخرى. وذلك من خلال العودة إلى النصوص الأصلية لمنظري هذا التنظيم مع الأخذ بعين الاعتبار السياق الدولي.

شكَّل تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن ذروة تطور تيارات الخوارج التي صقلها ما يسمى «الجهاد» في أفغانستان، واتسعت لطيف واسع من الأفكار الإرهابية التي تطورت خلال مراحل امتدت من الثمانينيات إلى حين تسلَّم أيمن الظواهري مسؤوليتها، وما أعقب ذلك من انشقاق «لتنظيم الدولة الإسلامية» عنها وإعلان أبي بكر البغدادي أمير التنظيم خليفة على المسلمين في دولة العراق والشام، يقر تنظيم الدولة بموافقته لتنظيم القاعدة في الأصول والقواعد، لكنه يختلف معه في تنزيلها، ويرى أن الظواهري قد انحرف عن منهج القاعدة الجهادي لأنه لا يكفِّر قادة الإخوان المسلمين خاصة بعد أن حكم مرسي في مصر وفق النهج الديمقراطي، ويحمِّلونه مسؤولية انشقاق أبي محمد الجولاني بجبهة النصرة عن تنظيم الدولة الإسلامية، في حين تتهم القاعدة تنظيم الدولة «بالتشدد» وبالجهل في تنزيل أحكام الجهاد على الجماعات والأفراد، وأنهم يبالغون في القتل والتكفير.

من أجل الفهم الصحيح لتنظيم القاعدة وداعش ومن هم على شاكلتهم، يجب الرجوع إلى الأصول الفكرية لهذا التنظيم مع العلم أنهم محسوبون على الإسلام، وحتى اعتقادهم في أن جميع المسلمين كفار إلا من اعتقد عقيدتهم وحمل فكرهم، واتبع سبيلهم، واعتبروا أن جميع بلاد الإسلام بلاد كفر، يجب الهجرة منها، وبذلك استحلوا دماءهم، والبراءة منهم، وكفروا من لم يهاجر إليهم، فمن هم على شاكلتهم من تنظيم القاعدة وداعش يقتلون كل من خالفهم في معتقدهم، وهذا ما يفسر التهديدات الأمنية التي تتعرض لها الدول العربية الإسلامية سواء في الشرق الأوسط أو دول الخليج العربي أو دول شمال إفريقيا من طرف هذا التنظيم الإرهابي، لأن في تصورهم كل من لم يساندهم فهو كافر، وهو موالٍ للغرب وفق عقيدتهم، ولهذا يسعون إلى تمزيق وزعزعة استقرار هذه الدول.

أما فيما يخص أوهامهم في إنشاء دولة إسلامية كما يزعمون، ففيه مجازفات فقهية وجهل بالإسلام والواقع، فقد أشار الكاتب في كتابهم «إعلام الأنام بميلاد دولة الإسلام» إلى أنَّ إمامهم قد تم تعيينه بطريقة القهر والغلبة، وبطريقة بيعة أهل الحل والعقد، وهذا هو الجمع بين النقيضين في وقت واحد، وهو ما لم يحصل في التاريخ كله، إذ كيف يكون ببيعة أهل الحل والعقد ويكون قهرا وغلبة؟ أيجتمع الاختيار والإكراه معا؟، مع العلم أن الكاتب ذكر في بداية كلامه أن العلماء اتفقوا على أنَّ الإمامة تنصب وفقًا لطرق ثلاثة:

الأول:  عن طريق بيعة أهل الحل والعقد من المسلمين لرجل يختارونه، اكتملت في حقه صفات الأهلية المطلوبة للإمامة.

الثاني:  عن طريق عهد الإمام لرجل من المسلمين من بعده، أو لعدد منهم، يختار منهم أهل الحل والعقد إماما.

الثالث: عن طريق الغلبة والقهر بالسيف، عند حلول الفتن وخلو الزمان من الإمام، وتباطؤ أهل الحل والعقد عن تنصيبه، فيشرع وقتها لمن تغلب بسيفه من المسلمين، فأين الأمة المؤمنة التي بايعته؟ وأين ممثلو الأمة المؤمنة؟! اللهم إلا أن تكون الأمة الإسلامية اختزلت في أهل الحل والعقد الذين ذكرهم تنظيم داعش، ومن العجيب حقًا أن تعين أنت أهل الحل والعقد وتعين أمير المؤمنين، ثم تجبر الناس على البيعة وتعاقب من لم يبايع، وكل هذا وأنتم لم  تتمكنوا من الأرض تمكنا بالمفهوم الإسلامي الشرعي الذي يبيح لكم إعلان الدولة الإسلامية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد