مع أن طبيعة أنشطته بعيدة كل البعد عن التسلية، تربط التنظيم علاقة وطيدة بأحد أبرز وسائل الترفيه المعاصر.

ينتمي جل الملتحقين بتنظيم داعش إلى جيل عايش طفرة غير مسبوقة في عالم ألعاب الفيديو المليء بالإثارة. طفرة كمية في المقام الأول، يسّرها التطور الهائل والسريع الذي شهدته في نفس الفترة وسائل الاتصال بشكل عام. وطفرة نوعية أيضا جسّمها تغير ملموس في موضوعات الألعاب وتقنيات إخراجها. لا يفوت من أدرك ألعاب الفيديو في بداياتها أن العناوين المتوفرة في الأسواق حاليا أقل براءة بكثير من تلك التي انتشرت جماهيريا انطلاقا من ثمانينات القرن العشرين. حتى أن فكرة المقارنة تبدو طريفة في حد ذاتها.

جغرافيا، ينتمي مجندو داعش وأنصاره (باستثناء أولئك القادمين من دول غربية) إلى بلدان تكاد تنعدم فيها إجراءات فرض احترام حقوق الملكية الفكرية على المصنفات الجديرة بتلك الحماية، بما في ذلك ألعاب الفيديو. يسهل هذا المعطى النفاذ إلى أحدث الألعاب دون تكاليف تذكر. من جهة أخرى، يساهم انعدام الرقابة الأبوية لتناسب محتوى الألعاب مع أعمار اللاعبين (يكفي النظر إلى الغلاف لمعرفة السن الدنيا الموصى بها) في ظهور سلوكيات غير سوية لدى اللاعبين الأكثر هشاشة من الناحية المعنوية. ويعود انعدام الرقابة غالبا إما لجهل الأبوين المطلق بخصوصيات هذا العالم ومفرداته أو لظنهما بأن مصطلح الألعاب يجعل هذه الأخيرة موجهة آليا للأطفال.

التجنيد والتواصل

في إطار بحثهم المستمر عن طرق مبتكرة وآمنة للتواصل بين مختلف العناصر والشبكات، توصل مهندسو التنظيم ومخططوه في مرحلة معينة إلى إمكانية استخدام بعض ألعاب الفيديو كأداة تواصل لا تثير الشكوك، ويضعف فيها عامل المراقبة. في نفس الوقت، يوفر هذا المجال أرضية خصبة للتجنيد. حيث تيسر العزلة الاجتماعية لمدمني الألعاب عملية استقطابهم. ويؤدي الانغماس التام في أجواء الألعاب إلى تلاشي الخطوط الفاصلة بين الافتراضي والواقعي بشكل تدريجي والسعي لإيجاد هدف نبيل لحياة قد تكون سطحية وبائسة.

تقنيا، يرى خبراء في أمن المعلومات أن الأجهزة الحديثة على غرار البلاي ستايشن 4 (سوني) والإكس بوكس (ميكروسوفت) وويي (نينتندو) تمكن اللاعبين من التنظيم في شبكات وتبادل الرسائل. هذه الخاصية من شأنها أن تتيح وسيلة مبتكرة للتواصل بين أفراد الجماعات الإرهابية. ويمكن لهؤلاء أن يتوخوا طرقا أكثر حذرا وابتكارا. من ذلك إمكانية ترتيب الحجارة في لعبة سوبر ماريو مايكر بطريقة تعطي رسائل مقتضبة حول عمليات محتملة، أو رش الجدران بالرصاص في لعبة كول أوف ديوتي للحصول على كلمات معينة من خلال الآثار التي تخلفها الطلقات. ولا بد من التذكير، في هذا الصدد، بأن بعض الوثائق التي سربها إدوارد سنودن في أواخر 2013 سبق وأن كشفت عن مراقبة أجهزة الاستخبارات الأمريكية لمستخدمي لعبة وورلد أوف واركرافت؛ بسبب شكوك حول استغلال اللعبة في تبادل رسائل بين عناصر إرهابية. بعد عامين من ذلك، حامت شكوك قوية حول لجوء منفذي هجمات باريس المتزامنة بتاريخ 13 نوفمبر 2015 لعدد من الوسائل المذكورة كأداة للتنسيق والتواصل فيما بينهم. ولكن لم يصدر عن المشرفين عن سير التحقيق ما ينفي أو يثبت صحة ذلك. من جهة أخرى، شهدت النمسا محاكمة فريدة لمراهق نمساوي ثبت تحميله لكتيب حول صناعة القنابل واتصاله بعناصر منتمية لتنظيم داعش في سوريا باستخدام جهاز البلاي ستايشن 4 الخاص به، محاكمة أسفرت عن حكم بالسجن لمدة سنتين.

في المقابل، يخشى الكثير من محبي ألعاب الفيديو والناشطين في المجال الافتراضي عموما أن تضخم الأجهزة الأمنية احتمالات التوظيف الإرهابي بهدف بسط رقابتها على عالمهم الخاص.

الدعاية

تعتبر الدعاية من أبرز المجالات التي تأثرت بألعاب الفيديو. حيث تحمل العديد من الومضات الدعائية الداعشية بصمة ميزت عددا من الألعاب الناجحة والأكثر انتشارا وشعبية بين الفئات الشابة. في دراسة أجراها خافيير لزاكا سنة 2015، وشملت تحليل عينة مكونة من 845 مقطع فيديو، قدر الباحث بجامعة جورج واشنطن أن 15% من تلك العينة استلهمت محتواها مباشرة من ألعاب فيديو وكليبات وأفلام شهيرة.

وقد تصبح لعبة الفيديو نفسها وسيلة للدعاية. حيث يدخل أنصار داعش عادة تحويرات على عدد من الألعاب المنتشرة للحصول على نسخ خاصة بالتنظيم تخدم دعايته وأهدافه. على سبيل المثال: قام هؤلاء بتعديل لعبة آرما 3؛ حتى يصبح بإمكان اللاعب أن يتقمص شخصية مقاتل داعشي في مواجهة عناصر من كتائب البشمركة الكردية والجيش النظامي السوري. يتم بعد ذلك توزيع النسخ المعدلة بصورة مجانية على المتعاطفين مع التنظيم الناشطين في إطار المنتديات الافتراضية التي تتمحور حول ألعاب الفيديو. وقد تتجاوز الاستخدامات الممكنة لتلك النسخ الخاصة الأغراض الدعائية الصرفة.

التدريب

يعتمد التدريب الأمني والعسكري بشكل متصاعد على استخدام المشبهات. من يتأمل التطور التقني يلاحظ أن الفوارق بين مشبهات التدريب الاحترافية وألعاب الفيديو قد تراجعت إلى درجة كبيرة. في عالم الأعمال أفرزت هذه الظاهرة أنواعا من التقارب بين الشركات المتخصصة في صناعة الدفاع وشركات تطوير الألعاب. ولا شك أن هذا الأمر من شأنه أن يتيح استخدامات جديدة لألعاب الفيديو بعيدة عن سياقها الأصلي.

في هذا الإطار علق بعض مستخدمي الشبكات الاجتماعية على إثر عملية سوسة (120 كم جنوب العاصمة تونس) التي تمت في 26 يونيو 2015 وتبناها تنظيم داعش أن طريقة التنفيذ تحمل نقاط تشابه متعددة مع أحد سيناريوهات لعبة جي. تي. آي سيئة السمعة . كانت تلك ملاحظة وجيهة تكررت بعد عدد من الهجمات الأخرى على غرار عملية نيس بفرنسا.

إذا افتقر التنظيم لمعسكرات تدريبية في بعض المناطق بحكم الظروف الأمنية المشددة، ليس من المستبعد أن يلجأ، على الأقل جزئيا، إلى بعض ألعاب الفيديو المنتقاة بعناية (خصوص من بين تلك التي تخضع لمبدأ الأنا الرامي) كوسيلة تدريبية احتياطية أو بديلة.

توصف الألعاب عادة بالجادة في السياق التدريبي بشكل عام. لكنها قد تنتهي في كثير من الأحيان كألعاب خطرة، إن شئنا الدقة في التوصيف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد