يرى الخبراء والمحللون والسياسيون أنّ تنظيم «داعش» ما هو إلا مؤامرة أجنبية وامتداد  لسايكس بيكو جديد من أجل إعادة بناء شرق أوسط جديد يهدف إلى تفكيك وتقسيم الدول العربية على أساس مذهبي، وقومي، وإثني، والهدف في ذلك إنشاء دول جديدة قائمة على هذه الأُسس، بغية النيل من مقدرات الأوطان واستنزاف ثروات الشعوب بأسلوب وحشي يضمن نفوذ وسيطرة الغرب في المنطقة.

وتُشكل جمهورية الموت الأداة المثلى لتحقيق مشروع «الفوضى الخلّاقة»، المصطلح الّذي جاء على لسان وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة «كونداليزا رايس» Condoleezza Rice عام 2005، مستغلين في ذلك نقاط ضعف العرب من تناقضات التراث الإسلامي والحروب الداخلية، والنعرات الطائفية، التي فرقت صفوف شعوب المنطقة العربية والإسلامية على حد سواء، وأضعفت مناعتها مجمدة لمشروع الوحدة الذي يحلم به كُلّ عربي حر.

أعترف وأنا عربي بأننا مغفلون، فكيف لداعش أن تكون مؤامرة وكل أوراق اللعبة مكشوفة منذ عدة سنوات، لم تحذف من الكتب والصحف والمجلات؟ ويتسابق المنظرون الإستراتيجيون الغربيون في رسم مخططات ووضع نظريات وتأليف كتب تحكي خراب العرب، «وارن كريستوف» Warren Christopher وزير خارجية أمريكا في عهد «بيل كلينتون»  Bill Clintonله نظرة حول إنشاء خريطة جديدة للعالم عامة والعالم العربي والإسلامي خاصة، في جانب آخر يزعم «فرانسيس فوكوياما» Francis Fukuyama في كتابه (نهاية التاريخ) أنّ العالم في آخر المطاف سيحكم وفق العقيدة الليبرالية، كما قدّم «برنارد لويس»  Bernard Lewisمشروع (حدود الدم) عام 1983 الذي وافق عليه الكونغرس الأمريكي ودخل حيز التنفيذ بعد غزوة مانهاتن في 11 سبتمبر 2001، ويضاف لهم كذلك «هنري كيسنجر»  Henry Kissingerالملقب بعراب السياسة الأمريكية، والّذي له رؤية حول كيفية تفتيت المنطقة العربية، كما قام «ريتشارد ميتشل»  Richard Mitchell في كتابه (الإخوان المسلمون) بتقديم تقاريره الجهنمية للمخابرات الأمريكية، وقال فيها: «لكي ننجح في غزو المسلمين فكريًّا علينا أن نعمق الفوارق الطائفية والمذهبية بين طوائف المسلمين»، وهذا يطابق ما ذكره لورنس العرب في مذكرته أعمدة الحكمة السبعة قائلًا: «أوجدوا إسلامات تُمزق الإسلام ولن تبعث الحضارة الإسلامية من جديد أبدًا!»، وفي السياق ذاته، نجد مذكرات غلوب باشا ووثائق (كيفونيم)، بروتوكولات حكماء صهيون، «مايلز كوبلاند»  Miles Copelandوكتابه لعبة الأمم، «روبرت دريفوس»  Robert Louis-Dreyfusوكتابه لعبة الشيطان ومجلة (armed forces journal) والقائمة لا تزال طويلة.

لقد قطعت أمة اقرأ علاقتها مع الكتاب، حيث أصبح العرب لا يهتمون ولا يكترثون ولا يريدون تغيير واقعهم، وهذا ما يذبحنا، نحن نترك المجال للعدو ليشتغل في ميداننا، بمواردنا، وفي بعض الأحيان ندعمه بدون أن نشعر وبكل غباء وبلاهة وسذاجة غير طبيعية، نردد ونرجح بأن ثمة مؤامرة.

نتيجة هذه المخططات وطغيان الأنظمة العربية والفراغ الثقافي والعلمي الذي أصبح من الصعب ملؤه تشكلت حالة من النوم العام وحالة من الغفلة واللاوعي والكبت النفسي واليأس والإحباط والفقر مما جعل الأمة غير فاعلة، بل مفعولًا بها، ومع مرور الزمن عاش الفرد المسلم يتخبط داخل ماضيه المؤلم الدامي، المحمل بسنوات من الغبن والاقتتال والصراعات وسقوط الخلافة واحتلال الدول العربية ونهب لثرواتها، خرجت أجيال دخلت على القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة بنفسية مشحونة بالحقد والغضب، أجيال بعقلية الخوارج لكنها أكثر فتكًا من فرقة الأزارقة أو النجدات، ونشأت بعض التيارات والجماعات المتطرفة المنحرفة والضآلة التي تعودت على الطنطنة بمشروع دولة إسلامية بأفكار لا تصنع حضارة ولا تجمع أمة، مشبعة ببعض الأفكار الملهمة والخطيرة لسيد قطب رحمه الله التي أعطت شحنة حماسية وروحية وعاطفية دافقة خاصة التي تتعلق بمسألة تكفير المسلمين الموجودين في العالم، والتي قال فيها العالم الجليل الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه: «ابن القرية» والكتاب في (الجزء الثالث): «هذه مرحلة جديدة تطور فيها فكر سيد قطب يمكن أن نسميها مرحلة الثورة الإسلامية، الثورة على كل الحكومات الإسلامية أو التي تدعي أنها إسلامية والثورة على كل المجتمعات الإسلامية أو التي تدعي أنها إسلامية، فالحقيقة في نظر سيد قطب أن كل المجتمعات القائمة في الأرض أصبحت مجتمعات جاهلية ومن هنا تكوَّن هذا الفكر الثوري الرافض لكل من حوله وما حوله الذي ينضح بتكفير المجتمع وتكفير الناس عامة».

وهكذا صنع منطق (إما إسلام إما جاهلية) أفكارًا لا تؤمن بالتغيير إلا بالقوة، لا تحترم حرية الناس مقصية للرأي والرأي الآخر تُكفر هذا وتُزندق ذاك، فانتشرت ثقافة (الأنا) محتكرة لدين رب العالمين «أنا مالك الحقيقة أنا صاحب السلطة أنا الفرقة الناجية حتى ولو أنا أقلية لابد على الأغلبية أن تخضع لا بد لها أن تتكيف وتركع» وقد أضاف العلامة يوسف القرضاوي في نفس المرجع السابق ذكره قائلًا: «ومما ننكره على الأستاذ سيد قطب رحمه الله أنه يتهم معارضيه في فكرته عن الجهاد من علماء العصر بأمرين وهما: الأول السذاجة والغفلة والبله والوهن، والثاني الضعف النفسي والهزيمة النفسية أمام ضغط الواقع الغربي المعاصر وتأثير الاستشراق الماكر»، ويُضيف القرضاوي: «والذين يتهمهم بذلك هم أعلام الأمة في العلم والفقه والدعوة والفكر ابتداء من (الشيخ محمد عبده، مرورًا بالشيخ رشيد رضا، جمال الدين القاسمي، محمد مصطفى المراغي، محمود شلتوت، محمد عبد الله دراز، أحمد إبراهيم، عبد الوهاب خلاف، محمد أبو زهرة، علي الخفيف، محمد يوسف موسى، محمد فرج الصنهوري، محمد المدني، محمد مصطفى شلبي، محمد البهي، حسن البنة، مصطفى السباعي، مصطفى الزرقا، محمد المبارك، علي الطنطاوي، البهي الخولي، محمد الغزالي، سيد سابق، علال الفاسي، عبد الله بن زيد آل محمود، وغيرهم من شيوخ العلم الديني ممن قضى نَحْبه ولقي ربه مثل الذين ذكرناهم وممن ينتظر من أعلام لهم قدرهم لا داعي لتسميتهم».

وقد تصدى العالم يوسف القرضاوي للأفكار القطبية التكفيرية الثورية بكل إنصاف في رسالته المشهورة (ظاهرة الغلو في التكفير) ورد أيضًا شيخ المحققين محمود محمد شاكر على الأستاذ سيد قطب في سلسلة من المقالات حولوها العلماء إلى كتاب اسمه «جمهرة مقالات الأستاذ محمود محمد شاكر» وكانت بمثابة عاصفة علمية ماحقة زعزعت مقالات وبحوث سيد قطب رحمه الله الذي سرب من هنا ومن هناك أفكارًا تبدو كلها عسلًا، ولكن فيها سمومًا مدسوسة ومعزولة صادمة ومُفجرة للدماء تغذي العنف الشامل، متسترة تحت ألوان حزبية مثل جماعة (الإخوان المسلمون) المنحرفة و(الجبهة الإسلامية للإنقاذ) المنحلة وتنظيمات إرهابية راديكالية مثل (حركة طالبان والقاعدة وجبهة النصرة) وحركات دعوية مثل جماعة (التكفير والهجرة) بزعامة القائد الكاريزمي شكري مصطفى المتأثر بفكرة العزلة الشعورية داعيًا لهجرة المجتمع الجاهل الفاسد الكافر.

وضمن هذا السياق، عاش عدد من الجهاديين داخل هذه الفكرة القطبية الخاطئة مثل أسامة بن لادن، أيمن الظواهري، جمال زيتوني، صالح سرية، وعنتر الزوابري، أبو مصعب السوري، محمد عبد السلام فرج المنظر والمفكر الجهادي صاحب كتاب «الفريضة الغائبة»، عبد الله عزام، أبو محمد العدناني، أبو قتادة الفلسطيني، أبو مصعب الزرقاوي، أبو بكر البغدادي، محمد يوسف، أبو محمد المقدسي، هذا الأخير الذي دعا إلى هجرة المدارس والجامعات وأصدر كتابه بعنوان: «إعداد القادة الفوارس بهجرة فساد المدارس». ومن هنا أسست بعض أفكار سيد قطب رحمه الله فقه الجريمة والجنون وطبقه هؤلاء، علمًا أن كل الأنبياء والمرسلين عاشوا في قلب مجتمعات شركية وثنية، وقد عاش البعض منهم في عمق العمران والسياسة والبعض الآخر قريبًا من الحكم ومن مراكز صنع القرار ولم يتخذوا من فكرة العزلة الشعورية أو حمل السلاح الحل الوحيد لهداية الناس رغم ما تعرضوا له من مظالم ورفض واضطهاد، ورغم كل ذلك أحسنوا معاملة الناس بكل إنسانية وبوجهٍ طلق لا بالغضب ولا بالكِبر ولا بالإكراه وحافظوا عليهم حتى من شر أنفسهم، وحتى الله جل جلاله جعلنا شعوبًا وقبائل لنتعارف، لكن عوض أن يجعلوا الدين مصدر رحمة وراحة للبشرية، حولوه إلى شقاء وقلق وقدموا للإنسانية تصورًا قبيحًا لشرع كله جمال، وحاولوا تجميد الأمة في حقبة زمنية قد خلت ودفنت في قبور التاريخ.

موقفي الشخصي من سيد قطب رحمه الله أعترف بأنه كان رجل عظيم وكاتب ومفكر ذكي ومنظر كبير وقدير، ولا أشك في إخلاصه في خدمة الأمة والدين الإسلامي ومسيرته تشهد عليه لأنها كانت مُفعمة بالعطاء والاجتهاد والبذل في الأدب والنقد الأدبي والدعوة إلى الإسلام، ولكنه من البشر وجُهده بشري يُخطئ ويُصيب وكما قال الحافظ الذهبي عن ابن تيمية: «شيخ الإسلام حبيب إلينا ولكن الحق أحب إلينا منه». ونفس الكلام ينطبق على الأستاذ سيد قطب رحمه الله.

أخيرًا، وما يقتضيه الواجب الوطني والواجب الديني وما تحتاجه الأمة العربية والإسلامية اليوم هو سيل من الاجتهادات تُحدث ثورة ثقافية وعقلية ومعرفية وفلسفية وأخلاقية تعيد بناء الفكر الإسلامي من جديد، الفكر الذي يتفاعل مع حاضرنا ويرسم معالم مستقبلنا ويعطي آمالًا لظروفنا وتحدياتنا ويسري بالدولة والأمة نحو ما هو أفضل، ويجعلها حية ومنتجة متحركة مصدرة مبدعة متفانية ومحبة للعمل، السلف اجتهدوا لزمانهم فمن الأحسن أن نجتهد لزماننا، وعلى الطبقات السياسية ومختلف النخب الفكرية وخاصة الإسلامية أن تتعلم وتفيد وتستفيد من أخطاء التاريخ وتستنتج المغزى وتأخذ العبر من كل حدث ومن كل موقف مر به السابقون، عليها أن تدرك أن التغير والإصلاح يبدأ في ميادين العلم والفكر والتعليم والتربية وأن لعبة اقتناص السلطة ما هي إلا مضيعة للوقت، أيضًا علينا جميعا أن نسعى في نشر الوعي والسعي لبناء مؤسسات دولة قوية مستمرة ومستقرة وباقية، توفر الأمن وتكفي الناس وتخرج  كوادر وإطارات تمكن الفرد  والجماعة من الارتقاء في جميع المجالات وعلى كل المستويات. وأخبروا البشرية كلها بأن من يخرج على الناس بالفساد أو يريد إلحاق الضرر بالحرث والنسل ويخاطبهم بالقُبح والفُحش ويزرع الفتنة والخوف في قلوبهم فهو لا يمثل ولا يعبر عن الإسلام، وهو في طريق وهذا الدين في طريق آخر، لأن الإنسان بنيان الله عظيم من خدمه وملعون من هدمه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

داعش
عرض التعليقات
تحميل المزيد