«الدحيح» برنامج علمي كوميدي يوتيوبي، كان يبث على قناة «آي جي بلس» التابعة لقناة «الجزيرة»، وتوقف لأسباب مادية في الظاهر.
استطاع هذا البرنامج الاستحواذ على شعبية كبيرة، فكانت مشاهدات الحلقة الواحدة تتجاوز المليون مشاهدة في أسبوعها الأول، رغم بث حلقتين في الأسبوع، وهذا رقم رهيب وغير مسبوق في العالم العربي.
كثرت الانتقادات مؤخرًا على البرنامج وصاحبه، وزادت بعد التوقف، هذا التوقف الذي لم تظهر أسبابه بعد، أو لم تظهر أسبابه المنطقية، وهو ما فتح المجال واسعًا أمام الظنون، وخصوصًا السيئة.
في هذه العجالة سأضع وجهة نظري في بعض الحلقات التي شاهدتها، وهي وجهة نظر متابع، وليست وجهة نظر باحث تعقب مضمون الحلقات ومصادرها:

1- الدحيح والكوميديا

الدحيح ممثل وكوميدي بارع، خلافًا لليوتيوبر المشهورين حاليًا مثل «جو شو» و«عبد الله الشريف» و«أنس تينا» وغيرهم، وهو يقارب باسم يوسف في شخصيته الكوميدية، ويزيد عليه بعفة اللسان، وأظن أنه لن يتأخر كثيرًا في التوجه إلى التمثيل؛ فهو يفوق مشاهير الممثلين في البراعة الشخصية والأفكار الكوميدية.

وما يُعاب عليه في التمثيل تقمصه لأدوار النساء، وهو من خوارم المروءة.

2- الدحيح والسرقة العلمية

من الانتقادات الموجهة للدحيح أنه مجرد مقلد لنجاحات من سبقوه، وأنه يسرق موضوعات غيره، ومما قيل: إن برنامجه هو مجرد تقليد لبرنامج مايكل ستيفينز، حتى إن الخيارة المشهور بها ما هي إلا سرقة لموزة ستيفينز.
ولا أرى كبير عيب في ذلك، من الجيد أن يكون لك أسلوبك الخاص، لكن إن لم تستطع خلقه فإن تقليد الناجحين أمر جيد، والأمر أشبه بالقراءة، فنحن نتمتع بأصوات القراء المقلدين ولا نعيبهم بالتقليد.
لكن السطو على مجهودات الآخرين معيب، وأظن أن البرنامج مليء به، فوقت الإعداد للحلقة قصير جدًّا، وهو ما يمنع فريق الإعداد من تحرير المسائل وإعطائها حقها.

3- الدحيح والإلحاد

ينفي الدحيح كونه ملحدًا، لكن وفاة إحدى الملحدات في فريقه الإعدادي طرح أكثر من تساؤل، وكشف عن العديد من الأسماء الأخرى: إذا كان هؤلاء من تستعين بهم فماذا ستكون النتيجة؟!

4- الدحيح والجمهور

يبدو الجمهور مفتونًا بما يعرض، فالنقائص لا تظهر لكثير من الناس.
تبدو حلقات الدحيح عاديةً لمن لم يعرف أركان الإلحاد وطرق الملاحدة وشبهاتهم، تبدو حلقات الدحيح أيضًا خالية من الأخطاء لمن ليس له اطلاع على الموضوع الذي يتحدث عنه، تبدو حلقات الدحيح خالية من الانتقاص للآخرين لمن لا يخرجها عن إطارها الكوميدي، لكن ذلك يتعارض مع ما يُرجى منها من فوائد علمية.

5- الردود على الدحيح

رغم وجود شطحات كثيرة في حلقات الدحيح، فإن الردود عليه لم تعجبني كثيرًا، فهي تأخذ الرجل بالشبهات، وتترك له المجال للرد وإفحام الخصم على الأقل في بعض المسائل، تأخذ الرجل بالتفاصيل وتهمل التركيز على الأصول.

6- الدحيح والانفصال عن تاريخه ودينه

يعظم الدحيح الغرب، ولذلك تجد أغلب كلامه عنهم، ولا ينسب شيئًا من الفضل لأمته، ومثل هذا لا يُسمى أخطاء فردية أو عشوائية، وإنما هو منهج خاطئ، والأصل في الإنسان أن يعتز بقومه ويقدم مآثرهم لا أن يخفيها.
إذا كان الدحيح يريد أن يقدم برنامجًا علميًّا، فأبواب العلم كثيرة وهي ليست بالضرورة تمر على نقد الدين والانتقاص منه، وأما إذا كانت عنده نظرة معينة للدين تختلف عن النظرة السائدة عند الناس، ويحاول أن يدفع الناس إليها تدريجيًّا فما أشد سذاجتنا إن تركناه يفتن الناس.

7- حلقة الرضاعة

من الحلقات السيئة التي قدمها الدحيح حلقة الرضاعة، والتي سخر فيها من آثار التحريم بالرضاعة، وحاول أن ينفي أي أثر للرضاعة في الرضيع، وقد أجاب الناس بأن الأثر مثبت علميًّا، ولكن الدحيح تغافل عنه، أو جهله، لكن جوابي هو أن الرضاعة من الدين، وهي أمر ثابت فيه، والحكمة الإلهية لا تقتصر على الأثر المادي، ومن الخطأ الكلام على عقائد الناس بهذا الأسلوب.

8- الدحيح والمنهج العلمي

إذا جاءك من يقول لا مانع من أن يعتقد الدحيح أي مذهب ديني أو فلسفي ما دام يقدم عصارة علمية جيدة وبأسلوب شيق يمكن متابعته، فأعلمه أن الدحيح لا يقتصر في النقل على الحقائق العلمية، وإنما ينقل النظريات والفرضيات، وهو كذلك انتقائي في طرحه، فيضع ما يقوي النظرية التي يؤيدها ويهمل النقد، وهذا ما سيصدمك لاحقًا عند اكتشافك أن العالم أوسع مما حُصرت فيه، ولا تغرنك المصادر التي يُذكِّرك بها في كل مرة، فهي لا تزيد على أن تؤكد لك الأمانة في النقل، والصحة في الفهم، وقد انتقدوا عليه ذلك أيضًا.

الدحيح مفتون بالعلوم الحديثة، ولعل أكبر حلقة صدمتني وأسقطته في عيني هي حلقة الحياة في زمن الكورونا، فقد تحدث قبلها عن كوفيد 19 وقلل من خطورته، وعقد مقارنة بينه وبين الإنفلونزا الإسبانية التي ضربت سنة 1918م، ومما قاله: خلال المئة سنة حدث تطور رهيب في معارف البشر أجمع وقدرتهم على مواجهة تحديات العالم الذي يعيشون فيه، ثق في البشر عزيزي المشاهد، ومما قال أيضًا إننا أصبحنا نعرف عن الفيروس (كوفيد 19) أكثر مما هو يعرف عن نفسه، إلى آخر كلامه، وكان هذا الكلام مبالغًا فيه جدًّا، وخاصة قبل أربعة أشهر، حيث كنا نجهل الكثير من الأشياء عن الفيروس، وما زالت منظمة الصحة العالمية إلى غاية اليوم تصحح أفكارنا عنه.
هذه المبالغة من الدحيح كانت ستأخذ مجراها العادي؛ رجل مفتون بالعلم الحديث ويعطيه أكثر من قدره، وقد أخطأ في التقدير وانتهى الأمر.
لكن عندما اجتاح الفيروس المعمورة، وبدا أنه خرج عن السيطرة وأنه سيفتك بالملايين، خرج الدحيح ليذكر لنا فوائد الكورونا، لم يحدثنا عن الخطأ الكبير في تقديراته وعن السبب في هذا الخطأ، وإنما أعطانا مزيدًا من الحقن للتنويم، أي فوائد للكورونا أمام الخسائر الكبيرة التي مني بها العالم؟!
لا مجال للمقارنة يا عزيزي، لو أرخينا لك الحبل قليلًا لحدثتنا عن فوائد الكورونا الدينية والروحية والتي كنت دائما تتجنبها.

9- الدحيح والتطور

ربما يوجد أناس يحاولون التوفيق بين نظرية التطور والدين، لكن الدحيح ليس منهم، إنه يسير خلف المدرسة التطورية الإلحادية، ربما هذا هو أهم المآخذ عليه، أنه يترك للصدفة في كل مكان المجال للخلق والإنشاء.

10- الدحيح والمحتوى التافه

ليست حلقات الدحيح على المستوى نفسه في الأداء، ولا في اختيار الموضوعات، هناك من الموضوعات ما هو تافه ولا يرقى لأن يقدم في حلقة راقية لمئات الآلاف من المشاهدين.

11- الدحيح والسياسة

ما يحيرني فعلًا هو أن الدحيح يسجل من القاهرة لقناة من قطر.

الخلاصة:

الدحيح إنسان ذو قدرات فائقة، وبرنامجه من أقوى برامج الترفيه الهادف الموجودة على «يوتيوب»، أتمنى أن يقدم عند عودته عرضًا علميًّا خالصًا بأسلوبه الشيق، من غير طعن في الدين ظاهرًا أو باطنًا، وأن يأخذ مزيدًا من الوقت لإعداد الموضوعات وتحرير الأفكار.

في انتظار تعليقاتكم، إضافاتكم، واستفساراتكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد