وضع الأستاذ عزمي بشارة عبارة: ربيع دمشق «إضافة إلى إعلان دمشق» تحت عنوان عريض، هو «الفرص الضائعة»، ضمن مؤلفه: «سورية: درب الآلام نحو الحرية، محاولة في التاريخ الراهن»، وهي العبارة الأكثر مواءمة لوصف تلك الفرصة التاريخية التي حظي بها نظام بشار للدفع قدما بمشروع سوريا الديمقراطية، والتي كانت – حسب نفس الكاتب – مجرد وعود للإصلاح السياسي، علما أن الدكتور عزمي بشارة يرجع فكرة الإصلاح في مؤلفه: «الثورة والقابلية للثورة» إلى حركة الإصلاح الديني البروتستانتي في القرن السادس عشر، والتي انتقلت بالكامل إلى عالم السياسة مع الحركة الاشتراكية الديمقراطية والحركة العمالية في أوروبا، وظهور خياري الإصلاح والثورة .

هناك فكرة غاية في الأهمية يجب التطرق إليها، وهي أن الفترة التاريخية المصاحبة لما عرف بربيع دمشق، كان هناك  اتفاق جمعي على فكرة الإصلاح، أي بروز نوع من العقد الإصلاحي بين بشار الأسد والمجتمع السوري، وهذا هو جوهر الفرص الضائعة، التي تشارك فيها العديد من الأنظمة العربية، التي تنزع إلى اللعب بعد انقضاء الوقت المحدد لذلك، فمثلا: نظام بن علي ضيع على نفسه فرصة الإصلاح حين كان يجب ذلك، خاصة فيما يعرف بأحداث حوض قفصة المنجمي بتونس!

حين خرج شباب عاطلون عن العمل في 2008، والذين ووجهوا بالقمع من طرف النظام، وقد تم استعمال، حتى الرصاص الحي،  كان آنذاك الحل أمنيا بامتياز، ولو عولج الأمر كما يجب  لما تحولت المطالبات الإصلاحية إلى مطالبات أكثر نضجا وعمقا، وهي رحيل بن علي، فالأنظمة العربية عبر التاريخ كانت ومازلت تضيع فرصا، مؤجلة بذلك انفجارات مجتمعية تقصيهم إلى الأبد من اللعبة السياسية، لكن الثمن بطبيعة الحال يتقاسمه كل من النظام والشعب، وسوريا أحسن مثال.

كانت مطالبة بشار الأسد في «حقه في الاختلاف»، باعث على أمل كبير، يطوي به الشعب السوري صفحة «الطاغية الأول» حسب تعبير دانييل لوغاك، مع بروز نوع من القناعة أن فلسفة حافظ الأسد انتهت مع انتهاء الحرب الباردة، وأن بشار سيتفرد بأسلوبه وطريقته، وقد طرح بشار عبارات كانت تبدو غاية في الفخامة والجاذبية آنذاك، كديمقراطية الآخرين، والحل النابع من تاريخ سوريا وثقافتها ومصالحها، وتبعا لحاجة مجتمعها وواقعها، شجعت وعود بشار 99 مثقفا وفنانا سوريا، فوقعوا في سبتمبر 2000، على بيان يطالب بعفو عام عن جميع السجناء السياسيين، وإعادة دولة القانون، والحريات العامة، والاعتراف بالتعددية السياسية وحرية الرأي، وحرية الاجتماع، وحرية التعبير والنشر.

وظهرت لجنة إعادة إحياء المجتمع المدني، ورخص لحركات حقوق الإنسان ولسبعين منتدى للنقاش الحر نشأت عبر البلاد، فأطلق جراء هذه الحركية السياسية والمجتمعية  صراح 700 سجين سياسي، وأغلق سجن المزة الشهير، وأعلن عن تجميد قانون الطوارئ رسميا، وهنا انطلقت دمشق في ربيعها السابق لربيع  مارس 2011.

رأى كثيرون أن ربيع دمشق مدخل للتغيير الديمقراطي ، فهو كان خيارا إصلاحيا نحو الديمقراطية انضوت تحته نقاشات كانت خطوطا حمراء وطابوهات في حكم الأسد الأب، وصلت حد إعادة النظر في موقع حزب البعث في النظام السياسي السوري، وفي الدولة على وجه التحديد، فحزب البعث التهم جميع مؤسسات الدولة، وحولها إلى وسائل نضالية تخدم رؤيته للتغيير، والديمقراطية والإصلاح وعلاقة الدولة بالمجتمع، وتوزيع السلطة، وغير ذلك من القضايا المصيرية التي تحددها المجتمعات في الظروف العادية والطبيعية.

يشير أرليخ إلى أن ضباط الجيش والمخابرات البعثيين الممسكين بزمام السلطة الحقيقية أو «الحرس القديم»، رأوا حتى في هذه التلميحات الطفيفة للتغيير تهديدا لهم، وكان عليهم المحافظة على السلطة بأي ثمن، فالانفتاح السياسي قد يكشف بطريقة أو أخرى ملفاتهم القمعية والفاسدة، ومن هنا عادت الآلة الأمنية لتفرض منطقها متجاوزة حتى الأسد الابن نفسه، فمنطق دوام مصلحة النظام يتجاوز بطبيعة الحال الأفراد، وقد ذكر الدكتور عزمي بشارة ثلاثة مرتكزات رئيسة طغت على الخطاب السياسي للنظام عقب ذلك :

الأول: تبرير غياب الحريات الأساسية والتقليل من أهمية الانتقال الديمقراطي بالتركيز على ضرورة الدولة السلطوية القوية التي تضمن الاستقرار السياسي والاقتصادي، وتجنيب المجتمعات الهزات والاضطرابات الاجتماعية.

ثانيا: تبرير تأجيل الإصلاح بأنه لا يمثل أولوية في الضغط الذي تواجهه سوريا «ولاسيما بعد أحداث 11 سبتمبر2001 وانطلاق عقيدة الحرب على الإرهاب، ثم حرب العراق في 2003، واغتيال الحريري في  2006» ، ويطالب بإخضاع النقاش الداخلي لضرورة التصدي للمؤامرات، وبأولوية السياسة الخارجية والصراع مع إسرائيل على أي مطالب اجتماعية وسياسية.

ثالثا: ما اصطلح النظام على تسميته الخصوصية السورية، ولا ينبع هذا المصطلح من فهم سوسيولوجي للمجتمع السوري المركب، وإنما يقوم على نظرة استعلائية على الشعب السوري، فالخصوصية السورية بحسب تعريفات النظام تتجلى في أن المجتمع غير جاهز بعد للانفتاح الديمقراطي، وبالتالي لا بد من تأهيله بالتدريج، وعلى مراحل قبل القيام بالإصلاح السياسي.

الحقيقة  أن ثلاثية عزمي بشارة حول الخطاب السياسي للنظام عقب إجهاض ربيع دمشق التاريخي جامعة لكل فكر نظام بشار الأسد، الذي يتكئ، كحال العديد من غيره من الأنظمة، على وهم المؤامرة، والديمقراطية المؤجلة، والقصور المجتمعي، وجعل فن السياسة والقيادة هبة لدوائر ضيقة، ولصيق بأصحاب البدل والمال، وأن استقرارا اقتصاديا من شأنه إسكات الأصوات السياسية، في مقابلة لريز ارليخ مع بشار الأسد سنة 2006 ، صرح بشار أن الحوار سيبدأ حين يتوقف الآخرون عن ممارسة الضغط على نظامه، في إشارة إلى الغرب.

وقد أكد أن القضايا المصيرية التي تحرك الشعب السوري هي أمور تثيرها الولايات المتحدة الأمريكية من أجل أن تسيئ إلى النظام الحاكم، فلم يكتف الأسد بجعل المجتمع السوري يبدو وأنه مجموعة من العاجزين عن حمل مشعل الديمقراطية، بل وصل إلى حد تخوينهم ووصفهم بطريقة غير مباشرة بأنهم يتحركون ضمن أجندة غربية تحاول ضرب مصداقية النظام، في الوقت الذي رفضت فيه المعارضة السورية دخول الولايات المتحدة الأمريكية قبل 2001، وقد أكد الشيخ نواف البشير ذلك لارليخ قائلا: «نحن لا نريد أن نتكل على قوى أجنبية، يجب أن يأتي الإصلاح من صميم سوريا نفسها».

كان بشار الأسد يعي جيدا أن نظامه عرضة لضربة مجتمعية قوية، فكان يجيد التلاعب بالخيارات والبدائل، وقد عبر في مرة من المرات أنه يريد أن يستلهم من النموذج الصيني، معلنا أن «الإصلاحات الاقتصادية تمر قبل الإصلاحات السياسية»، كان المراد من تسويق هذه الفكرة، هي ربما الاعتقاد الراسخ أن حدا  مقبولا من الدخل من شأنه أن يسكت صوت المجتمع السياسي، ضمن نظرة شديدة الخطورة ترى في المواطن مخلوقا يأكل ويشرب ويصمت، هذه النظرة المتخلفة للإنسان وللمجتمع يبدو أنها مازالت حاضرة في ذهن نظام الأسد، فتعريف كرامة الإنسان في إطار وطنه، هو أن يكون مرتاحا اقتصاديا، بالرغم من أنه حتى هذا الشق المتعلق بالأمن الاقتصادي للفرد السوري كان ضربا من الخيال في ظل تجذر الرأسمالية العائلية في سوريا، لكن الكرامة في مفهومها الواسع تستدعي مشاركة المواطن في اتخاذ القرارات التي ستمسه مستقبلا، وستنعكس على حياته اليومية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد