في كتاب «الانفجار» أوضح الكاتب الراحل محمد حسنين هيكل أن نكسة يونيو 1967 لم يكن سببها انحراف في شخصية المشير عبد الحكيم عامر، وفسر الرجل قوله أكثر بعمل مقارنة بسيطة بين «عامر» و«ديان» قائد جيش الاحتلال في ذلك الوقت، قائلًا إن كان «عامر» كما قيل يحب السهر فنظيره «خمورجي»، وأن كان «عامر» ترقى من رتبة صاغ لمشير فـ«ديان» كان في الأصل خفيرًا.
وقصد هيكل بتلك المقولة لفت الانتباه إلى أن المشكلة الحقيقية لم تكن في شخص قدر ما كانت في طريقة الحكم، وضع الخطط، التدريب المشترك، أنواع الأسلحة، وتلك كلها يمكن أن يقوم بها المشير عبدالحكيم عامر الذي يحب السهر، والذي ترقى لرتبة مشير، والذي تعيب عليه الدولة والشعب لأنه تزوج من الفنانة برلنتي عبد الحميد، وكأن مصر ستنتصر إن لم يتزوجها.
هيكل قصد أيضًا –أو هكذا فهمت–  أن نكف عن تفسير الأمور المعقدة بأسباب تافهة، أو من ناحية أخرى أن نفصل بين الحياة الشخصية والحياة العامة للمسئولين من باب الأدب من ناحية، ومن ناحية أخرى من باب احترام عقولنا.
تشاء الظروف أن يأتي بعد ما يقرب من نصف قرن طارق عامر ليكرر نفس ما فعله «خاله»، وإن كان الأمر مختلفًا، فمحافظ البنك المركزي تزوج من السيدة داليا خورشيد وزيرة الاستثمار السابقة، لتتكرر المأساة، ويسخر منه شريحة من المصريين، فيما فسر آخرون أن «نكسة التعويم» كان السبب فيها زواج محافظ المركزي، رغم أن سبب أزمة سعر الصرف من وجهة نظري في عدم وجود أي تخطيط لعواقب القرار، ولا وضع خطط بديلة للتعامل معه، وفي طارق عامر نفسه.
جزء من تلك الظاهرة الـ«عامرية» يعود إلى عبد الحكيم و«طارق» أيضًا، فالأول وإن كان في رأيه بعض الصواب بأن يخفي زواجه من الأساس على الجميع حتى يحافظ على الصورة العامة للقوات المسلحة، فلا صواب في أن يخفي هذا الزواج عن جمال عبد الناصر، لماذا شعر بأن هناك خطأ في زواجه؟
طارق عامر أيضًا يكرر نفس المأساة، الرجل بكل بساطة تزوج، وأيًّا كانت طريقة الزواج «عرفي– شرعي» لماذا لم يعلن من الأساس ويقول نعم لقد تزوجت، كيف يمكن أن يعيب على الناس الذين انتقدوه بأن تلك حرية شخصية، وهو نفسه خجل من الإعلان عن ذلك، أو توارى، أو ربما أراد أن يقول في وقت ما لكن السر تم كشفه، فكان الأفضل أن يخرج كرجل لم يفعل شيئًا خاطئًا، ويعلن أنه تزوج ولا يعيبه ذلك.
منطق «آل عامر» جزء لا يتجزأ من منطق الذين سخروا منهم، وحملوا النكسة لـ«برلنتي» والتعويم لـ«خورشيد»، ويبقى اختلاط الأوراق هي السمة الرئيسية، بل والأهم من أفتى للذين سخروا بأن الشخصية العامة أو المسئول لا يجوز له الزواج إن كانت الدولة تمر بأزمات، من أين جاؤوا بذلك، صفحات التاريخ تخبرنا أن جمال عبد الناصر كان ينجب في عز الأزمات، ويمارس حياته الجنسية مع زوجته بشكل طبيعي، الأمر ذاته تكرر مع كافة المسئولين والرؤساء والحكام؛ بل والثوريين وعلى رأسهم «جيفارا».
جميع المسئولين والثوار والفاسدين والقتلة لهم حق الزواج في أي ظرف، ومن واجبنا احترام ذلك، والفصل بين كوارثهم وجرائم التي يمكن أن نقول فيها ما نشاء، وبين اختياراتهم الشخصية التي لا تهمنا في شيء، أمر آخر يجب الالتفات إليه وهو أن تسطيح الأمور بتلك الطريقة لن يفيدنا في شيء؛ بل قد يؤدي إلى استمرار الكوارث، خاصة أنه لا أحد يصدق أن 67 هي «نكسة برلنتي عبد الحميد»، وتحرير سعر الصرف هو «تعويم داليا خورشيد».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد