شهدت البلاد فيما انقضى من الأشهر مسيراتٍ شعبيةٍ سِلمية تهتف ضد حكومةٍ تعزى في تنفيذها قراراتٍ إقتصادية تمس مختلف شرائح المجتمع وتؤثر عليها إلى صندوق النقد الدولي وأنه من يضغط عليها حتى تستطيع سد الديون المتراكمة عليها.

مساحة هذا المقال واسعةٌ للغاية، هي تمامًا كآمال الشعب وطموحاته في ظل حكومةٍ جاحدة ووطنٍ مبتور، سأتناول فيها العديد من المسائل والقضايا التي ينبغي الحديث عنها، لقد تابعت الإضراب بشكلٍ يستوجب مني كتابة هذا المقال، لقد كنت أيضًا مشاركًا فيه كمواطنٍ أردني ليس سعيدًا بما تؤول إليه القرارات الحكومية إلى نقطة فراغٍ مخيفة تتخذ منها صحافة الشائعات نقطة محورية حتى تنشر كل ما يتفق ومصالحها، هي وصفة سوداوية تضع الوطن كطبقٍ رئيسي على مائدة التقسيم يكون فيها المواطن المُغّيب عن الوعي والمنطق “جرّاء بهارات التخدير الوطني” هو المُلتهم الشَرِه لوطنه، منه ولنفسه!

الحكومة تزعم أنها تحاول معالجة التحديات الاقتصادية بِفرضها الضرائب على مختلف القطاعات الاقتصادية، البنكية والمالية والتأمينية والزراعية على وجه التخصيص، صندوق النقد الدولي رحب بحوارٍ مع جلالة الملك –بعد مراقبته الأوضاع في الأردن- حيث ركز جيري رايس المتحدث باسم صندوق النقد الدولي على وضع خطط الإصلاح اللازمة لتعزيز جدول أعمال النمو الإحتوائي في الأردن والذي يعني –بشكلٍ مٌبَسَّط- تقديمُ فرصٍ متكافئة للمشاركين الاقتصاديين خلال النمو الاقتصادي مع الفوائد التي يتحملها كل قسم من قطاعات المجتمع مع وجود صلات مباشرة –كتعريف إجرائي- بين محددات الاقتصاد الكلي والاقتصاد الجزئي للاقتصاد والنمو الاقتصادي فنتائج المدى الطويل تعتمد على خيارات السياسة اليوم، علمًا أن هذه الخيارات ليست سهلة، فسياسات النمو المستمر والاحتوائي قد تتضارب مع الاحتياجات القصيرة الأجل.

حسنًا، كانت السطور السابقة توضح دور صندوق النقد الدولي في إجراءه ضبط تدريجي مطرد للأوضاع المالية في الأردن مع التركيز على الحوار الوطني الاقتصادي الذي يركز على عدم المساس بطبقة “محدودي الدخل”، من يقرأ ذلك يشعر أن هناك نوعًا من التعاون بين صندوق النقد الدولي والحكومة، رغم أن الأخير لا يتعاون مع الشعب الأردني بالصورة التي تليق ونصائح صندوق النقد الدولي، مما اضطر الشعب إلى كسر جبروته –أي الحكومة- بالنزول إلى الشارع العام والهِتاف بإسقطاها.

في الأيام الأولى من الإضراب الذي عَم أرجاء المملكة كلها بمحافظاتها وقُراها وبلداتها لم يكن متوقعًا أن تبقى الحكومة على عِنادها بشأن قرار نظام ضريبة الدخل، ليشعر المواطن الأردني أنه ينفخ في “بالون ممتلئ بالفَتحات ومموج بأحجامها المختلفة”، وكأن الشعب ليس من هذه الأرض أو أن هذه الأرض لا تعنيه –هذا كان سببًا في أن يستشيط الشارع الأردني غضبًا- لتمتد رقعة الإحتجاجات من الجنود إلى الوزير!، وكمواطنٍ أردني يخشى على بلاده من هيروين الفاسدين والقرارات المتلكئة للحكومة كان من الضروري أن أشارك أبناء مدينتي إعتصامًا حقيقيًا تصرخ فيه الحناجر الظَمِأة داخل أجساد المرابطين، غَنينَّا بأعلى صوت وحتى أفق السماء “موطني..موطني”، ثم رقصنا بقلبٍ منتكس على أعتاب “بكتب اسمك يا بلادي”، تكاتفنا على شكل حَلَقَة حتى لا نغلق الشارع العام، لم يحدث حراك مع أحد مرتبات الأمن أو حتى تراشق لفظي، كنا عائلة واحدة تُغني للوطن دون أن نهتم بحناجرنا التي أُجهدت، كانت سيمفونيتنا أشد طربًا من موسيقى وتراتيل القرن الثامن عشر- مولد السيمفوينة آنذاك- يكفي أنها لوطنٍ مخذول يكابد أبناءه لإنتشاله من عتمة الضياع.

وقد يكون مضحكًا بعض الشيّء، إلا أنه ورغم هذه الفوضى -وأقصد هنا فوضى الآمال عندما تختلط بالنداء والرجاء لا فوضى الاضراب والهتاف- التليفزيون الرسمي لم يكن حاضرًا، تصَّوروا أنه لم يُغط الأحداث؟ أعلم أنه أمرٌ مُحزن، ورغم أن ذلك آلمني إلا أنني لن أتحدث عنه، ففي مقالٍ سابق بعنوان “مسيرةُ ماذا؟..، أعدها مرةً أخرى” عاتبت هذه المؤسسة الوطنية والتي تتخذ من”مسيرة وطن” شعارًا لها، وأوضحت أن مسيرة التجديد التي تتحدث عنها وليدة أشهرٍ قليلة، وهذا في علم المؤسسات فشلٌ ذريع.

ولأن التليفزيون الرسمي لم يحضر هذه الفعالية الوطنية كان باب الشائعات مُشرعًا لكل الذين يريدون الخراب والدمار، المسألة بإختصار، إضراب عام في كل المملكة دون رقيب إعلامي رسمي يردع الشائعات في ظل واقع إفتراضي شرس مُوجه، مده كمد البحر، الإختلاف يظهر في أن مد البحر يبعث على الهدوء والسكينة بينما مد الشائعات يبعث على القلق والحذر.

مسألة الوعي الشعبي ليست كافية أمام فيضان الشائعات والخزعبلات الإعلامية المدفوعة الأجر ولا تحتمل تدفق الأخبار المكذوبة والمغالطات، لكنني أؤكد لكم أن الوعي الشعبي عند دمجه مع “طُهر النوايا” يكون رادعًا حقيقيًا ضد الفتنة، مسألةُ أخرى جديرة بالذكر وهي أن سرعة الشائعات تتوغل وتتسع كما لو أنها النار في بحرٍ من البنزين!، لذلك نحن نحتاج إلى جدار حمايةٍ قوي يدرأ المباغاتات اللاأخلاقية لعالم الواقع الإفتراضي.

وحتى أُثبت لكم صحة ذلك، لم يمضي على خروجي من مواقع التواصل الاجتماعي تِسعُ دقائقٍ حتى وجدتها كالمزرعة، الكل فيها يحاول قطف الخبر بالطريقة التي تحلو له، ومنهم من يحقنه بهرمونات التهويل، والسعيد منهم من يصل خبره –بشقيه الكاذب والمُهرمن- إلى أكبر قاعدة جماهيرية مُلطخًا الحقيقة بالكذب والأهداف النبيلة بالغايات القذرة، كدنا أن نخسر نضال أسبوعٍ كامل من الإحتجاج السِلمي في دَولةٍ أجهزتها الأمنية نبيلة وفريدة من نوعها في بيئةٍ شرق أوسطية الشامتون –فيها- أشقاء لنا، أشقاء من رحم وطنٍ آخر.

كان الخبر –بمختلف أطيافه ومناوراته وطريقة تحريره- يتحدث عن رجلٍ “طَعَّن” دَرَكِي أثناء مسيرة الدوار الرابع، ليبدأ رواد مواقع التواصل الاجتماعي بالإفتاء الذي يعتمد على المشاهدة السطحية وعاطفة المواقف، دون رؤية متعمقة تغوص في كينونة الخبر ومفرداته ودون رقيبٍ يصطاد حَمَلة بارود التضخيم والجهل، ليس هذا فحسب، بل إن الكذب ذهب إلى مستويات أشد تأثيرًا ونكبة، فقد نُشِر أن الذي أقدم على طعن الدَرَكي من أصحاب الأسبقيات، لتتجه المراوغة –في ظل غياب الإعلام الرسمي أيضًا- إلى مستوى غير معهود، كأن يتفق البعض على أن هناك ثأر بين الدركي والرجل، أو أن تنتشر صورة لشرطي في سيارة الإسعاف وهو ينزف من بطنه، وأنه في حالة سيئة، ثم تُنشر صورة أخرى مُضَلِلَة على أنها رد لإبنة ذلك الشخص وتشد من أزره!.

قبل أن أتحدث عن حقيقة القصة وجزئياتها، يسرني أن أعترف بعدم ثقتي بأجهزة الإعلام الرسمي، فهي من جعلتنا نعيش مخاض تجربةٍ كان يمكن أن نتجاوزها بأقل الهتافات المسيئة لشخصٍ مظلوم، مظلومٌ وهو من خرج ينادي ضد ظلم الحكومة!، مظلومٌ وهو من خرج حتى ينصر الضعيف!، مظلومٌ وهو من تحالف مع الشارع بمختلف أطيافه ومنابته!، مظلومٌ وهو من هتف بإسم الوطن والتضحية من أجله في سبيل النهوض به!، أسفي يا عماه على إعلامنا الحكومي الذي لا يرتقي إلى درجة الحق والحقيقة.

وحتى أوضح لكم حقيقة هذا الرجل العفيف-والذي لا تربطني أي صلةٍ به، حتى لا تقولوا أنني أدافع عن وجه “قرابةٍ” أو “مال” لا قدر الله، لكنني تَعَلَمتُ من الدين الإسلامي في المقام الأول ومن والدي في المقام الثاني أن أكون إنسانًا يقف ضد الظلم وجبروته- كان هناك زحامٌ وتدافع بين المحتجين ورجال الأمن لإسقاط الحكومة المُسِنَّة ، طلب رجل الأمن من الرجل أن يُعطيه”شبريته” والتي قد تشكل خطرًا على صحة أحدهم عند التدافع، الرجل حاول أن يوضح له أن أبناء الطفيلة اعتادوا أن يحملوها أينما ذهبوا، إلا أن الدركي ونتيجة التدافع سحبها، لتجرح يده دون كسر أو حتى قطع أوتار كما تم تداوله.

اسمحوا لي أن أنعى في هذا المقال كافة مصادر الأخبار الرسمية، لن أتحدث طويلًا، لكنني أتمنى من رئيس الوزير الدكتور عمر الرزاز أن يكون جادًا مع منابر الإعلام لدينا.

وأشكر في هذا المقال -ليس ختامًا وإنما تذكيرًا وحُجة على الجاحدين- كافة الأجهزة الأمنية المرابطة والصابرة على تدافعنا وهتافاتنا ضد الحكومة الماكرة، فقد كنتم خير صديقٍ ورفيقٍ وأخ لنا أثناء مسيراتنا، نحن نحبكم، وعليكم أن تصدقوا أنه عند خروجنا نتفق على عدم المساس بكم أو العراك معكم لا قدّر الله، نحن أخوة، همكم هو همنا، والوطن هو الذي يجمعنا.

ومن أكثر الصور التي كانت كطلقةٍ في الروح، صورة دَرَكي يهتف أمامه طفلٌ وردي العمر، يافع الملامح، خصب الجمال، ينادي بإسقاط الحكومة المُسنة -آنذاك- والتي أثقلت بنفسها على كاهل الوطن، إنه يبكي، لكنه لا يريد إظهار ذلك، ما الذي يُبكيك يا رفيقي؟، يا حارس أمننا؟، ما الذي يجعلك مكتوف الأيدي وكأنك تريد عض شفتيك؟، أأنت تفتخر بهذا الطفل؟، أيذكرك بأحدهم؟، أأنت مسرورٌ منّا؟، يبدو عليك الإرهاق والتعب، إنك مشتاق إلى عائلتك أليس كذلك؟، كلها أسئلة تأكلني، أسئلة تأكل صانعها!، يا لفخري بك، يا لحبي لك.

كانت نتيجة مسيرتنا التي تنادي بالإصلاح في كافة مؤسسات الدولة إقالة رئيس الوزراء هاني المُلقي، لِيَلحق بالركب كادره الحكومي، جلالة الملك كان إلى جانبنا، وعندما اجتمع مع رؤساء تحرير الصحف أكد – وهو غاضب- على مكانة المواطن الأردني وأنه ليس من المعقول أن يتحمل أعباء الإصلاح الاقتصادي، ثم تحدث –وهو غاضبٌ أيضًا- عن الوزراء ممن وقفوا مكتوفي الأيدي طيلة فترة توليهم الوظائف، ليتوجه لرئيس الوزراء الدكتور عمر الرزاز بإجراءات استثنائية –في حال تطبيقها، فإن الأردن سيكون في مصاف الدول المتقدمة في غضون سنوات قليلة من العمل الجاد- تُركز على المتابعة والمراقبة والعقاب لمن لا يريد العمل.

نحن إلى جانبك يا جلالة الملك، ولن نُمهد الطريق لأي شخصٍ كان في أن يستولي على مقعدٍ وظيفي خدمةً لمصالحه الخاصة، الوطن فأنت فنحن، وكل من يحاول الآن لدى قراءته هذا المقال أن يتهمني بالتسحيج، سأتهمه بالجهل.

نحن أبناء التسعينيات من يحب الوطن أكثر من غيرهم-واسمحوا لي أن أكون متحيزًا لأبناء التسعينيات- فنحن من كان شاهدًا على نكبات هذا الزمان، ونحن من يكافح حتى يكون وطننا سالمًا مُنعمًا، غانمًا مُكرمًا، هذه الأيام ستكون فيصلًا في تاريخ الأردن العظيم، وشكرًا لكل من ساهم في النهضة، شكرًا لوعيكم يا أبناء التسعينيات، شكرًا لأهدافكم النبيلة، سنبقى هكذا ما حيينا فنحن من شاهد قناة “سبيس تون” وهي من علمتنا مبادئ الكرامة والعفة والصدق والإنسانية.

كنا أطفال الأمس، نحن الآن شباب الغد والتغيير، والله خير حافظا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد