للشباب اهتمامات شتى، تتعدد بتعدد انتماءات هؤلاء، واختلاف مشاربهم الأيديولوجية والفكرية، وتختلف أيضًا بفعل واقعهم الاجتماعي وانتمائهم الجغرافي، رغم أن هناك تشابهات تتسم بها عاداتهم وأفكارهم ونعزو ذلك إلى الأثر الفعلي والواضح للعولمة أو للتقانة التي غزت العالم، وتمكنت من الوصول إلى أعزل المناطق.

إن عالم اليوم ذو طبيعة ثنائية، تحمل في طياتها طابع الغرابة من جهة والتقارب من جهة ثانية. وقد يبدو من الوهلة الأولى أن هنالك تناقضًا بين الأمرين، إلا أن هذا بالذات ما يميز معيشنا في عالمنا هذا.

فكيف يمكن تفسير اهتماماتنا في العالم الراهن؟ وكيف نفهم غرابتنا؟ وعن أي تقارب نتحدث؟

هي أسئلة من بين أخرى سنحاول قدر المستطاع ووفق إمكانياتنا التحليلية والإجرائية المتواضعة أن نستكنه خباياها. معترفين بأنها ما يتطبع به روتيننا اليومي، الذي أضحى قاتلًا. فكيف يمكننا اعتباره قاتلًا؟

تعتبر مرحلة الشباب مرحلة هامة في حياة الفرد، لأنها مرحلة العنفوان، هي التي يبلور الإنسان فيها ذاته وكيانه، ويعلن عن وجوده في هذا العالم من خلالها. لكن كل واحد يعيشها وفق تراكماته وإمكانياته وتصوراته. فهي إذًا ما يصبو إليه الطفل الصاعد، وما يحن إليه العجوز.

ونعرف في وقتنا الراهن بعين المتأملين البسطاء ما يأسر قلوب شبابنا ويستنزف طاقاتهم، فهل كان هذا ما طمحوا إليه أثناء براءتهم؟ أم أن النابل لديهم اختلط بالحابل؟ ومن كان وراء هذا الاختلاط؟

يتأرجح روتين معظم الشباب، على الأقل في بلادنا المغرب، الذي نركز عليه الضوء لأننا نعيش فيه، لنتخذه مرجعًا قابلًا للملاحظة، بين الفراغ والفعل الغير الخلاق. والفراغ، من منظورنا، لا يعتبر فقط كل وقت ميت لا حركة فيه، ولكنه أيضًا يشمل كل اللحظات الذي يهدر فيه الوقت دون غاية تعبر عن سمو الشاب بإنسانيته ويعزز من خلالها كيانه ومحيطه، ولنا في هذا أمثلة يصعب حصرها، كإضاعة الوقت في التناطح في المقاهي بداعي انتماءات وهمية إلى فرق رياضية، أو التزايد في أثمنة لاعبين بالمليارات، بين شباب يدفعون لصاحب المقهى من مال آبائهم الذين بلغ سيلهم الزبى، أو الاستماع طوال الوقت لموسيقى لا تحمل لا رسائل ولا كلام ينفع، مع إرفاق ذلك بمخدرات لتغييب ما تبقى من عقل لديهم، ناهيك عن الغرق في مواقع التواصل الاجتماعي واللهث وراء محتويات لا تسمن ولا تغني من جوع. الفعل غير الخلاق، فنهدف من خلاله إلى وضع أصبعنا على قضية هامة، تختلف عن الفراغ لكن تشبهه، الأمر يتعلق بشباب يمارسون أنشطة بدون توجيه، بدون أهداف جد واضحة ومحددة، لا يستشيرون من هم أدرى منهم من أهل الخبرة والدراية، منفصلين عن محيطهم متبنين لأيديولوجية الابتعاد، أو ما قد نسميه اللاتواصل مع المحيط أو مع الآخرين.

اهتمامات إذًا يمكن اعتبارها قاصرة، لا تنخرط في صيرورة ودينامية المجتمع. ولا تتماشى مع ما يفرضه العالم من تحولات على شتى الميادين.

إن غرابتنا في الكون، راجعة إلى سلكنا لطريق غير التي ترتبط بمصيرنا، اغتراب ناتج عن سوء فهم وسوء استيعاب، فلا نوظف أي شيء في سياقه ولا نجيد حتى الاستهلاك الذي أضحى لدينا ثقافة، هو إذًا ثقافة من لا ثقافة له.

قليلون من يهتمون بما ينتجه العالم من خيرات رمزية، وقليلون أيضًا من يهتمون بواقع البيئة التي تعاني في صمت، وقليلون أكثر هم من يهتمون بمواضيع الثقافة والأدب والفلسفة، هي مسافة من هذا المنظور بين شبابنا ومكونات الحياة الإنسانية، تتفاقم باستمرار، وهذا ما يعمق الغرابة والشعور باللا انتماء. مغتربون إذًا بلغتنا وبفكرنا وبمظهرنا، فإلى أين نتجه؟

أما التقارب الذي نقصده فهو تلك النمطية التي أضحت تؤرقنا، أصبح الجميع يفكر ويتحرك وفق منهج يفتقد للحد الأدنى من الإبداع، ومن اللمسة الشخصية للفرد. إنه الإنسان ذو البعد الواحد بتعبير ماركوز، إنسان منشغل بغرائزه وموغل في التقليد الأعمى.

أما الروتين الذي كان من المفروض أن نرسم به وجودنا فهو الذي يوقظ حس النقد فينا، ويسافر بنا إلى عوالم الفن والإبداع، عوالم الانفتاح على الذات وعلى الآخر، عوالم القراءة والكتابة، ليكن الشاب شابًا فيما يحقق له وللآخرين مكانة في هذا الكون، وليسمو بروحه وفكره. هذا ما نفتقده للأسف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد