لست أظن أن الدحيح يستهدف نشر الإلحاد ولا أرى أيضًا أن حلقاته دروس علمية. الدحيح واحد من مجموعة برامج تهدف في الحقيقة لتحقيق الربح أو الشهرة الشخصية أو ممارسة هواية التواصل مع الآخرين. وكل مقدم أو منتج محتوى لهذه البرامج يختار الموضوع الذي يرى نفسه متخصصًا فيه أو لديه معرفة به.
فالهدف الرئيس إذا هو جذب المشاهدين، ولأجل هذا الهدف يتم اختيار كل ما هو مثير وعجيب وغريب بغض النظر عن قوته العلمية، أو حتى كونه صحيحًا من الأصل.
إن التوصيف الأدق والأكثر أمانة لهذه البرامج هي أنها «غرائب وطرائف الأبحاث العلمية».

علم أم تسلية؟

تقديم محتوى ترفيهي مبني على أفكار علمية ليس شيئًا سلبيًا بحد ذاته، بل هو إيجابي من حيث كونه يحفز الناس على الاهتمام بالعلم والمعرف، كما أنه ليس شيئًا جديدًا فأفلام وقصص الخيال العلمي تعتمد نفس الطريقة. الأمر السلبي هو إيهام المتلقي بأن المحتوى علمي تمامًا وثبتت صحته يقينًا.
في كتابها The Politics of Fear، انتقدت Ruth Wodak – أستاذة اللغويات بجامعة لانكاستر وجامعة فيينا – خلط الترفيه بالأخبار والخطاب السياسي عمومًا ووصفته بأنه أحد وسائل اليمين الشعبوي الأوروبي لخداع الناخبين.
وأعتقد أن برنامج الدحيح وما يشبهه يقوم على نفس الفكرة التي انتقدتها «روث» مع الفارق أن الخلط هنا بين الترفيه والعلم، وليس السياسة.
إن «خلطة» الضحك والتشويق والمصطلحات العلمية وأسماء العلماء تفتح الطريق أمام مقدم المحتوى ليضع في عقل المتلقي ما يشاء. فالاستمتاع يفتح باب القبول النفسي والمصطلحات العلمية والاستناد إلى ما يسميه المقدم مصادر علمية تعطيه المصداقية والثقة.

أخلاقيات البحث العلمي

ليس من حق الباحث أو مقدم المحتوى العلمي أن يتعامل مع التجارب والأبحاث بشكل انتقائي فيعلن ما يشاء ويخفي ما يشاء. فمن شروط وأخلاقيات البحث العلمي أن يلتزم الباحث بعرض كافة التجارب السابقة بنتائجها ونقاط قوتها وضعفها. وأن يكون هذا العرض متوازنًا فلا يخصص وقت ومساحة كبيرة لاتجاه معين ويتم تجاهل الاتجاه الآخر أو المرور عليه سريعًا دون شرح كاف. ومن لا يلتزم بهذا المبدأ لا يعد عمله بحثًا علميًا وإذا حاول أن يوهم المتلقين بأنه عمل علمي فإنه في هذه الحالة يصبح كذابًا ومدلسًا.

عندما يكون الترفيه هو الهدف أو هو أحد أهداف البرنامج فمن المتوقع أن البرنامج لن يلتزم بهذه الشروط والأخلاقيات العلمية، بل سيركز على ما هو مثير وجذاب فقط.

حلقة محاسن الصدف

في تلك الحلقة قدم الدحيح مثالين منطقيين وصحيحين تمامًا لاستخدام نظرية الاحتمالات، ثم ألحق بهما أطروحة الأكوان المتعددة، وكأنها مثال ثالث منطقي وصحيح كالمثالين الأوليين، وهذه هي المغالطة التي أثارت الجدل.

ما هي أطروحة الأكوان المتعددة؟
هي فرضية تقول إن هناك عددًا هائلًا من الأكوان، وليس فقط الكون الذي نعيش فيه، وأن ظهور الحياة على كوننا هذا ليس صدفة بلا معنى، بل هو نتيجة طبيعية لنظرية الاحتمالات.. حيث إنه في حالة وجود عدد لا نهائي من الأكوان فإنه من الطبيعي – من الناحية الرياضية – أن يكون أحد هذه الأكوان قابلًا للحياة!

ويجب أن نذكر سريعًا وبشكل مبسط الفارق بين النظرية العلمية والأطروحة أو الفرضية العلمية. الأطروحة Hypothesis هي افتراض يطرحه باحث، ثم يبدأ في إجراء تجارب لاستكشاف ما إذا كان صحيحًا أم خاطئًا. أما النظرية فهي مجموعة من الحقائق والقوانين والنماذج العلمية التي تمت تجربتها وثبتت صحتها.

أطروحة الأكوان المتعددة هي فرضية وليست نظرية وسيكون من المجاملة أن نصفها بأنها أطروحة تحت البحث، فهي في الواقع أطروحة غير قابلة للبحث من الأصل. هي لا تقدم تنبؤات يمكننا اختبارها ولم يقترح أصحابها أي وسيلة تجريبية لاختبارها وأقصى ما استطاعوا تقديمه هو تمثيلها في معادلات رياضية، وبالتالي ستظل مجرد أطروحة افتراضية إلى الأبد.

قيمة الإمكانية الرياضية

في مسرحية «مجلس العدل» لتوفيق الحكيم.. يقوم شخص بذبح إوزة، ثم يسلمها لصاحب فرن لكي يقوم بطهيها له. يطمع الفران في الإوزة ويقسمها مع صديقه القاضي، ثم يخبر صاحب الإوزة بأن إوزته قد طارت!
يذهب صاحب الإوزة إلى القاضي المتواطئ ليتهم الفران بالسرقة فيسأله القاضي سؤالًا: هل تؤمن بأن الله قادر على إحياء الموتى؟ إن أجبت بلا فأنت كافر، وإن أجبت بنعم فقد اعترفت أن إوزتك قد طارت، وأن الفران بريء!
هذا نموذج صارخ للتدليس عن طريق «إمكانية الحدوث». الإنسان السوي العاقل يعرف أن الله قادر على إحياء الموتى، ولكن قدرة الله على إحياء الإوزة لا تعني بالضرورة أنه قد أحياها بالفعل. نعم الله قادر على إحياء الإوزة، ولكن هل أحياها فعلًا؟

كذلك الأمر بالنسبة للإمكانية الرياضية أو المنطقية. إن وجود إمكانية رياضية للحدوث ليس دليلًا على الحدوث.

في علم الوراثة، عندما يكون كل من الأب والأم حاملين لكروموسوم سائد وآخر متنحي لصفة وراثية معينة فإن احتمال ولادة طفل يحمل اثنين من الكروموسومات المتنحية هو  1/4، ورغم ذلك يحدث أن يولد طفل وحيد ويكون هو صاحب الصفتين المتنحيتين، وليس حتميًا على الإطلاق أن يولد الثلاثة الآخرون قبله أو بعده.. ويحدث أيضًا أن يولد لهذه الأسرة عشرة من الأبناء ولا يحمل أي منهم الصفتين المتنحيتين أبدًا!
إن وجود الطفل ذو الكروموسومات المتنحية لا يستدل به أبدًا على حتمية وجود الأطفال الثلاثة أصحاب الاحتمالات الوراثية الأخرى.

عودة إلى الحلقة وكما أشرنا سابقًا فإن الدحيح قد قدم نموذجين للتطبيق العادي والسليم لنظرية الاحتمالات ثم أتبعهما بنظرية الأكوان المتعددة وكأنها نموذج ثالث منطقي وصحيح مثلهما.

في المثال الأول كان النصاب المحترف يعلم مسبقًا بوجود 1024 شخصًا يضاربون في البورصة، ويعلم أن هناك احتمالين فقط هما الفوز أو الخسارة.. لقد كانت المعطيات التي قام بتطبيق الاحتمالات عليها موجودة مسبقًا.
ونفس الأمر ينطبق على المثال الآخر المتعلق باللوتاري.. فتذاكر اللوتاري كانت موجودة بالفعل عندما بدأ المشترون يحسبون حساباتهم الرياضية وكان سعر التذكرة معروفًا مسبقًا ومبلغ الجائزة أيضًا. كل شيء كان موجودًا ومعروفًا ولم يبق سوى التطبيق.

إن التطبيق المنطقي والناجح والمعتاد لنظرية الاحتمالات هو التعامل مع معطيات موجودة بالفعل وبدائل موجودة بالفعل من أجل الحصول على معلومة ما، أو الوصول إلى قرار.. فإذا كنا بصدد مباراة كرة قدم فنحن أمام فريقين موجودين فعلًا وأمامنا بدائل لا بد من حدوث إحداها.. فوز، هزيمة، تعادل.
أما أطروحة الأكوان المتعددة فتسير عكس اتجاه نظرية الاحتمالات تمامًا. إنها تأخذ حدثًا ما وتعتتبره نتيجة وتستدل به على وجود احتمالات أخرى لم تتحقق! إن هذا الطرح مخالف للمنطق تمامًا. إنها تفترض وجود المباراة والفريقين والجمهور لمجرد أن أحد اللاعبين يتواجد الآن داخل ملعب الكرة!

في ممارساتنا اليومية، لا أحد من البشر يحكم بوجود شيء لمجرد أنه ممكن الحدوث!
من المسلم به أن الخيانة الزوجية فعل قابل للحدوث.. فهل يعني ذلك أن يقوم زوج ما باتهام زوجته لأن هناك احتمالًا رياضيًا بأن تكون الزوجة خائنة؟
هل يقوم أحد من البشر بإطلاق النار على شخص عشوائي في الشارع مبررًا ذلك بأنه من الناحية الرياضية هناك احتمال بأنه قد يكون لصًا؟

لماذا إذًا يحاول البعض إلزامنا بالإيمان بوجود أكوان أخرى لمجرد أن هذا شيء قابل للحدوث رياضيًا؟

الملحدون والعلم

ولكن لماذا استخدم الملحدون نظرية الاحتمالات بهذا الشكل الغريب؟ إنها استراتيجيتهم الدائمة.. الهروب إلى الأمام.
دائمًا ما يهرب الملحدون إلى الافتراضات لا الإجابات.. لا يقدم الملحدون إجابات أبدًا.. هم فقط يطرحون الأسئلة والشكوك والافتراضات.. ويهربون من افتراض إلى آخر.

الهروب من وجود الخالق إلى الصدفة وهو افتراض لا دليل عليه ولا يمكن علميًا إثباته أو نفيه.. ثم بعد اكتشاف مدى سخافة الفكرة وفقرها العلمي هربوا للأمام مرة أخرى بادعاء أن الصدفة نتيجة علمية لنظرية الاحتمالات واخترعوا افتراضًا جديدًا هو الأكوان المتعددة التي لابد وأن يكون منها واحد يصلح للحياة طبقًا لنطرية الاحتمالات… ولكن هذه الفرضية أيضًا كغيرها من حججهم السابقة.. لا تحمل إجابة… فسيبقى السؤال قائمًا.. من أوجد هذه الأكوان اللانهائية؟ أو كيف وجدت هذه الأكوان اللانهائية؟

إنهم لا يجدون حرجًا في الاحتجاج بأطروحة ليس لها وجود مادي ملموس، ولا دليل علمي عليها، ولا توجد وسيلة لاختبارها أصلًا، ثم يسمون أنفسهم علميين ويسمون المتدينين دراويش!

نشاهد أم لا نشاهد؟

ليس لي أن أقرر لك ماذا تشاهد وماذا لا تشاهد، يمكنني فقط أن أتحدث عن المشاهد الواعي من وجهة نظري.
المشاهد الواعي يعلم جيدًا حقيقة ما يشاهده، يعلم إن كان يصلح للتعليم أم فقط للتسلية.
المشاهد الواعي يستطيع استخلاص الفائدة. يستكشف انحيازات البرنامج الأيديولوجية ويستكشف المحتوى الإعلاني والترويجي والترفيهي، فإذا ما تبقى شيء بعد استبعاد هذه العناصر فربما يكون فيه معلومة أو فائدة.

لفتة لألتراس الشخصيات العامة

(حديث مرفوع)
حَدَّثَنَا فَضَالُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، ( سِوَاهُ )، وَأَنْ يُحِبَّ الْعَبْدَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ – عَزَّ وَجَلَّ – وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ.

الإسلام ليس دينًا يحث على الكراهية أو الانعزال، ولكنه فقط يضع ترتيبًا للأولويات.. لا يمنع الإسلام الإنسان المسلم المؤمن من أن يحب من يشاء وما يشاء بشرط أن يبقى الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد