ولد محمد دحلان عام 1961م، وانضم منذ شبابه لحركة فتح، بدأ الشاب محمد دحلان حياته التنظيمية بقيادة منظمة الشبيبة الفتحاوية في سن مبكر، حيث بدأت ملامح القيادة تظهر عليه منذ نعومة أظفاره، وشارك في أعمال المقاومة، واعتقل عام 1981م، وحُكم عليه بـ 5 سنوات، وأُفرج عنه عام 1986م من سجون قوات الاحتلال، التي طاردته بعد ذلك حتى انتهت بإبعاده خارج فلسطين.

 

سافر إلى تونس ليلتحق بمنظمة التحرير الفلسطينية ويتولى منصبًا هامًا، وعاد مع السلطة الفلسطينية عام 1994م كقائد لجهاز الأمن الوقائي، كان ناجحًا في منصبه إلى حد ما، وكان دحلان يقدم نفسه كقائد سياسي، وليس كمسؤول جهاز أمني. وبحكم منصبه كمسئول أمني رفيع المستوى كان دومًا يظهر في اللقاءات التي كانت تُعقد بين الإسرائيليين والفلسطينيين، الذين كانوا لا يستغنون عنه في كل جلسة مفاوضات نظرًا لدوره الأمني، إلا أن إسرائيل اتهمته في بداية انتفاضة الأقصى بالتعرض للمستوطنين.

 

وظهر خلال حصار ياسر عرفات كأبرز المقربين من “أبو عمار”، وقام بزيارة إلى واشنطن وفقًا لما أوردته صحيفة هآرتس. استقال من منصبه كرئيس لجهاز الأمن الوقائي 2001م، عندما اتهم بقيادة انقلاب على عرفات، وفي مطلع عام 2006م فاز دحلان في الانتخابات التشريعية كنائب في المجلس التشريعي، وحظي بشعبية واسعة لدى جماهير حركة فتح وخصوصًا في محافظة خان يونس. عُرف عن هذا الرجل سعة نفوذه وعلاقاته الإقليمية والعربية.

 

خلافه مع عباس:
وبعد وفاة “أبو عمار” بدأت الخلافات التنظيمية في حركة فتح، وتحولت الخلافات إلى صراع حقيقي يشبه الحرب الباردة بين قطبين أساسيين هما الرئيس محمود عباس ومحمد دحلان, الذي غادر قطاع غزة قسرًا على خلفية أحداث 2007م الدامية، كونه خاض صراعاً دمويًّا مع حركة حماس, وكانت قد اتهمته قبل الأحداث الدامية بالخيانة والفساد، على إثرها حاز على شعبية كبيرة داخل البيت الفتحاوي, الأمر الذي دق ناقوس الخطر لدى الرئيس عباس, حيث بدا أن دحلان يسيطر على قطاع غزة في انتخابات حركة فتح التنظيمية، مما حدا بالرئيس محمود عباس بمحاولة تقليم أظافر هذا الرجل، وخصوصًا الدائرة المحيطة به، ففصله من صفوف الحركة وأعلن أنه سيقدمه للمحاكمة، وكذلك فصل العديد من القيادات المقربة من دحلان، وحاولت بعض الأطراف تعكير أجواء الانتخابات التنظيمية في قطاع غزة حتى لا يفوز أنصاره.

 

غادر محمد دحلان إلى الأردن بعد مداهمة منزله في أواخر شهر يوليو 2011م، ونقل موقع “الآن نيوز” الإخباري الأردني، عن مصادر مقربة من دحلان قولها، إن العلاقات بينه وبين رئيس السلطة محمود عباس، توصف بـ “بالغة السوء، وتكاد تكون قد وصلت إلى طريق مسدود”، مرجحة عدم عودة دحلان إلى رام الله قريبًا.

 

إلى ذلك، كشف موقع “أخبار بلدنا” الأردني أن دحلان استدعي بعد وصوله إلى الأردن إلى دائرة أمنية حساسة هناك.

وأوضح الموقع – الذي أشار إلى أن مصدره خاص وحصري- أن أحد الضباط جلس مع دحلان، وأخبره أن الأردن ليست ساحة صراعات فلسطينية، وأنه مرحب به بأي صفة إذا كان يريد الاستقرار والعيش بسلام.

 

وسافر بعدها إلى العديد من الدول الأوروبية وانتهى به المقام في الإمارات, بعد محاولات عديدة بذلتها دول عربية من أجل عقد مصالحة بين الرجلين، لكنها لم تفلح، نظراً للخلاف الكبير بينهما، حيث ظهرت الاتهامات على لسان الرئيس في كلمته أمام أعمال الدورة الثالثة عشرة للمجلس الثوري لحركة فتح في مارس 2014م.

تطور الأحداث:
وبدأت الأحداث تتسارع على الساحة الفلسطينية، خصوصًا عند اقتراب إحياء ذكرى الرئيس ياسر عرفات، حيث قررت حركة فتح إلغاء المهرجان بناءً على معلومات وصلت للرئيس عباس أن دحلان هو من يسيطر على المهرجان؛ حيث حجز “الباصات” وطبع آلاف الألبسة والصور التي تجمع بين دحلان و”أبو عمار”، حيث بررت حركة فتح إرجاء المهرجان بسبب التفجيرات التي طالت بيوت عدد من قيادات حركة فتح المحسوبة على الرئيس عباس الذي حمل حماس المسئولية عنها. وكان أنصار دحلان في كل حفل تنظيمي في قطاع غزة يرفعون صوره فيحدث عراك بالأيدي مع أنصار محمود عباس.

 

وفي ذات السياق سبق احتفالَ “أبو عمار” تفجيرُ مداخل منازل قيادات لحركة فتح، وبعدها تفجير جمعية “يبوس” التي تعود لأنصار دحلان في رفح، وتفجير المركز الفرنسي في مربع أنصار، وإطلاق نار في الانتخابات التنظيمية في رفح وخان يونس وغزة.

 

ولكن الحادث الفارق في تاريخ حركة فتح وفي تاريخ الخلافات التنظيمية، هي المسيرةُ التي نظمها أنصار محمد دحلان في ساحة المجلس التشريعي الخميس 18/12/2014م، التي ضمت المئات من مناصريه الذين وصلوا إلى مكان انعقاد المؤتمر الذي نظمته قيادات فتحاوية مؤيدة لدحلان وعشرات المناصرين، وكذلك عشرات الملصقات التي سبقت هذه التظاهرة في مدن القطاع التي تظهر الرئيس عباس وقد كُتب عليها “ترقبوا الحدث الكبير في 15/1/2014م”.

 

لكن اللافت هو تداول بعض المحللين السياسيين أن ثمة بوادر تحسن في العلاقة بين حماس ودحلان, وهو ما نفاه القيادي بحركة فتح سفيان أبو زايدة في حديثه لصحيفة الرسالة حسب موقع “الرسالة نت” في 25/12/2014م: “نفى سفيان أبو زايدة، القيادي بحركة “فتح” والمقرب من النائب محمد دحلان، وجود أي تحالفات سرية تجري بين القيادي المفصول من “فتح” محمد دحلان، وحركة حماس في قطاع غزة”.

 

وقال أبو زايدة، في تصريح خاص بـ”الرسالة نت”: “ما يدور عبر وسائل الإعلام وتصريحات بعض القادة عن وجود تحالفات سرية أو علنية بين دحلان وحركة حماس أمر غير صحيح”.

 

وأكد أن ما يربط النائب دحلان بحركة “حماس” هي مصلحة وطنية، وإصرار على مساعدة أبناء شعبنا المحاصر في قطاع غزة، والتخفيف من المعاناة المتفاقمة التي يعيشها منذ عدة سنوات بفعل الحصار والحرب.

 

ولفت إلى أنه تم تشكيل لجنة التكافل الوطني في قطاع غزة لمساعدة متضرري الحرب الأخيرة هناك، خاصة بعد تركهم يعانون وحدهم طوال الفترة الماضية.

 

وعن هجوم قادة حركة “فتح” الحاد على النائب دحلان وعلاقة ذلك بالمؤتمر السابع المقبل للحركة، أكد أن الهجوم اشتد بعد قرارات رئيس السلطة محمود عباس الأخيرة بحق دحلان، وفصله من الحركة.

 

وذكر القيادي المقرب من النائب دحلان، أن حركة “فتح”، وبعض قادتها يخشون تمدد نفوذ النائب دحلان سواءً في قطاع غزة أو الضفة، مشيرًا إلى أن دحلان له شعبية كبيرة لا يملك أحد أن ينكرها أو يتجاهلها”.

 

وحسب موقع “الجزيرة نت” في 3/10/2004م أنه: “مع خروج دحلان من الوزارة الفلسطينية بقي من الشخصيات المؤثرة في المعادلة الفلسطينية، وعمل من خلال دوره المؤثر في حركة فتح والدعم الأميركي له على تشكيل تكتل من حوله يحمل شعار الإصلاح ومحاربة الفساد داخل السلطة الفلسطينية.

 

وفي هذا الإطار اتهم دحلان بتحريك الاضطرابات التي وقعت في قطاع غزة في بدايات شهر يوليو/ تموز 2004 للمطالبة بالإصلاحات. وهو ما نفاه عن نفسه، ولكنه أعلن دون مواربة دعمه لها وتبنيه لمطالبها منتقدًا بشدة الفساد داخل السلطة الفلسطينية”.

 

المعونات بوابة القطاع:
عرف هذا الرجل كيف يدخل إلى قطاع غزة، وكيف يدخل كل بيت وكل أسرة، وكيف يصنع له قاعدة من المناصرين، حيث يعاني القطاع من حصار وإغلاق وتأخير الإعمار، فقام بإرسال معونات مالية للجرحى والشهداء في قطاع غزة، ولا نقول أن فتح معبر رفح ثلاثة أيام (21-22-23/12/2014م) كان بعيدًا عن بصمة دحلان أو من آثار المصالحة القطرية-المصرية، حيث اتهمت رام الله حركة حماس بتسهيل نشاطات محمد دحلان في القطاع، وعدم منعها أو عرقلتها، مع العلم أن دحلان يحظى بتأييد دول عربية على رأسها الإمارات ومصر، فهو يقود معركته السياسية مع عباس من أبو ظبي.

 

أما على صعيد علاقته بالنظام المصري, فقد كان له حضور بارز سواء على الفضائيات المصرية أو على المستوى الرسمي؛ حيث حضر حفل تنصيب المشير عبد الفتاح السيسي رئيسًا لمصر، فقد كان في وفد ولي عهد “أبو ظبي”، الشيخ محمد بن زياد، أما الصفة التي حملها فهي “مستشار لولي العهد”. علمًا بأن دحلان يقيم في “أبو ظبي” منذ حوالي ثلاث سنوات، أي منذ بدء الأزمة بينه وبين الرئيس “أبو مازن”، الذي رفض وجود دحلان في الحفل، وتفاجأ بوجوده في قاعة كبار الضيوف. (حسب وكالة مكس نيوز الإخبارية)

 

ورقة دحلان:
تقوم السياسة على قاعدة “لا عداوات دائمة ولا صداقات دائمة”، وكذلك لا بد أن يكون للأحزاب والحكومات خياراتٌ بديلة فما لا يصلح اليوم يصلح غدًا، حيث كانت حركة حماس تقول إن لديها أوراق ضغط، وعندما لم تفهم رام الله هذه الرسالة واستمرت في الضغط على حماس في عدد من الملفات أبرزها الموظفين والإعمار والمعابر, وقيام حكومة التوافق بمهامها وواجباتها تجاه سكان غزة، استخدمت حماس ورقة دحلان، وفي ردة فعل سريعة من رام الله تناقلت وسائل الإعلام أن الحكومة قررت تشكيل لجنة وزارية لاستلام المعابر، وربما يدفعها أيضًا للعدول عن قرار فصل عشرة آلاف عسكري تم ترقين قيدهم، والإعلان بأنها ستقوم بإعطائهم الرواتب. حسب تصريحات سمير مشهراوي على موقع (دنيا الوطن) الإخباري بتاريخ 17/12/2014م.

 

عودة دحلان للقطاع:
النائب المفصول من حركة فتح محمد دحلان له شعبية ودور في الشارع الفتحاوي في القطاع لا يمكن تجاهله، ولا يمكن إغفاله، وبسبب تعثر جهود المفاوضات يخشى الرئيس محمود عبّاس أن يلقى مصير عرفات، حيث إن البديل الأمريكي والإسرائيلي جاهز لديهم وهو النائب محمد دحلان، الذي يحظى بتأييد دولي وعربي واسع، خصوصًا نظام مصر الحالي، ويحظى بتأييد بعض قيادات السلطة والقاعدة التنظيمية في القطاع.

 

وثمة من يرى أن حماس التي تمتلك العديد من الأوراق للضغط على عباس، والتي من أهمها ورقة محمد دحلان، وهي تعتقد أن الفرصةَ الوحيدة لعودة دحلان للمشهد الفلسطيني هو صندوق الانتخابات، فإذا حظي دحلان بشرعية في الانتخابات كان له العودة وبقوة إلى الساحة الفلسطينية، خصوصًا أن عباس لم يعد حليفًا صالحًا لإسرائيل، ويحاول دائمًا شيطنة حركة حماس واتهامها بتعطيل الإعمار وتعطيل المصالحة وتوريط القطاع في حروب في خطاباته وتصريحاته، مما يزيد الأمور تعقيدًا، ولم يحاول أن يجمع شمل الشعب الفلسطيني في أي كلمة أبوية، فالمشكلة في الرئيس عباس أنه يتعامل مع حركة حماس كخصم وكممثل تنظيم، وليس كرئيس للشعب الفلسطيني، ويحاول أن يشخصن أي مشكلة تحدث مع حركته.

 

الخلاصة:
– محمد دحلان شخصية فلسطينية قيادية لا يمكن تجاهلها بحال من الأحوال، لا بد من دراسة متوازنة للتعامل مع هذا الرجل، فهو صاحب تأثير قوي في حلبة الصراع التنظيمي.

 

– يخشى الرئيس عباس أن يحظى دحلان بمزيد من الدعم السياسي الخارجي الذي يهدد شرعيته كرئيس للسلطة الفلسطينية, ويتمدد نفوذ محمد دحلان على المستويين الإقليمي والمحلي، ويخشى أن تكون المصالحة بين دحلان وحماس مصالحة حقيقية، وتنجح حماس في رفع الحصار عن غزة دون عودة حقيقية للسلطة الفلسطينية في القطاع وفرض نفوذها. إن أخطر السيناريوهات التي تربك الرئاسة الفلسطينية هي عودة دحلان إلى قطاع غزة بالتوافق مع حركة حماس، وعقد تحالف سياسي معها للإطاحة بالرئيس في أي انتخابات رئاسية قادمة.

 

– يبدو أن الاستقطاب الحاد بين تيار دحلان وتيار عباس سيظل مستمرًا طالما لم تحسم السلطة الفلسطينية أوراق القطاع والإعمار والموظفين والانتخابات والمصالحة الفلسطينية.

 

– مشروع الرئيس القادم هو من أكثر الملفات أرقًا لحركة فتح، فإذا بقي الرئيس عباس على وعده بعدم الترشح لفترة جديدة، فإن أكثر الشخصيات ترشيحًا لتخلفه هو دحلان.

 

– يبقى سلام فياض أحد الأسماء المقترحة لمشروع الرئيس الجديد إن دعمته حركة حماس وتوافقت عليه بعضُ الأطراف في فتح، لما يتمتع به هذا الرجل من مهارات إدارية تؤهله لهذا المنصب، لكن تبقى ورقة الضفة الغربية في يد المقاومة.

 

– ستبقى بعض الدول العربية على دعمها للنائب محمد دحلان، فهو الخيار الأمريكي والبديل الإسرائيلي للرئيس محمود عباس.

 

– توجه حركة حماس للمصالحة مع دحلان من بوابة المعونات والدعم المادي للقطاع هو من باب التخفيف من معاناة القطاع، وللضغط على حكومة رام الله بتطبيق بنود المصالحة.

 

– أستبعد في الوقت الراهن زيارة دحلان للقطاع والتي ستحدث ضجة كبيرة على الساحة الفلسطينية، مما يؤذن بمرحلة جديدة على الساحة الفلسطينية.

 

– بوادر الانقسام في صفوف حركة فتح يحتاج إلى حكمة القيادة لحل كل هذه الإشكالات، وألا تدع المصالح هي التي تحكم سير الأمور داخل الحركة.

 

– مؤهلات محمد دحلان من الناحية المالية والدعم الإقليمي تفوق الرئيس عباس، وهي التي تؤهله لقيادة الشعب الفلسطيني إن حظي بدعم كافٍ وانتهى ملف محاكمته في حركة فتح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد