لا أدري لماذا لم ينتبه معظمهم لعبارة «أن المحققين يستبعدون فرضية الهجوم الإرهابي» التي أوردها البيت الأبيض في بيانه، بعد حادث إطلاق النار الذي عرفته مدينة «دالاس» الأمريكية، مخلفًا إحدى عشرة ضحية، بين قتيل وجريح.

فكثيرون مروا مرور الكرام، ولم يأبهوا كثيرا للعبارة، التي تبدو في الظاهر عبارة عادية، وبريئة في شكلها، لكن في حقيقتها مضمونها فإن الأمر وحده يحتاج لإدانة، وشجب، واستنكار كبيرين، من قبل كل الشعوب والحكومات العربية والإسلامية.

إذ عندما يصل عدد الضحايا إلى أكثر من 11 بين قتيل وجريح، وفي هجوم يصفه الرئيس «أوباما» بأنه الأسوأ على رجال الشرطة منذ 2011، ثم يتم اعتبار الهجوم «ليس إرهابيًا»، لا لشيء، إلا أن الفاعل ليس عربيًا أو مسلمًا، فهذا يستحق كل عبارات الإدانة، والتنديد، أكثر من الحادث نفسه.

فالكثير من الأمور والحقائق لا نكتشفها أو تبدو لنا، إلا مع مثل هذه الحوادث والعمليات؛ ففيها يظهر ذلك الوجه الحقيقي لحكومات وإعلام الغرب، والأمريكي منه بالدرجة الأولى. وذلك من خلال هذا التمييز والخلط الممنهج، والعمد، بين صفتي: الإرهاب، والمسلم أو العربي، دون غيرهما.

فمثل هذه الهجمات تبين لنا أنه: ليس القتل إذن، ولا طبيعته، ولا عدد ضحاياه، يحدد صفة الهجوم، إن كان إرهابيًا من عدمه، ولا حتى أداة الجريمة التي نفذ بها، لكن هوية القاتل هي المعيار الوحيد الأوحد، والدليل القاطع الذي يعطي الضوء الأخضر للإعلام والمجتمع؛ لنفث سمومه العنصرية، والكراهية ضد العرب والأجانب، كما يحصل في العادة خلال كل عملية، أو هجوم، يحملونه صفة الإرهابي.

فحينما نقول إن صفة الإرهابي في الإعلام الغربي لا تجوز إلا مع الاسم العربي أو المسلم، يعتبر البعض ذلك تذرعًا لتبرير العمليات، وتشجيعًا على الإرهاب، وعندما نرى ذلك في أرض الواقع، تجد أن الجميع يبلع لسانه، أو تراه هو الآخر، يبحث معهم على مبررات، ومخرجات؛ للحيلولة دون إلصاق صفة «العمل الإرهابي» به، والتي هي بمثابة ماركة مسجلة، وبحقوق محفوظة باسم العربي، والمسلم، فقط دون غيره.

ففي حال إذا ما تم التأكد أن الشخص الذي قام بالهجوم، هو من تربة ونسل غربي حينها، فلن تجد، لا من يغير «بروفايله» من على الـ«فيس بوك»، ولا من يخرج في مظاهرة للتنديد، ولا حتى من يوقد شمعة كتعبير رمزي عن الحزن والتضامن؛ لأنه ما دام بالصفات المذكورة متوفرة، فمن المؤكد أن القنوات ستخرج بأية روايات أو ذرائع للتبرير مهما كانت، المهم أنه ليس إرهابيًا، ولا يجب أن يقال عنه ذلك؛ لأن من قام بالجرم، ليس مسلمًا أو عربيًا.

البعض طبعًا سيقول إن الخلفية الدينية للجناة هي ما يحدد ذلك في العادة، وأنه فقط نسعى دائمًا لتكرار نفس ذلك الخطاب من المظلومية والتآمر من الآخر؛ لأن أمريكا ودستور أمريكا، وحكومة أمريكا لا تفرق بين الأشخاص على أساس الدين أو العرق، أو أي تمييز كيفما كان نوعه؛ لأن الجميع سواسية بحكم القانون، وليس الاسم أو الدين الذي ينتمون إليه، كما ندعي.

لكن الحقيقة بينت، ولا تزال تبين لنا أن ذلك غير صحيح، ليس فقط في أمريكا، ولكن في معظم البلدان الغربية، أو في معظم إعلامها على الأقل؛ لأن العديد من عمليات الطلق الناري أو التفجير وقعت في بلدان غربية عديدة، بدوافع دينية مسيحية بالخصوص، ولم تلصق لها صفة الإرهابي، بل إن الإعلام يتحاشى في الغالب الحديث عن تلك الخلفية، ويتجاهلها في معظم تحليلاته، على الرغم من حرص المنفذين أنفسهم على إظهارها والتباهي بها، كما حدث مثلا في النرويج قبل أقل من ثلاث سنوات.

ويسعى مقابل ذلك للبحث عن ذرائع أخرى تكف عنهم ذلك الحرج، ولا تفضح نفاقهم، وتعدد أوجههم، فتارة يبحثون في ملفه الطبي، وتارة أخرى تجدهم يبحثون عن مشاكله العائلية، أو أي شيء؛ مما يمكنهم أن يخفوا عنه ذلك الدافع الحقيقي وراء الجريمة.

لكن المثير  أنه ليس الإعلام الغربي فقط، هو ما يسعى لذلك، بل إن إعلام من هم معنيون بالأمر، وبالتهمة نفسها، يسيرون على المنوال ذاته، أي كبرى القنوات في المنطقة العربية، ولسنا ندري إذا لم تكن هذه هي فرصتهم؛ لكي يكشفوا ذلك النفاق، وتعدد الأوجه لدى الإعلام، والرأي العام الغربي على الأقل في جزئه الأكبر، ويصححون تلك الصورة النمطية المغلوطة المشوهة؟ فمتى إذن يكون لها ذلك؟ اللهم إلا إذا كانت هي الأخرى متواطئة، وحريصة على الإبقاء على تلك الصورة التي تجعل العمل الإجرامي يتخذ صفة «الإرهابي»، عندما يكون الطرف العربي هو المنفذ فقط.

ببساطة ما دمنا نعيش في عالم نشكل فيه نحن الطرف الأضعف، فإن الأمور ستبقى على ما هي عليه، وما دامت الشعوب في المنطقة تحكم بالحديد والدم، فإن صفة الإرهابي ستبقى لصيقة بالمواطن، وما دامت لا توجد هناك نهضة ثقافية وفكرية، يكون أساسها أنظمة ديموقراطية تدع لتقرير الشعوب في المنطقة لمصيرها السياسي، وتختار الحاكم الذي تريد والنظام السياسي الذي يناسبها، فلن يتسنى لها الدفاع عن نفسها، ولا كف التهمة عنها.

وما دمنا نحن الحلقة الأضعف في الصراع، فإن ثقافتنا وفكرنا وديننا سيبقى دون تأثير، بل إن الآخر سيسعى إلى إحلال ثقافته بثقافتنا «البالية»، فالعربي والمسلم ما دام غير مستعد، ولا يستطيع العيش أو أن يتنازل عن ثقافته وجذوره الدينية التي تشكل عمود فقر ثقافته، على الرغم من أنه ابن البلد، وعاش وترعرع فيه ويحمل جنسيته، وتنمو في كنف ثقافته ونمطه الاجتماعي (بما يحمله من كل مغريات)، فإنه سيظل يحارب ويحارب حتى يبدلها بثقافة الغربي، وستظل تهمة الإرهابي باقية، وتتمدد، ولصيقة به وحده دون غيره.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

دالاس
عرض التعليقات
تحميل المزيد