تحت التراب ديدان تعيش دورتها إلى أن تتلاشى ولكن ستتجاوز الدورة الإجبارية التي تحكمها حين تُصبح طُعما في صنارة صياد يعرف أن «الدودة ستجلب السمكة».

إن الحياة اليومية هي دائرة إجبارية تحكم الأفراد بسلطة قهرية، ولكن المشكل هو الإعتقاد بأن هذا هو الوجود الحقيقي. فالحقيقي عند العامي هو ماينفع، أي «ما يضمن بقاء الجسد لإستمراره في نفس الدائرة»، إنه الصراع من أجل للإستمرار في الدائرة.

اليوم الأبدي القهري، ليس عبث سيزيف (كما اعتقد ألبير كامو)، فسيزيف يعيش الحياة عن معرفة، ويواجها بصلابة مع أنه يعلم أن الصخرة ستعود لأسفل السفح. إن سيزيف يواجه وجوده «وحده».. والعامي الذي سيراه في ذاك الوضع سيستغرب قائلا «يا له من مجنون ما الذي يستفيده من فعله ذاك؟».

ما الذي يستفيده؟ هو السؤال الأكثر تداولا في الحياة اليومية، إنها الحياة النفعية البيولوجية التي تسجن العامي في حياة أبدية مُرهِقة، يعتقد أن لها معنى. والمعنى عند العامي محصور في الغاية التي هي “الإشباع”، فمادام يُشبع نزواته فهو يعيش بمعنى (و المال هو وسيلة اشباع وأيضا تحقيق إشباع). لهذاا فإن أي شخص لا يضع صوب عينيه هذا الهدف سيكون مجنونا.

بالطبع الحياة البيولوجية جزء من الحياة، ولكنها ليست الحياة كلها، فمادام العامي «يستغرب من شخص يقوم بفعل بدون فائدة مادية» فهو (أي العامي) في الحقيقة يتبنى فكرة مسبقة وهي (الحياة تساوي الحياة البيولوجية)، وبمعنى أكثر دقة، أن العامي ضحية (للإيديولوجية الحيوانية).

لن أقول بأن العوام محصورون في هاته الحياة باستمرار، ولكن لا يستطيعون أن يتساموا عنها، فخروجهم من الحياة البيولوجية والإبتعاد عن التفكير فيها يكون غالبا عن طريق الثرثرة اليومية؛ التي يُحاولون بها أن يهربوا من مواجهة الهَمِّ الحقيقي وليس المزيف، أي الهم الذي يعني التفكير في حقيقة الوجود الذي لافائدة من التفكير فيه (بيولوجيا). التفكير الذي يُقلق الكينونة الإنسانية لأنه يضعها أمام حقيقة أساسية وهي أن في آخر الدورة (هناك موت يترقب)..

إن الثرثرة اليومية هروب من القلق كما يقول الفيلسوف الألماني مارتن هيدجر، الذي يعتبر أن الإنسان يهرب من الوجود الحقيقي (الذي يصرخ عاليا إن هدف الإنسان هو الموت)، ويلتجأ إلى الوجود المزيف (الذي هو عالم الناس والإزدحام والثرثرة اليومية حتى ينسى الحقيقة المرة).

ليس الإشكال في الضعف الإنساني الذي يخشى مواجهة حقيقة النهاية المحتومة، التي هي (الموت)، والتي تعني أن كل هذا السعي الدائب لتحقيق أهداف (الإشباع) هي في الأخير مجرد تأجيل لحالة حقيقية وهي الموت، وكأن الإنسان في الوجود يشتري الأيام، ليُؤجل اللحظة الأخيرة.

ليس الإشكال في هذا الهروب الجبان، وإنما الصيغة الأسوء هي ممارسة “التصنيف الإبعادي”، حين يعتبر أن الذي لا يندمج في ثرثرتهم التافهة هو مجرد مجنون أو مريض نفسي، إن هاته الصفة التصنيفية ليست مؤسسة على علاج طبي وعقلي يقوم به هؤلاء الناس المثرثرون، وإنما هو مجرد إصدار حكم، قائم على تشويه تفكيرِ لا يندمج في حلبتهم الضيقة، التي هي في الأصل ملجأ لهؤلاء الفئران الهاربة من ظلال الموت القاتمة الحائمة في السماء.

المجنون ليس شخصا «يَخْتَفِي لديه العقل» (كما تُحاول اللغة العربية تحديده: جَن يجن، يرتبط بالإخفاء، فالجنة مثلا هي البستان الذي يختفي خلف الأشجار الكثيفة، والجنين هو الطفل المختفي في الأحشاء والجن هو الكائن الذي يختفي عن العين)

إن المجنون شخص لايتحدث لغة مفهومة تساعده في الإندماج في الثرثرة اليومية. فالذي يستعمل اللغة التجريدية البعيدة كل البعد عن اللغة النفعية المصلحية، سيُنعت بالمجنون. وذاك الشخص الذي يهذي بأقوال لا يفهمها سواه ويتحدث بها لوحده سيُنعت بالمجنون.

إذن المجنون بالنسبة لي، عكس ما يريد توضيح ميشال فوكو حين قال أن سلطة الميتافيزيقا اللاهوتية والعقلية هي التي حددت الجنون كظاهرة، وذلك بفرض الخطاب المسيحي والعقلاني وتهميش أي خطاب لا ينضبط مع الخطاب الأول المأطرة داخل صبعة (الأنا العاقلة) ففوكو يعتمد على التصور السائد عن المجنون أي (اختفاء العقل) رغم أنه يعتبر أن التسمية هي تصنيف ابعاد ناتج عن مجتمع لا يقبل الإختلاف في الخطابات.

لا أعتقد أن فوكو وبالمثل جيل دولوز (الذي اعتبر أن الرأسمالية بمساعدة التحليل النفسي قد عزلت المجانين لأنه يهذُون بما لا يتناسب والمنفعة)، لا أعتقد أنها قد التفتا إلى سلطة الحياة اليومية، ولقوة الثرثرة التي تُحاول هي الأخرى فرض خطاب واحد كسلطة تفصل بين المُندمج والمنبوذ. (فأصلا كل مشاغبي مابعد الحداثة ومنهم جيل دولوز وفوكو وجاك دريدا.. يُحاولون هدم صرح الفيلسوف من أجل إعادة الإعتبار للحياة اليومية التي تسعى للتشتت والإبتذال، بعيدا كل البعد عن الصفة المتعالية (الترنسندتالية).)

لا أرغب في الدخول في جدال مع هؤلاء المشاغبين لأنهم بحق يحتاجون لدراسة مُعمقة قبل الدخول معهم في نقاش نقدي وجينيالوجي.

إن النتيجة التي أرمي إلى الوصول إليها، هو أن الجنون ليس ظاهرة اجتماعية خُلقت بسبب سيادة خطاب العقل (فوكو)، وليس ظاهرة إنفصامية أُنتجت لعزل غير المنجين (جيل دولوز) وإنما هي ظاهرة يومية مبتذلة ناتجة عن اعتماد على الثرثرة اليومية كصيغة وجودية تتخطى قلق الوقت الفارغ، الذي يُمكنه لولاه أن تُدخل العَقل في دوامة الأسئلة المُقلقة التي قد تُؤدِي به إلى نتائج كئيبة، سيكون الصمت النسبي أو الصمت المُطلق هما النهاية. أو سيكون الإيمان العميق والزاهد هو المنهج.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد