في هذه الأيام الفضيلة أيام شهر رمضان المبارك، أجلس متأملًا تفاصيل المشهد، شعور غريب يراودني بين الحين والآخر، خيم عليه الحزن والحاجة لشيء ينقصني روحيًّا بقطعة من أرض الوطن، قطعة عشت فيها أجمل أيام عمري، ورأيت فيها كل جماليات وطني الأم سوريا وتفاصيله.

في دمشق ستختصر على نفسك الكثير من التفكير المعقد، وبؤس الحياة، وستغوص في جماليات الواقع وروحانية الأرض المسقية، بدءًا من نهر بردى وغوطة دمشق، وحتى جبل قاسيون وسوق الحميدية والمسجد الأموي، ملامح لا تعد ولا تحصى تروي رونقها وشاعريتها وقصة أحيائها من الألف إلى الياء، ستجد التآلف والتجانس بين كل الفئات والشرائح، ستجد المحبة والأخوة بين جميع الطوائف والطبقات، لا فرق بين شخص وآخر سوى مدى حبه لهذه الأرض، وتعلقه بها.

كحامٍ وحارسٍ للمدينة يطل علينا جبل قاسيون، ببهائه وشموخه، بتنوع فصوله وهوائه الدمشقي الأصيل، لا أستطيع أن أنسى أجمل الليالي والجلسات في كل زاوية من زواياه، من على جبل قاسيون سترى كل شيء مختلفًا، وكأن المناظر تتبدل، فالبشاعة تتحول إلى جمال، والحزن يتحول إلى سعادة ورخاء، طغيان جماله وقوة تأثيره فيك سيخضعك لتعيش اللحظة.

اعتدنا أن نشكو همنا لتلك المدينة من على ظهر جبلها؛ لأننا نعلم الطبيعة الحميمية التي تجمع شموخ الجبل بكل زاوية من زوايا المدينة، يا الله كم أنت حنونة.

دمشق كيف حالك؟

هل اشتقت لأهلك الذين أتعبهم الشوق إليكِ أم اعتدت على الغياب؟

هل ما زلت ترسلين رسائل الحب للعواصم العربية لزيارتك؟ هل ما زالت قصص الحب ورائحة الياسمين في أجوائك؟

كيف حال أبنائك: أبو رمانة وحي الأمين وحي البرامكة والحريقة والشعلان والعسالي والعمارة والقابون؟ هل ما زال أهلها كرماء ومحبين للضيف؟

هل ما زال حي الميدان الدمشقي بشبابه يقدم أشهى مأكولاته؟

كيف حال باب البريد وباب شرقي وباب مصلى وباب سريجة وحي البزورية وبستان الحجر؟ هل ما زالت رائحة الياسمين تعانق جدرانهم؟

حي المهاجرين والدويلعة ودمشق القديمة والمزة والمالكي وكفر سوسة ومخيم اليرموك، هل ما زال أهلها أهل الكرم والطيب؟

حي جوبر والتضامن والزهور والشيخ سعد وساحة العباسيين، هل ما زالوا يواسونك في فرحك وحزنك؟

لا تعاتبينا على الغياب، فأنت الأدرى بكل ما جرى لنا، ومن هو وراء تهجيرنا عن أحضانك، فأنت كالأم الحنونة على أطفالها هل تقسو الأم على أطفالها؟

لماذا لا تتكلمين وتزيدين من ألم الفراق الذي رافقنا طيلة سبعة أعوام؟ هذه الفترة أشبه بالموت السريري، أشبه بأوجاع الدنيا مجتمعة على روح وجسد واحدة. أتذكرين تلك الليالي التي كنا نتسامر فيها في شوارعك وأزقتك، بين الأرصفة والشوارع، وحبات المطر، ورائحة الياسمين تجوب المداخل والمخارج؟ كل شيء فيك مختلف الصيف والشتاء والربيع والخريف.

نسبح ونتضرع لله لأجلك، أتعلمين أن قربك سعادة وهناء وبعدك ألم وتعاسة؟ كل شيء كتبناه لك محفوظ في أرواحنا، سنأخذه معنا إلى السماء حيث هناك الحب الأبدي، بعيدًا عن الحب الدنيوي الذي سيتلاشى مع مرور الزمن، والذي لا يليق بهيبتك ومقامك.

عندما تجتمع كل هذه المشاعر والأحاسيس في شخص واحد، سيصبح تعبيره لا إراديًّا تجاهك.

سأكتب فيك القصائد والأشعار ليس من باب المجاملة يا دمشق؛ بل إنه الحب والشوق والذكريات، وأهل الحب أدرى بتفاصيله ومكنوناته، أهديكِ أغنية فيروز أحب دمشق، أم أهديكِ قصائد الشعراء وكل ما قيل فيك؟

كان وما زال الموت أهون علينا من فراقك، ومن قال إننا لا نموت كل يومٍ بسبب الفراق، وحتى لحظة كتابة هذا المقال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

ويكيبيديا
عرض التعليقات
تحميل المزيد